Category Archives: Okategoriserade

لا يجب عليك السير مع القطيع

You don’t have to go with the crowd

قصة عارضة الازياء العالمية اليك ويك من دولة جنوب السودان._46443189_alekwek_getty766

نشر فى صحيفة الغارديان البريطانية فى. ٢٨ مارس ٢٠١٤.

الجزء الاول.

ترجمة محمد حسين.

كان عمر إليك ويك ١٩ عاما عندما تم اكتشافها بواسطة احدى افضل الوكالات فى لندن في معرض في كريستال بالاس بارك. تتذكر والدتها، كان امر مرعب، عندما كانت تفكر فى ان ابنتها على وشك أن تصبح فتاة الصفحة الثالثة. تضحك بصوت عالى: “كان علي أن أذكر أنني لم يتم تنشأتى لأجل ذلك“. ويك واحدة من أكثر العارضات الناجحات خلال العقدين الماضيين، وقد ورثت طول والدها وأطرافه الطويلة للغاية، و عظام الخد من والدتها و ارداف صغيرة وابتسامة عريضة، لكنها لم تكن حقا تمتلك خامة الفتاة البراقة . و رغم ذلك استمرت الوكالة فى تبنيها، وأخيرا أقنعوا والدة ويك بأن هناك وكالة ذات سمعة ترغب فى توظيف ابنتها، وان ابنتها سوف تبدأ حياة مهنية حافلة.

ذهبت إلى نيويورك، مكثت هناك بالكاد أسبوع واحد، حجز (رالف لورين) لها لتفتح وتختم المعرض الذى عادة ما يفتح و يختم بواسطة عارضة ازياء كبيرة و ليس مبتدئة. عارضات امثال كالفين كلاين، إيزاك مزراحي، تود أولدهام وآنا سوي. لقد تم إعتماد ويك كنجمة في معرض العين الذهبية و اختيرت موديل العام من قبل مجلة الهوية، و في عام ١٩٩٧ و بعد أقل من سنة من بادية مشاورها المهني، أصبحت أول موديل أفريقية تظهر على غلاف مجلة ايل..

ولدت ويك في جنوب السودان، و عندما وصلت إلى لندن كان عمرها ١٤ عاما، وكانت واعية انها مختلفة عن عارضات الازياء البارزات فى ذلك الوقت، سيدات امثال كيت موس، كلوديا شيفر ، وإيفا حريكوفا. وقالت اليك عندما كانت فى السودان كانت لا تعرف امثال إيمان وغريس جونز. “لم يكن فى مسقط رأسي أدنى حد  من المعرفة بالموضة و معارض الازياء ، وتقول ويك. “لم تكن هناك مجلات. لم أرى أبدا نساء يضعن المكياج، أو يصففن شعرهن فى قصات مختلفة. قطعا لا.” الآن، كما تقول، هناك العديد من الفتيات القادمات من جنوب السودان يعملن كعارضات و ان ذلك لم يعد امر ذى شان كبير .

في أواخر التسعينات كانت اليك واحدة من بين العارضات الافريقيات القليلات اللائي كتب لهن النجاح. ” كان هناك عارضات سوداوات، ولكن لم تكن واحدة منهن من ذوات البشرة الداكنة مثلى، و قطعا لا يملكن صفات الدينكا، وهذا أمر مؤكد“. و مع ذلك، كنت دائما مخطئة بشان نوومي كامبل، وهى عارضة مختلفة المظهر تماما من استريتهام” امها جامايكية المولد. تضحك على هذا السخف : “إن المرأة السوداء ليست نموذج، لم تكن لدى رغبة فى تقلد الوظائف التي تطلب خصيصا فتيات سوداوات، ماذا بحق الجحيم، هل تشعر بالراحة عندما تقول ارغب فقط فى توظيف فتيات بيضاوات، أو..؟ لاتينيات؟ هل تمزح معي؟ انا محتارة “.

في الوقت الذي كانت تعتبر العارضة السوداء تجاريا أكثر قابلية للاستمرار إذا كان شعرها مسدل، و فاتحة البشرة، اما بشرة ويك داكنة جدا، وقصة شعرها طبيعية ، كانت اليك واثقة من ذاتها. لقد قابلت العديد من العارضات الناجحات، وعندما أسالهن عما اذا كن يعرفن سلفا انهن جميلات، كانت اى واحدة منهن ترمقني بنظرة رعب وهمية قبل ان تعدد صفاتها القبيحة فى سن الطفولة، قدمين كبيرتين ، قامة طويلة جدا، و غيرها من الصفات الخرقاء، ولكن عندما طلبت من ويك، أجابت على الفور: “أوه نعم، بالطبع انا جميلة.

UNITED STATES - SEPTEMBER 20:  Model Alek Wek sports an outfit from the new Peter Som collection during show at the Metropolitan Pavilion on W. 18th St. as part of Spring Fashion Week 2003.  (Photo by Pat Carroll/NY Daily News Archive via Getty Images)هناك جدل بشان ثقتك فى نفسك، يقال انها نتاج لتنشئتك فى بيئة معتمة اعلاميا، حصلنا على الثقة من والدتي كما تقول اليك، اليك واحدة من بين تسعة اطفال، قالت لنا والدتي ان الاحتفال بجمالك كونك امرأة … هذا ما يجعلك رائعة. يتعرضن عارضات الموضة للانتقاد بشان مظهرهن اكثر من الاخرين، يركز الوكلاء و المحررين و المصورين على انتقاد صفات العارضات الخلقية علنا. “يمكنك أن تشعر بقوة أن أحدهم لا يحبك. وأعتقد أن أي عارضة موضة من اللائي ليست لديهن نفس نوعية تنشأتى سوف يجدن الامر صعب جدا، رغم معرفتي بانني مستهدفة، لكن لم افكر ابدا فى أنني قبيحة لم يخطر في ذهني “.

منذ البداية، جذبت آخر صيحات الموضة والأزياء الراقية اهتمام اليك بحماس وليس الاتجاه الموضة السائدة تبنى خط صيحات الموضة كانت الخطوة الاكثر شجاعة، كما تقول. “عندما بدأت، كنت أسمع الناس يقولون :” الله، ان مظهرها مختلف جدا، لأنني لا ابدو كمثل بنت الجيران، ولكن كنت فقط عادية. كنت مثل بنت الجيران. كان هناك اناس في حياة آخر صيحات الموضة يمكن أن انتمى اليهم، اولئك الذين يفعلون شيئا أكثر إثارة للاهتمام وليس تلك الاحاديث القذرة “.

كانت طفولتها المبكرة سعيدة، و امنة. “كانت حياتنا بسيطة للغاية. لا مياه جارية ولا كهرباء. كنا نجلب مياه الشرب من البئر ، وكان الحمام عبارة عن حفرة. كانت أمي تدبر شئون المنزل، ولكن إذا حدث أشتكينا من شيء ما، كانت تطلب أمى ان ننظفه ، تضحك. ” كانت بلدة صغيرة، حيث الجميع يعرفون بعضهم. لم تكن لدينا أي فكرة عن اننا فقراء ، لأننا كنا أغنياء جدا في ثقافتنا و  وعينا. كنت أحب الذهاب إلى المدرسة، و اعرج فى طريق العودة الى أشجار المانجو لأتناول منها وجبة خفيفة“.

عندما كانت في الخامسة من عمرها، اندلعت الحرب الأهلية. في البداية أخفى والديها خبر الحرب عنها. “كانا يحاولان حمايتنا، ولكن تصاعدت الأمور إلى درجة أن الميليشيا بدأت تعتدى على الشرطة. وفجأة اختفي الجيران في ظروف غامضة . عندما تذهب لجلب الماء تشاهد الجثث على طول الطريق. كان قد فرض علينا حظر التجول، كانت توجه لنا صافرات الانذار التحذيرية باستمرار وكانت موارد و ذخيرة الشرطة قد نفدت، وأخيرا، قالوا يجب علينا اخلاء المنطقة. لم تكن هناك اى مساءلة. لقد كانت حالة من الفوضى و الرعب. “

أسرة ويك، جنبا إلى جنب مع الآلاف من المدنيين من قبيلة الدينكا، بداوا رحلة طويلة سيرا على الاقدام في عمق الأدغال بحثا عن الأمان. والدها الذي كان مريض و كان بالكاد قادر على المشي، كان محمولا ابان ذلك الهروب. لقد صادف موسم الأمطار و ان الجسر على النهر كان قد تم تدميره، و لذلك سافرنا على متن قوارب بدائية الصنع، وكان كل فرد من أفراد الأسرة يحمل شيء من متاعهم المنزلي : زجاجة ماء، قدر، وبعض المفارش. كانت ويك لا تقوى على السباحة، كان مرعب. “لقد كان أمرا مروعا، كما تتذكر. “كنا ناوى الى الأكواخ التى غادرها الآخرين، لتجنب الثعابين“. والديها، كانا من الجيل الأول في عائلتهم الذى ذهب إلى المدرسة، كانا قادرين على تحديد نوعية الأغذية البرية القليلة الصالحة للأكل من بين الغالبية السامة.

تمكنت ويك في نهاية المطاف من مقادرة الخرطوم لأن والدتها كانت تتاجر، كانت قد باعت كميات من الملح للناس في الأدغال. شيئا فشيئا، سخرت اموال الملح لاستخراج جوازات سفر لجميع أفراد الأسرة. اقترضت والدتها أيضا قطعا صغيرة من الأرض زرعت فيها الفول السوداني، كانت تحمصه وتطحنه بنفسها لتكسب مزيد من المال لتدفع ثمن هروبنا. كل يوم، كان صوت طائرات المساعدات الانسانية ترعب إليك و الأطفال الآخرين كانوا يهربون الى بيوتهم المؤقتة، حزموا أمتعتهم على عجل، و ذهبوا الى محبط الطائرة لتوسل المسؤول العسكري ليمنحهم مقعد. لقد سافر اولا والدها الذى كان في حالة صحية حرجة ، أملا في الحصول على العلاج في الخرطوم. و تمكنت أليك من الوصول إلى العاصمة بعد بضعة أشهر ، بعد ان اتفقت مع والدتها على ان تتظاهر بانها ابنة خال، كانت عائلة ويك كبيرة جدا للهروب الجماعى. وكانت قد بلغت الثانية عشر من العمر ،لحقت بهم والدتها بعد ثلاثة أشهر. بسبب ان والدها كان قد عانى من المرض، وتوفي قبل أن يتمكن من السفر الى خارج السودان.

وصلت ويك الى لندن بعد عامين، للعيش مع أخواتها في منطقة (هاكني) و لحقت بهم والدتها عندما كانت فى السادسة عشر. التحقت بالمدرسة الثانوية، على الرغم من أنها تحدث فقط العربية و لغة الدينكا. قالت انها لم تتعرف من قبل على مثل هذا الطقس البارد. كانت بالفعل فترة مربكة. “لقد كان حقا صعبا. الأطفال في مثل تلك السن يكونون متنمرين، خلال تلك الفترة، قبل ان اتعود على ذلك كنت أتحدث و ابدو مختلفة جدا، ولكن بعد أن تختبر جميع تلك الاشياء، حيث لا شيء كنت متيقنة منه من أي وقت مضى، أننى كنت ربما قد اقتل، كنت حرة وسعيدة جدا أن احصل على تعليم. لقد ركزت على ذلك كثيرا “. لقد تم تعينها فى وظيفة معلم للأشخاص من ذوى الاحتياجات الخاصة، وكانت فصيحة جدا فى اللغة الإنجليزية.

سالى هوكيس.

ترقبوا الجزء الثانى قريبا.

الإعلانات

إكتساب المال من جرائم الإبادة الجماعية فى السودان

كيمبرلي هولينجسورث،image

ترجمة. محمد حسين و نجدة منصور.

حدث هذا قبل عام تقريبا عندما قال لى أحدهم: ” أشعر بالملل مع السودان إنه ليس المشروع الذى يدر المال كما توقعت له أن يكون، ولكن إذا رغبتي فى مساعدةأنا سوف اساعدك، فقط إذا كان بالإمكان أن نعمل معا بشكل وثيق و نلعب معا. و هذا بالضرورة في حالة تغاضيت عن تحرشه الجنسي، لقد حاول أن يقبلني عندما غادرت المقهى في منتصف النهار.

لم أتحدثت معه مرة أخرى ولم أحضر أى برنامج آخر نظم برعاية المؤسسة التعليمية التي إستخدمته. الشيء الوحيد الذي يبقي أن أقول : “أعتقد أن الدالاي لاما إرتكب خطأ عندما إختارك ك كمستشار لسنوات عديدة.”

لقد تعلمت أشياء قليلة جدا خلال الأربعة سنوات الماضية تقريبا بعد أن تركت وظيفتي المرموقة والأمن الشخصي الذى توفره لي لم أكن أعتقد أنه سوف يستغرق وقتا طويلا لإنهاء الإبادة الجماعية خلال حياتي وحشد الدعم لإنفاذ أوامر المحكمة الجنائية الدولية التى أصدرت أمر إعتقال الرئيس السوداني عمر البشير بتهمة إرتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وجريمة الإبادة الجماعية . ولكن يبدو أن هناك مقاومة قوية من صناع القرار داخل المجتمع الدولي.

بعض الأشياء التي تعلمتها

حاول الأمين العام السابق للأمم المتحدة، كوفي عنان، إسكات موكيش كابيلا، رئيس الأمم المتحدة في السودان، عندما طلب منه كابيلا أن يفعل شيئا حيال الإبادة الجماعية التي تحدث في دارفور. لحسن الحظ، أن كابيلا متمرد قليلا فأطلق الصافرة في عام 2004.

و أنقذوا دارفور كانت أكبر تحالف امريكي يكافح من أجل إنهاء الإبادة الجماعية؛ جمعوا الكثير من المال بإسم دارفور، ولكن أين ذهبت تلك الأموال؟ هل قدمت مساعدة مباشرة للنازحين في السودان؟ أم، سخرت التبرعات بصفة رئيسية لتمويل حملات المناصرة و دفع الرواتب؟ و، أين هم الآن بينما العديد من سكان دارفور ما زالوا يعيشون في مخيمات اللاجئين لأكثر من عقد من الزمان؟

عندما كان الرئيس الأمريكي أوباما يتنافس لأجل ولاية ثانية، قال لي العديد من الناس بأن أوباما أوعز على جورج كلوني بالتوقف عن الحديث عن السودان، أنت تحرجنى.” و لازالت الإبادة الجماعية ضد الشعب في جبال النوبة وجنوب كردفان، وضد الشعوب في ولاية النيل الأزرق مستمرة لسنوات أين كلوني الآن؟

إذا كان ندم بيل كلينتون الكبير هو عدم التتدخل أبان أحداث الإبادة الجماعية في رواندا التي راح ضحيتها مليون شخص في 100 يوما، كيف لباراك أوباما أن يتمكن من أن ينام هادئ البال عندما تنتهي فترة رئاسته؟ سوف تكون ثماني سنوات من إمتلاك السلطة للإيفاء بالوعود التي وعد بها عندما كان عضو بمجلس الشيوخ الأمريكي. و في وقت لاحق رئيس الولايات المتحدة. لقد سألنى العديد من الفئات السودانية المهمشة لماذا أوباما صامت جدا بشأن السودان. لدي بعض الأفكار، و لكن الثابت أن هنالك أرواحا فقدت بالفعل في عهده.

و في أكتوبر عام 2014، أكثر من 200 من النساء والفتيات تعرضن للاغتصاب الجماعي من قبل جنود الحكومة السودانية في هجوم منظم علي تابت، وهي قرية في شمال دارفور، و لقد قامت اليوناميد بما ظلت تفعله لسنوات و هو التلاعب بالتقارير الرسمية المقدمة إلى العامة لحسن الحظ قبل جريمة الاغتصاب فى تابت ، في أبريل عام 2014،كانت قد كشفت عائشة البصري عن دليل اثبات للعلاقة بين اليوناميد و الخرطوم و صناعة الأكاذيب.

حاولنا الدفع بإجراء تحقيق مستقل في اليوناميد و إدارة عمليات حفظ السلام، لكن مجلس الأمن الدولي أفشل جهودنا في ديسمبر عام 2014، تماما كما فشل بان كي مون سابقا بشأن دارفور، وتحديدا أبان قضية النساء والفتيات في تابت، كان بان كى مون مشغولا بتعزيز حملة الأمين العام للأمم المتحدة ، إتحدوا لإنهاء العنف ضد المرأة“. اذا كان بان كي مون قد سمح بإجراء تحقيق مستقل بدلا من تحقيق اليوناميد الداخلي الضعيف في الصيف الماضي، لكان ربما حال دون وقوع جريمة الإغتصاب فى تابت.

و في الآونة الأخيرة، قررت الولايات المتحدة تطبيع العلاقاتمع الخرطوم، و كانت هناك دلائل علي ذلك والتي تتمثل في: دعوات وتأشيرات غير مقيدة لأعضاء نظام البشير لحضور صلاة الإفطار الوطني،و جدولة إجتماعات مع وزارة الخارجية، و رفع العقوبات من قبل وزارة الخزانة الأمريكية، وآخر المواقف الصادمة ظهور وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في صورة جماعية تم إلتقاطها في مصر وهو يرسم علي وجههة إبتسامة عريضة و يقف مباشرة خلف الرئيس السوداني البشير. المتهم من قبل المحكمة الجنائية الدولية.

وقد أشيد بالبشير لجهوده في تسهيل محادثات السلام بين رئيس جنوب السودان سلفاكير ونائب الرئيس السابق له، رياك مشار، بينما يعلم الجميع في دائرة المنظمات غير الحكومية أن البشير كان قد قدم الأسلحة لكلا الطرفين.

إرتكب البشير أول إبادة جماعية في القرن ال21، و فيما يتصل بالوضع في دارفور. يستخدم البشير الرصاص والقنابل والحرائق، والاغتصاب كأسلحة حرب، و هي تستخدم حقا كأسلحة إبادة جماعية، إضافة لنقص الغذاء والماء والتعليم والعلاج، والأمن.

العديد من الناشطين الذين كانت تركز جهودهم على إنهاء الإبادة الجماعية أوقفوا نشاطهم في حركة إنهاء الإباة الجماعية و توجهوا للعمل في قضايا أخرى مثل حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين، والإتجار بالبشر، و السيطرة على السلاح، وحماية المدنيين العزل، لقد سألني مرارا تكرارا السودانيون في الشتات، واللاجئين والمشردين داخليا في المخيمات عن لماذا مازلت موجودة مع القلة المتبقية من الناشطين غير السودانيين في المسيرات و النضال معهم لإنهاء المعاناة في السودان.

فأجبت بأن: “هناك الكثير من هؤلاء النشطاء و قد ظلوا يعملون لسنوات، ولكن استنفدت طاقتهم. و هذه واحدة من أسوأ الأشياء التي يمكن أن تحدث لناشط، هو أن تشعر بأنك غير فعال. وسوف تكون العودة عندما يتمكنوا من المشاركة في اعمال فعلية تمثل جزء من استراتيجية طويلة المدى “.

بدلا من التركيز على ما لا أستطيع فعله أركز علي تمكين المجتمع السوداني. فأنا أعمل مع الشتات على أنشطة خطاب جماهيري، وأقوم بتدريب مجموعات من الناس على كيفية إستخدام وسائل الإعلام الإجتماعية. وإنه لمن المثير حقا أننا نستخدم التكنولوجيا للتواصل مع الناس الذين يعيشون في معسكرات النازحين في السوان.

ليس أسوأ من أن يقال لكي، أنت إمرأة بيضاء غبية أنت تهدرين وقتك!” على الرغم من الصدمة و تسبب ذلك في إنهاء أحد صداقاتي، لكنني أدرك أنه لا بد من المحاولة. هنالك أوقات أشعر فيها برغبة في التخلي عن ذلك و التوقف عن فعل كل شيئولكن، لا أستطيع. ببساطة، الإبادة الجماعية امر غير اخلاقى و جميعنا يعلم ذلك.

نحن الذين ما زالت لديهم القدرة علي الأستمرار في الصمود، لأنه هو الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله. و أنا شخصيا أطلق علينا (الصامدون في ساحة المعركة)، ما زالوا يموتون، لا يزال يتم إغتصاب النساء والفتيات، و لا يزال يرمي بالاطفال الرضع في النيران المشتعلة. والرجال يقتلون ويحول الأولاد الى أطفال مجندين.

الإبادة الجماعية ما زالت مستمرة و هنالك ما يمكنك القيام به حيال ذلك.

كيمبرلي هولينجسورث، هى مؤسسة منظمة الإنسانية هى نحن“.التى تنشر التوعية حول الجرائم التى ترتكب ضد الإنسانية و توفر موارد يمكن الإعتماد عليها لحماية الانسانية. و تغطي نشاطاتها مجالات الإبادة الجماعية و العنف ضد الرجال و النساء و الإعتداء على الأطفال و اﻹتجار بالبشر.

Making Money Off Genocides in Sudan 

26 يناير 2015

الجنس الأكثر أماناً شرط تنموى

1362199527_condom2محمد حسين

تعمل جميع الحكومات الرشيدة على تعزيز الرعاية الصحية من خلال تطوير استراتيجيات الوقاية من الامراض لضمان الحق فى الحياة و صيانة المورد البشرى، و تهتم تلك التدابير الوقائية بتحسين البيئة و الخدمات لتقليل الحوادث و مخاطر تفشى الامراض، من خلال اجراءات عديدة تشمل أيضاً تغيير السلوك عن طريق التشريعات او التوعية.و تاتى الوقاية من الامراض خاصة المنقولة جنسيا فى مقدمة اولويات تلك الحكومات، باعتبار الجنس واحد من اقوى الغرائز البشرية فضلا عن كونه حاجة انسانية ملحة و ان ذلك جعله سبب مباشر فى تفاقم العديد من المشاكل المرتبطة بصحة الانسان.

و على الرغم من ان ممارسة الجنس خارج الاطر الاسلامية يعتبر حرام، الا ان ذلك لم يمنع المسلمين السودانيين من ممارسة الحب خارج الروابط الشرعية, ومع ذلك من الصعب الحصول على احصائيات دقيقة عن هذا السلوك الانسانى، الشىء الذى جعل البعض يستشهد بتزايد اعداد الاطفال الفاقدين للسند الوافدين الى دور الايواء مثل المايقوما فى الخرطوم، او بالاحصائيات التى قدمت مؤخرا بواسطة جمعية حماية المستهلك التى ذكرت ان هناك تقريبا نصف مليون عاملة جنس و مئة و خمسين مثلى الجنس فى السودان، و رغم عدم دقة هذه الأرقام الا انها ربما تصلح كمؤشرات لقراءة حجم الاثار الناجمة عن ممارسة الجنس بطرق اقل أماناً .

كما اننا لا نستطيع انكار ان هناك نسبة مقدرة من السودانيين و السودانيات المسلمين يمارسون الجنس خارج الروابط الشرعية سواء كان لاجل المتعة او البغاء، و المؤسف ان اغلب تلك العلاقات اقل أماناً، نتيجة للجهل بالوسائل الامنة او عدم توفرها بسبب السياسات الحكومية السلبية، رغم ان الوعي بتلك الوسائل و اماكنية الحصول عليه أفضل نوعا ما فى الأوساط الاكثر مدنية و معرفة.

و بالنظر الى معدلات الاصابة بالامراض المنقولة جنسيا مثل الايدز الذى سجل تقريبا اكثر من ٧٠ الف حالة فى السودان  حسب منظمة الصحة العالمية. ٢٠١٣، من بينهم حوالى ثلاثة الف سيدة حامل و اكثر من خمسة الف طفل. و بالرغم من ان هذه الاحصائيات اعتمدت على الكشف الطوعى و العرضى (الصدفة)، الا انها تظهر عن كارثة تنهش ببطء فى عظم الاقتصاد و المجتمع. و يرجع السبب فى ذلك الى توجهات حكومية اسلامية زائفة و وعى مجتمعى ضعيف بحجم تلك المخاطر.

و لتقريب الصورة للقارىء اكثر، زرت قبل سبعة اعوام مدرسة أساس مختلطة فى أطراف جنوب الخرطوم، كان اول ما لاحظت هو شبه خلو الفصول العليا (الثامن، السابع و السادس) من الفتيات، سالت احد الاساتذة عن السبب، قال يعود السبب الى ان اغلب فتيات المنطقة بما فى ذلك الطالبات يتعرضن للحمل بسبب نشاطهن الجنسى المبكر او الزواج فيضطرن على ترك المدرسة، حقيقة لم اتفاجأ من ذلك طالما الحكومة ترفض تضمين التوعية الجنسية فى المناهج الدراسية و تمنع توزيع اى مواد للجنس الأكثر  أماناً بين البالغين بناء على حجج سخيفة منها  ان ذلك بمثابة دعوة للاباحة.

حسنا، لن اتحدث هنا عن خطل تلك الاسانيد الحكومية و فى ذهنى ان الدين علاقة بين العبد و الرب لن يستطيع اى كان ان يتحكم فى تلك العلاقة، كذلك لن اتحدث عن حقوق الافراد فى ان يفعلوا باجسادهم ما يحلوا لهم بشرط ان لا يضروا احدا بذلك، و لكن الحقيقة ان السودانيين و السودانيات سوف يواصلون فى تلبية نداء أجسادهم رضيت الحكومة ام أبت، رغم ان ذلك النداء الجسدى يقتل الالاف منهم، و اذا كان الامر كذلك ما هى الغاية الاسمى من الحفاظ على حياة الانسان.

لا يوجد جرم اعظم من ان تترك المرض ينتشر فى وقت تمتلك فيه امكانية السيطرة عليه، لتضيع حيوات و مستقبل الالاف من الشباب من الجنسين، و يتعرض بذلك المجتمع الى خسائر كبيرة بالموت او المرض او الوصمة، و اقصد بالوصمة هنا الالاف من الفتيات النابغات اللائى يضطرن على مغادرة فصول الدراسة كثمن لعلاقة حميمة و ربما يدفع الحمل العديدات من اللائى خزلهن احبابهن على التخلص من تلك الثمار و فى احسن الاوحال ايداع موالديهن فى دور الايواء، ليتحول الحب الى جريمة مزدوجة تشمل الاجهاض او القتل او التخلى عن المولود.

دعونا نتخيل الخسائر الناجمة عن ممارسة الجنس الأقل أمانا، و هنا امنح القارىء فرصة ممارسة التخمين، كم عدد الذين معرضون للاصابة بالايدز و غيرها من الأمراض المنقولة جنسيا بسبب تلك السياسات الحكومية، و كم عدد الفتيات اللائى قد يتعرضن للحمل و يدفعن اثمان باهظة مقابل كارثة يمكن تجنبها باقل تكلفة، و كم حجم الانفاق على العلاج و اثر ذلك على دخل الاسرة و المجتمع و الدولة.

قد يقول البعض يجب ان ان يدفع المسلم العاصي ثمن عصيانه، نعم العفة شىء جيد و الاخلاص لشريك واحد امر فى غاية الاهمية، الا ان السودانيين و السودانيات ليسوا ملائكة و السودان ليس مدينة فاضلة. و من ناحية اخرى ان العلاج حق فبتالى الوقاية من المرض ايضا حق اصيل لا ينفصل عن حزمة الحقوق التى تبتغى صون حياة و كرامة الانسان.

التمييز الممنهج ضد النازحين فى الخرطوم

011gf

محمد حسين

التمييز هو المعاملة غير العادلة أو الضارة لفئة مختلفة من الناس، خصوصا على أساس العرق أو العمر أو الجنس او النوع او الخلفية الاجتماعية….الخو بناء على هذا المفهوم سوف اناقش السياسات الحكومية ضد المواطنين السودانيين الذين أرغموا على ترك مواطنهم الاصلية بسبب الحروب الاهلية، و العيش فى الخرطوم، وان اختيارى لمدينة الخرطوم جاء بوصفها مصنع السياسات الحكومية من جهة و انها المنطقة الاكثر جذبا للمشردين داخليا، لامتيازاتها العديدة دون المدن لعوامل تتعلق بالخلل التنموى و الخدمى كاحد افرازات الهيمنة المركزية المزمنة التى هى أيضاً احدى مظاهر التمييز القومى، والمسبب الرئيسى فى الحروب، و الفوارق المعيشية و الاقتصادية و الاجتماعية الشاسعة بين المواطنين من جهة و بين الاقاليم السودانية من جهة اخرى.

لقد تسببت الحرب الأهلية الأولى التى اندلعت فى جنوب السودان في نزوح ما يزيد على مليون سوداني جنوبي نزوحا داخليا، و أن نسبة قليلة منهم قررت حينها الهجرة إلى الشمال، مقارنة بما حدث في الحرب الثانية، التى تجاوزت باثراها المدمرة حدود الاقليم الجنوبي الى اجزاء من شرق السودان و النيل الازرق و جبال النوبة و زادت من اضرار تلك الحرب تزامنها مع ضربات القحط والجفاف فى منتصف الثمانينيات، فى وقت ضاعفت الحكومة من اعمال العنف في الجنوب متعمدة تشريد السكان الريفيين و تدمير اقتصادهم التقليدى، و مع توقيع اتفاقية السلام الشامل كان قد وصل عدد السودانيين الجنوبيين النازحين الى اربعة مليون نسمة، و حوالى نصف مليون عبروا الحدود الى دول الجوار كلاجئين فى كل من كينيا و يوغندا و اثيوبيا.

 وان اكبر موجات نزوح الدارفوريين نحو الإقليم الأوسط بعد الثورة المهدية كانت لاجل البحث عن حياة افضل بسبب اثار المجاعات و الانفلات الامنى الناتج عن عجز الحكومة المركزية فى بسط الامن و ان اغلب اولئك النازحين كانوا قد اشتغلوا كعمال فى المشاريع الزراعية او عمالة هامشية فى المدن، بما فى ذلك الخرطوم، الا ان اعدادهم ازدات بشكل مضطرد بعد ان اعلنت جماعات دارفورية تمردها على الحكومة المركزية قبل اكثر من عشرة أعوام، و بسبب اتخاذ الحكومة ذلك التمرد ذريعة لترتكب جرائم منظمة ضد المدنيين الافارقة قل ما تمارسها دولة ضد مواطنيها، فاستشرى عنف لازال يمارس على نطاق واسع فى دارفور اجبر فى نهاية المطاف المدنيين على الهرب من قراهم، فوصل عدد النازحين 2,5 مليون، و عدد اللاجئين بدولة تشاد فاق 260 الف حسب تقديرات الامم المتحدة فى سنة 2005.

ونتيجة لتلك الصراعات المسلحة و موجات القحط و اختلال التنمية أصبح لدى السودان تجمع من أكبر تجمعات النازحين داخليا في العالم بالتزامن مع توقيع اتفاقية نيفاشا، لقد قدّر مركز رصد النزوح الداخلي التابع لمجلس اللاجئين النرويجي وجود ما يقرب 5.8 مليون نازح داخلي في السودان في عام 2006، ومن بين هؤلاء، فى نفس العام قدرت منظمة الهجرة الدولية بأن نحو مليوني نازح داخليا يقطنون ولاية الخرطوم قبل وصول المشردين داخلين بسبب الحروب الجديدة فى جنوب كردفان و جنوب النيل الازرق..

يعتقد العديد من المراقبين ان الحروب السودانية هى حروب ذات جذور عنصرية، بالنظر الى هيمنة الأقلية على نظام الحكم منذ الاستقلال، و اختلال موازين التنمية بين الاقاليم التى منحت الجماعات المتمردة مشروعية القتال لأجل إنهاء التهميش و الاقصاء على اسس عرقية و مناطقية، او بالنظر الى انماط الحكومة فى شن تلك الحروب التى لم تستهدف المتمردين و حسب بل تعدتها لتستهدف الجماعات العرقية التى ينحدر منها قادة المتمردين بما فى ذلك تصدير العنف اليهم بعد ان هربوا الى دول الجوار و ان اولئك الذين احتموا بعرين النظام فى الخرطوم لم تشفع لهم سودانيتهم فى كبح جماح التمييز الرسمي ضدهم.

و باتت الاجراءات القمعية ضد النازحين الجنوبيين فى الخرطوم اكثر وضوحا فى عهد الانقاذ التى اعلنت الجهاد ضد المتمردين المسيحيين بالتزامن مع اعلان المشروع الحضاري، و هو مشروع ايديولوجى يهدف الى الغاء الحيز المعنوى و المادى للوجود غير الإسلامي و غير العربي فى العاصمة و اعادة صياغة السودانيين بشكل عام، لقد عبر عن المشروع الذى غرس بذرة تدمير السودان نخبة من العصبة كشفت عن خوف خبيث من الوجود الزنجي الطاغى في الخرطوم التى تحولت الى نيروبي او كمبالا اخرى فى اعتقادهم و سموا تلك الافريقية الطاغية على اطراف الخرطوم بالحزام الاسود، لقد انعكست تلك المخاوف فى شكل سياسات و تدابير جدية لاعادة انتاج سكان الحزام الزنجى او اضعافهم اقتصاديا و اجتماعيا و سياسيا، و كانت معظم تلك الاجراءات قامت على تمييز مفضوح مورس ضد النازحين من خلال انتهاك حقوقهم الاساسية  كمواطنين.

و لتوضيح الطابع المنظم لتلك الإجراءات غير المشروعة التى اتخذت فى مواجهة المهجرين قسريا فى الخرطوم سوف اتناولها من منظور المعايير الاساسية لحقوق الانسان التى نص عليها الدستور و طائفة من الاتفاقيات الدولية التى وقع و صادق السودان على العديد منها، و رغم ان التزام السودان بتلك الصكوك كان و لازال التزاما صوريا، الا ان ذلك لا يمنع من الكشف عن كيفية ارتكاب تلك الانتهاكات على اسس من التمييز الممنهج و الاجراءات المنظمة.

و فيما يخص انتهاك الحق فى السكن و الكرامة الانسانية. واجه النازحون فى الخرطوم سياسات مجحفة صنفتهم ضمن الفئة غير المؤهلة لتملك الأراضي وجعلت حق الحصول على قطعة سكنية حق حصري للذين سجلوا أنفسهم قبل عام 1996، كانت معظم الأراضي التي استقرت فيها الموجات الأولى من النازحين الجنوبيين قد اكتسبت قيمة تجارية كبيرة وارتفعت أثمانها و بحجة اعادة التخطيط و تحديد مواقع معينة للنازحين قامت السلطات بهدم الاف المنازل فى انجولا 1994، الحاج يوسف 1998، وسوبا 2010 و بعد ان حددت السلطات رسميا مخيمات للنازحين بولاية الخرطوم فى كل من مايو و جبل اولياء و سوبا جنوبي الخرطوم و دار السلام غرب امدرمان قامت السلطات للمرة الثانية بهدمها و نزعها بعد ان ارتفعت قيمتها السوقية بسبب تنامى المدى الحضري.

تسببت هذه السياسات الحكومية فى مواجهات دامية بين النازحين و القوات الامنية راح ضحيتها عدد كبير من النازحين و تعرضوا لمعاملة سيئة و تعذيب و عنف اشهرها تلك الحادثة التى وقعت بضاحية سوبا بعدما حاولت السلطات ترحيل سكان المنطقة و هدم منازلهم لصالح بعض الرأسمالية التى اغرت السلطات بأموال طائلة للحصول على اراضي البؤساء، تفجرت احداث سوبا يوم 19 مايو 2005، عندما قاوم السكان ومعظمهم من النازحين من الجنوب والغرب اجراءات الترحيل القسري و قتل فى تلك المواجهات 14 مواطن و لازال العشرات فى أعداد المفقودين بعد موجة الاعتقالات الواسعة، ان عنصرية و جشع الحكومة جعلت معظم النازحين فى الخرطوم الان يعيشون فى مساكن اضطرارية يتوقعون من الحكومة ان تتخذ ضدهم اجراءات قمعية فى اى وقت.

كما لوحظ ان الحكومة تتعامل بانتقائية فى تقديم الخدمات الاساسية مثل الكهرباء، المياة، التعليم و المرافق الصحية لبعض المناطق العشوائية بولاية الخرطوم بينما تحرم مخيمات النازحين من هذه الخدمات بحجة عدم التخطيط العمرانى و فى نفس الوقت نجد مناطق مثل الصالحة فى جنوب امدرمان او الكلاكلة المنورة و غيرها من الاحياء التى لم تخطط و لم يمتلك سكانها شهادات بحث مصدقة من سلطات الأراضي و رغم ذلك لم تهدم بحجة التخطيط كما هدمت مناطق اخرى مثل سوبا الأراضي و القرية و عد بابكر..الخ.

و لاجل احكام الضغط على هذه الفئات بغرض اجبارهم على الهجرة العكسية، طورت الحكومة اليات اخرى الغرض منها اضعاف تلك المجتمعات اقتصاديا او بالاحرى افقارهم، و من بين تلك الاستراتجيات الحرمان من الحق فى العمل و بطبيعة الحال يفتقر النازحون لجميع الشروط الضرورية للمنافسة فى سوق العمل ومع تجاهل السلطات لاحتياجاتهم كمواطين سودانيين اضطر اغلبهم على امتهان اى اعمال بما فى ذلك الاعمال غير الشرعية بحسب القانون المحلى، ليوفروا الحد الادنى من احتياجاتهم المعيشة، فاستقطبت صناعة الخمور البلدية والدعارة و التسول بعضهم لكن فى كل الاحوال كانت السلطات لهم بالمرصاد بدعاوى تطبيق الشريعة و محاربة المظاهر السالبة التى عرضت هؤلاء البؤساء لحملات من القمع و العقوبات المهينة و المذلة للكرامة الانسانية بما فى ذلك السجن فى ظروف قاسية مع الاعمال الشاقة.

و لتجنب مكر قوانين الحكومة و توفير حياة كريمة امتهن بعض المشردين داخلين فى الخرطوم انواع مختلفة من المهن الهامشية و الاعمال الشاقة و الانشطة الصغيرة المدرة للدخل، امثال الباعة المتجولين، بائعات الشاى، اطفال الورنيش، غسالين العربات و الفريشة، و رغم مشروعية تلك الاعمال الا انهم على الدوام مستهدفين ب(كشات) البلدية و ارهاق الجبايات تحت مبررات الارتقاء بالمظهر الحضاري او اعادة تنظيم و تخطيط الاسواق و المواقف العامة، اما الذين نجحوا فى الحصول على وظيفة لم تحميهم القوانيين من الاستغلال الذى دائما ما يكون بعلم السلطات التى تغض الطرف عمدا عن تجاوزات اصحاب الاعمال، مثلا يتعرضن النازحات فى ولاية الاخرطوم للسخرة كخادمات في المنازل و أن معظمهن يعملن بدون عقود أو من غير حماية قانونية من العمالة القسرية، و بعض هؤلاء النساء والفتيات تم استغلالهن جنسيا بما فى ذلك الجنس التجاري، اما الذين يعملون فى مجال اعمال النظافة او كعمال فى المصانع يحصلون على اجور اقل بكثير من الحد الادنى للاجور حسب القانون فضلا لتعرضهم باستمرار للإذلال و التقليل من شانهم بواسطة مرؤوسيهم.

يفرض العهد الدولى الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية و الثقافية، و اهداف الالفية التزامات على السودان من بينها مكافحة الفقر و خفض حدته و تمكين المواطنين من العيش الكريم و اللائق ….الخ، و رغم ذلك حرمت حكومة ولاية الخرطوم عن عمد سكان المحاجر فى كل من مانديلا و جبرونا و التعويضات الخ من البرامج الحكومية مثل دعم الاسر الفقيرة و التمويل الاصغر و مشروعات الأسر المنتجة و التامين الصحي المجاني او انهم لم يتمكنوا من الحصول عليها بسبب الاجراءات المعقدة و الضمانات العديدة و المستندات التى لم يتمكن فى الغالب هؤلاء البؤساء من الحصول عليها..

ان جميع تلك الممارسات التى يتعرض لها سكان الخرطوم غير المرغوب فيهم من قبل الحكام، هى بالاساس تدابير و اجراءات الغرض منها اضعافهم اجتماعيا و اقتصاديا لتحقيق الهدف الاكبر هو تفريغ العاصمة، خاصة بعد تنامى التوجسات الأمنية لدى الحكومة، بسبب الاحداث التى تلت مقتل الدكتور جون قرنق و هجوم حركة العدل المساواة على امدرمان و هبة سبتمبر، لقد اشار عبد الرحمن الخضر حاكم ولاية الخرطوم الى ذلك صراحة ذات مرة فى ثنايا رده على مواطني ولاية الخرطوم الذين اشتكوا من شظف العيش، فقال فيما معناه من لم يستطيع ان يدبر معاشه فى الخرطوم عليه العودة الى المكان الذى اتى منهاى عودوا الى حيث ينتظركم الجنجويد.

لازالت القردة الصغيرة لم تدخل لسانها!

I am slaveمحمد حسين

انا عبدة، عندما اصطف الرقيق المستجلب للتو امام السيدات الخرطوميات لانتقاء ما يناسبهن، نظرت اول سيدة الى السبايا اليافعات و امرت إحداهن، افتحى فمك! اخرجى لسانك! فتحت ماليافمها، فتراجعت السيدة الى الخلف و اشارت الى النخاس بما يفهم انها ترغب فى شراء مالياالتى لا زالت تفتح فمها، و بنبرة يملؤها كبرياء الاسياد قالت السيدة لصديقاتها، لازالت القردة الصغيرة لم تدخل لسانها. (the little monkey still got her tongue out ).قامت باداء شخصية ماليا فى الفلم التى هى مندى ناظر فى الحقيقة، الممثلة ونمى موساكوالبريطانية من اصل نجيري.

فى يوم 30 اغسطس 2010 راى النور فى العاصمة البريطانية لندن، فلم انا عبدةالذى استند على قصة حياة مندى ناظرالحقيقة . تكشف قصة الفلم عن مأساة فتاة سودانية فى الثانى عشرة من عمرها، تعرضت للاختطاف من قريتها في جبال النوبة فى السودان، بواسطة المليشيات العربية الموالية للحكومة، التى باعتها كخادمة منزلية لسيدة فى الخرطوم، وبعد ست اعوام من العبودية و سوء المعاملة ارسلت الفتاة الى لندن لخدمة احد اقارب السيدة. بعد ان اخذ منها جواز سفرها و هددت اذا ما ذهبت الى السلطات، انهم سوف يقتلون والدها المصارع باهالملقب بجاموس، و بالصدفة شاهدت “مندى” رجل اسود يمر من امام المنزل فى لندن، تحدثت اليه و فى نهاية المطاف تعاطف معها و ساعدها على الهرب.و تحدثت فى الهاتف الى والدها الذى عاد الى موطنه بعد ان اعياه البحث عنها فى الخرطوم .

على الرغم من جهد المدير قبريال رانج و المنتج اندروا و المؤلف جريمى بروك الجبار، لكن من المؤسف ان الفلم الذى لاقى رواجا فى بريطانيا لم يجد ادنى اهتمام من قبل منظمات المجتمع المدنى السودانية التى تملا الدنيا ضجيجا و تشدقا باسم حقوق الانسان. خاصة ان قصة الفلم تعكس واحدة من ابشع انواع انتهاكات حقوق الانسان التى ظلت ترتكب فى السودان على مدى اربعة عقود مضت، ابان الحرب الاهلية الثانية فى جنوب السودان و جبال النوبة، و كانت الفتاة مندىواحده من تسعة الف حالة (ص 14) موثقة من النساء و الاطفال الذين تم اختطافهم بواسطة مليشيات المراحيل و الفرسان، قبل ان تتمكن لجنة مشتركة من قبيلة الدينكا ولجنة القضاء على ظاهرة اختطاف الاطفال و النساء ( سيواك) من اعادة لم شمل ثلاثة الف فقط باسرهم بينما لا يزال مصير البقية مجهول .

و رغم اختفاء الرق التقليدى قبل وقت قريب فى السودان الا ان انماط جديدة من الاتجار فى البشر و العبودية المعاصرة استشرت بشكل اقرب الى الظاهرة. لقد تضافرت عوامل عديدة جعلت من السودان مصدر و معبر لعمليات الاتجار فى البشر، من غير حصر تشمل العوامل الناجمة عن تشرد المواطنين بسبب الحرب و العنف المنظم و انتهاكات القانون الانسانى الدولى بواسطة القوات الحكومية، او بسبب تفشى الفقر كاحد افرازت اختلال موازين العدالة الاجتماعية و الاقصاء المنظم فى السودان و عدم سيادة القانون فضلا عن تدفق اللاجئين من دول الجوار .

و على ذكر اللاجئين، لقد نشطت فى السنوات الاخيرة عصابات فى شرق السودان تقوم بخطف اللاجئين القادمين من شرق افريقيا الطامحين فى بلوغ اسرائيل عبر مصر او اوربا عبر ليبيا او الخليج عبر البحر الاحمر، و مطالبتهم بدفع مبالغ طائلة لفداء انفسهم او بيع اعضائهم . لقد ازدهرت التجارة فى البشر فى شرق السودان بعد ان تمكنت المنظمات الدولية من وقف استغلال المئات من اطفال الرشايدة كجوكيةفى مهرجانات سباق الهجن فى قطر و الامارات 369 طفل (ص1). التى كانت واحدة من ابشع صور الرق المعاصر. كان النخاسة من عربان الخليج يحرمون اولئك العبيد اليافعين من الاكل لتخف اوزانهم حتى لا تؤثر على سرعة الابل المتسابقة، و فى الوقت الذى كانت تقدر فيه قيمة جوائز سباق الهجن بملايين الدولارات كان الجوكية العبيد يتضورون من الجوع، لاجل الترفيه عن تلك القلوب القاسية التى تبتهح بمشاهدة طفل نحيف مربوط على ظهر جمل. فى منظر اعاد الى الاذهان ماضى جاهليتهم التى على ما يبدو لم يخلصهم منها تمدنهم الشكلى.

و الحقيقة الساطعة ان العديد من الوافدين و المواطنيين فى السودان هم ضحايا لممارسات تصنف من ضروب الرق المعاصر التى تشمل ايضا تجنيد الاطفال، فى العام 2004  كان هناك حوالى 17 الف (ص 320) طفل تم تجنيدهم فى صفوف جميع الجماعات و القوات المسلحة النشطة فى السودان بما فى ذلك قوات الشعب المسلحة و شرطة الاحتياط المركزى، و مليشيات الجنجويد، و جيش الرب للمقاومة الذى قاتل فى صف الجيش الحكومى بحوالى اثنين الف طفل ضد المتمردين فى الجنوب. جميعهم قاموا بتجنيد الاطفال واستخدموهم فى الاعمال القتالية المباشرة او فى ادوار مساعدة. و رغم ان عدد الاطفال المجندين انخفض الى 8 الف فى السودان بحلول عام 2008 كنتاج مباشر لاتفاقيات السلام التى وقعت فى نيفاشا و ابوجا و اسمرا الا ان تفجر الحرب مرة اخرى فى جبال النوبة و النيل الازرق. ربما زاد من وتيرة تجنيد الاطفال مجددا.

و المؤسف ان العمل القسرى او الإلزامي كما تعرفه منظمة العمل الدولية العمل هو اى أعمال أو خدمات تفرض عنوة على أي شخص تحت التهديد بالعقاب والتي لم يعرضها الشخص بنفسه طوعاً” تنطبق معاييره على العديد من السيدات النازحات او القادمات من شرق افريقيا اللائى يجبرن على اعمال الجنس التجارى داخل و خارج السودان، و الاخف بؤسا منهن يعملن خدم فى المنازل و المطاعم من غير عقود عمل او ضمان اجتماعى او تامين صحى او وصف وظيفى محدد او اجازات رسمية كما يشترط قانون خدم المنازل لسنة 1955 الذى هو نفسه فى حاجة الى تفعيل و تعديل حتى يلبى المعايير الاساسية لشروط العمل كما تنص اتفاقيات منظمة العمل الدولية .

ان اسوء انواع ممارسات العبودية تلك المرتبطة بالدين, لازال الالاف من اطفال الخلاوى فى السودان يعيشون فى ظروف صحية و غذاية غاية فى السوء و مع ذلك يتم استخدامهم بواسطة الشيوخ كعمال سخرة فى الزراعة بحجة توفير الغذاء للخلاوى التى تتلقى دعم سخى من دول الخليج، وفوق كل تلك الماسى العديد منهم يتعرضون للاستغلال الجنسى و الاغتصاب، و قصة الطفل ادمالذى انتحر فى احدى حرسات الشرطة فى الخرطوم قبل شهور ليست ببعيدة و حالات عديدة مماثلة لم تخرج للعلن، و يشمل كذلك زواج القاصرات تحت الدفوعات الدينية ابشع صور الاستغلال و السخرة الجنسية التى تنشا تحت غطاء عقد شرعى تفتقر الزوجة القاصر للاهلية الكاملة لابداء القبول او الايجاب بشكل مستنير و كامل الادارك .

وبالعودة لقصة مندى ربما لم يهتم الناشطين السودانين بفلم انا عبدةاعتمادا على نظرية المؤامرة او ربما هى الاخرى ترفع شعارات جوفاء، و هنا اقول لمن يقلل او ينكر حقيقة و حجم القضية التى اثارها الفلم، ان الرق موجود بيننا، نعم ربما ليس على نمط رواية الجذور و قصص التاريخ, لذلك سوف لن يجد احدكم فرصة مشاهدة رقيق مقيدين بالسلاسل و الاصفاد محشورين فى زرائب و حظائر من ثم يعترف، لان النخاسين الجدد طوروا اساليب مستحدثة للسيطرة على ضحاياهم، فحل اخذ الجوازات و الأوراق الثبوتية محل الاغلال، و التهديد بالقتل و الاغتصاب محل السلاسل، و الحرمان من الاكل او الاجر محل الاصفاد و الزرائب، و الكفالة محل مروض العبيد.

محمد حسين

الثانى من مارس 2015

خطر النظرة الاحادية

تنويه. بعد ان ارهقت نفسى لمدة يومين فى ترجمة الجزء الاول عثرت على ترجمة رسمية نشرت (هنا الرابط) على موقع تيد اكس, ترجمة انور دفع الله و مراجعة خالد الشيخ. هناك بعض الاختلافات بين الترجمتين لكن اختلافات طفيفة لا تفسد المعنى. نشرت ادناه الجزء الثانى من الترجمة الرسمية و تركت الجزء الاولى كما ترجمته انا قبل ان اعلم بوحود ترجمة رسمية لكل الخطاب. سوف اترك المقارنة بين الترجمتين لفطنة القارىء.

26chimamanda-Ngozi-Adichie

الجزء الثانى. ترجمة أنور دفع الله

وعليه فقد بدأت في إدراك أن شريكة غرفتي الأمريكية لابد وأنها توصلت خلال حياتها، شاهدت وسمعت إصدارات مختلفة من النظرة الآحادية، كما كان الأستاذ، الذي أخبرني ذات مرة أن روايتي لم تكن أفريقية أصلية.” وكنت على استعداد تام لأزعم أن هناك عددا من الأشياء كانت خطأ في الرواية، وأنها فشلت في عدة أماكن. لكني لم أستطيع التخيّل أنها فشلت في تحقيق شئ يسمى بأفريقية أصلية. في الحقيقة لم أكن أعرف ما تعنيه أفريقية أصلية. الأستاذ أخبرني أن شخصياتي كانت مشابهة بشدة له، رجل متعلم من الطبقة الوسطى. شخصياتي قادت السيارة. لم يكونوا يتضوروا جوعاً. إذاً لم يكونوا أفارقة أصليين.

لكن لا بد لي أن أضيف بسرعة أنني أيضا مذنبة مثله في سؤال النظرة الآحادية هذا. قبل عدة سنوات خلت، قمت بزيارة المكسيك من أمريكا الجو السياسي في أمريكا في ذلك الوقت كان متوتراً. وكان هناك جدلاً يدور حول الهجرة. و كما يحدث عادة في أمريكا، تصبح الهجرة المرادف للمكسيكيين. كانت هناك قصص لا نهائية عن المكسيكيين ك أناس الذين يسلبون نظام الرعاية الصحية، يتسللون عبر الحدود، يتم القبض عليهم في الحدود، وهذا النوع من الأشياء.

أتذكر أنني أتمشى في اليوم الأول في غوادالاخارا، أشاهد الناس ذاهبون الى العمل، يلفون التورتيا في مكان التسوق، يدخنون، يضحكون. أتذكر أن الشعور الأول كان مفاجأة طفيفة. وبعد ذلك إنتابني العار. أدركت أنني كنت منغمسة بشدة في التغطية الإعلامية للمكسيكيين بحيث يتبادر شئ وحيد الى ذهني، المهاجرون الفقراء. لقد وقعت في نظرة آحادية تجاه المكسيكيين ولا يمكن أن أشعر بالخجل أكثر من نفسي. إذا هكذا كيف نصنع نظرة آحادية، نظهر الناس كشئ واحد، كشئ واحد فقط، مراراً وتكراراً، وهذا ما سيصبحون عليه.

من المستحيل الحديث عن النظرة الآحادية بدون الحديث عن السلطة. هناك كلمة، كلمة إيبو، أفكر بها كلما فكرت حول هياكل السلطة في العالم، وهي نكالي.” وهي أسم فضفاض يُترجم الى أن تصبح أعظم من الآخر.” مثل عوالمنا الإقتصادية والسياسية، القصص أيضاً يتم تعريفها بمبدأ نكالي. كيف يتم قصها ، من يقوم بقصها، حينما تروى، كم قصة قد روُيت، في الواقع معتمدة على السلطة .

السلطة هي القدرة ليس فقط لتحكي قصة شخص آخر، بل لتجعلها قصة تعريفية عن ذلك الشخص. الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي يكتب إذا أردت أن تسلب الناس، فأن أسهل طريقة هي أن تروي قصتهم، وتبدأ ب، ثانياً.” أبدأ القصة بسهام الأمريكيين الأصليين، وليس بوصول الإنجليز، وستحصل على قصة مختلفة تماماً . أبدأ القصة ب فشل الدول الأفريقية، وليس مع تشكيل الإستعمار للدول الأفريقية، وستحصل على قصة مختلفة تماماً .

لقد تحدثت مؤخراً في الجامعة حيث أخبرني طالب أنه كان من العار أن الرجال النيجيريين كانوا يستغلون الجسد مثل شخصية الأب في روايتي. أخبرته أنني فرغت للتو من قراءة رواية تسمى الأمريكي المعقد نفسياً“– (ضحك) — وأنه لمن العار أن الشباب الأمريكي كانوا قتلة متسلسلين. (ضحك) (تصفيق) الآن، من الواضح أنني قلت هذا في نوبة من الهيجان المعتدل. (ضحك)

لم يحدث لي أن أعتقدت أنه بمجرد أنني قرأت رواية التي فيها البطل كان قاتلاً مستلسلاً أنه بطريقة ما يمثل كل الأمريكيين. والآن، هذا ليس بسبب أننا شخص أفضل من ذلك الطالب، نظراً لقوة أمريكا الإقتصادية والثقافية، كان لدي العديد من القصص عن أمريكا. لقد قرأت تيلر وأبديكي وستينبيك وجايتسكيل. لم تكن لدي نظرة آحادية عن أمريكا.

عندما تعلمت، بعد عدة سنوات خلت، أن الكُتّاب يتوقع أنهم عاشوا طفولة غير سعيدة من أجل أن يكونوا ناجحين، بدأت أفكر حول كيف يمكنني إبتكار أشياء فظيعة فعلها والديّ تجاهي. (ضحك) لكن الحقيقة هي أنني عشت طفولة سعيدة للغاية، مليئة بالضحك والحب، في أسرة مترابطة بشدة.

لكن أيضاً كان لي جد توفي في مخيمات اللاجئين. توفي أبن عمي بوللي لأنه لم يستطيع الحصول على رعاية طبية كافية. أحدى صديقاتي المقربات، أوكولوما، توفيت في حادثة تحطم طائرة لأن سيارات المطافئ لم يكن لديهم ماء. لقد نشأت في ظل حكومات عسكرية قمعية التي خفضت من قيمة التعليم، لهذا كان والدي ّ بعض الأحيان لا يستلمان رواتبهم. ولذا، كطفلة، رأيت المربى تختفي من مائدة الإفطار، وبعد ذلك أختفى السمن، و ثم أصبح الرغيف غالياً جداً، وبعد ذلك أصبح اللبن بالتقسيط. ومعظم هذا، نوع من التطبيع مع الخوف السياسي الذي غزا حياتنا.

كل هذه القصص تجعلني من أنا. لكن الإصرار على القصص السلبية هي تسطيح لتجربتي، والتغاضي عن الكثير من القصص الأخرى التي شكّلتني. النظرة الآحادية تخلق التنميط. والمصيبة مع التنميط ليس أنه غير صحيح ، لكن أنه غير مكتمل. أنه يصنع قصة واحدة تصبح القصة الوحيدة.

بالطبع، أفريقيا هي قارة مليئة بالكوارث. هناك عدد هائل منها، مثل الإغتصابات المروعة في الكونغو. وقصص محبطة، مثل حقيقة أن 5 آلاف شخص يتقدمون لشغل وظيفة واحدة شاغرة في نيجيريا. لكن هناك الكثير من القصص الأخرى غير الكارثية. ومن المهم جداً، فإنه لا يقل أهمية ، لنتحدث عنها.

لقد شعرت دائماً أنه من المستحيل التعامل بشكل صحيح مع مكان أو شخص بدون إستصحاب كل القصص عن ذلك المكان وذلك الشخص. تبعات النظرة الآحادية هي هذه: أنها تجرّد الناس من الكرامة. إنها تجعل إعترافنا بتساوي إنسانيتنا صعب. وهي تؤكد كم أننا مختلفون بدلاً عن كم نحن متشابهون.

إذاً ماذا لو قبل رحلتي الى المكسيك قمت بمتابعة الجدل حول الهجرة من الجانبين، الأمريكي والمكسيكي؟ ماذا لو أن أمي أخبرتنا أن أسرة فيدي كانت فقيرة وتعمل بجدية؟ ماذا لو اذا كان لدينا شبكة تلفاز أفريقية تقوم بنشر القصص الأفريقية المتنوعة في كل أنحاء العالم؟ ما يسميه الكاتب النيجيري تشينوا أشيبي توازن القصص.”

ماذا لو علمت شريكتي في الغرفة عن الناشر النيجيري، موكتا باكاراي، رجل معروف ترك وظيفته في البنك ليحقق حلمه ويبدأ دار نشر؟ الآن، الحكمة التقليدية كانت أن النيجيرين لا يقرأون الأدب. لم يوافق على ذلك. لقد شعر أنه الناس القادرين على القراءة، سيقرأون، اذا ما جعل لهم الأدب متاحاً وسعره معقول بالنسبة لهم.

بعد وقت قصير من نشره لأول رواياتي ذهبت الى محطة تلفزيونية في لاغوس لإجراء مقابلة. والمرأة التي تعمل هناك كمراسلة جاءت اليّ وقالت، لقد أحببت روايتك حقاً. لم أكن أحب أن تنتهي . الآن عليك كتابة جزء ثان، وهذا ما سيحصل…” (ضحك) وواصلت في إخباري حول ماذا أكتب في الجزء الثاني. الآن لم أكن فقط مسحورة، لقد كنت متأثرة حقاً. ها هي إمرأة، جزء من الجماهير العادية في نيجيريا، التي لم يكن مفترض أنها قارئة. أنها لم تقرأ الكتاب فقط، لكنها أتخذت وضع المالك له ولها مبرراتها في أن تخبرني ماذا أكتب في الجزء الثاني.

الآن، ماذا لو علمت شريكتي في الغرفة عن صديقتي فيمي أوندا، المرأة التي لا تخاف التي تستضيف برنامجاً تلفزيونياً في لاغوس، ومصممة على حكي قصص نفضّل أن ننساها؟ ماذا لو أن شريكتي في الغرفة علمت عن عملية القلب التي أُجريت في مستشفى لاغوس الأسبوع الماضي؟ ماذا لو أن شريكتي في الغرفة علمت عن فن الموسيقى النيجيري المعاصر؟ أشخاص موهوبون يغنون باللغة الإنجليزية ولغة مبسطة، وأيغبو ويوروبا وإيجو، خالطين تأثيرات من جي زي الى فيلا الى بوب مارلي الى أجدادهم. ماذا لو علمت شريكتي في الغرفة عن المحامية التي ذهبت مؤخراً الى المحكمة في نيجيريا لتتحدى القوانين السخيفة التي تتطلب من المرأة أن تنال رضى زوجها قبل تجديد جواز سفرها؟ ماذا لو أن شريكتي في الغرفة علمت عن نوللي وود، المليئة بأشخاص مبتكرين يصنعون الأفلام رغماً عن الصعاب التقنية العظيمة؟ أفلام شهيرة جداً بحيث أنها أفضل مثال لإستهلاك النيجيريين لما ينتجونه. ماذا لو أن شريكتي في الغرفة علمت عن مصففة الشعر الطموحة، التي بدأت للتو عملها الخاص ببيع وصلات الشعر؟ أو عن ملايين النيجيريين الآخرين الذين بدأوا أعمالهم وبعض الأحيان فشلوا، لكنهم يواصلون إرضاء الطموح؟

في كل مرة في وطني أواجه ب المصادر المعتادة التي تثير سخط معظم النيجيريين: بنيتنا التحتية الفاشلة، حكومتنا الفاشلة. لكن أيضاً القدرة العجيبة للناس الذين يزدهرون رغماً عن الحكومة، بدلاً عن بسببها. أقوم بتدريس ورش عمل عن الكتابة في لاغوس كل صيف. ومن المدهش بالنسبة لي هو عدد المتقدمين، كم من الناس توّاق للكتابة، ليحكوا قصصاً.

ناشري النيجيري وأنا بدأنا للتو منظمة غير ربحية تسمى فارافينا ترست. ولدينا أحلام كبيرة لبناء مكتبات وإعادة تأهيل المكتبات الموجودة بالفعل، وتوفير الكتب لمدارس الدولة التي ليس لديها أي شيء في مكتباتها، وأيضاً لتنظيم الكثير والكثير من ورش العمل، في القراءة والكتابة، لكل الناس التواقين لحكي العديد من القصص. القصة مهمة. العديد من القصص مهمة. أستخدمت القصص للسلب والإهانة. لكن القصص يمكن أيضاً إستخدامها لتعزيز، وإضفاء الجانب الإنساني. تستطيع القصص كسر كرامة الشعب. لكن القصص يمكن أن تُستخدم لإصلاح تلك الكرامة المكسورة.

الكاتبة الأمريكية أليس والكر كتبت هذا حول أقربائها من الجنوب الذين أنتقلوا الى الشمال. لقد قدمت لهم كتاباً عن حياة الجنوب التي كانوا قد تركوها خلفهم. ” لقد جلسوا في الجوار، يقرأون الكتاب بأنفسهم، يستمعون لي وأنا أقرأ الكتاب، ونوع من الجنة تم إستعادتها.” أرغب في أن أختم بهذه الخاطرة: أنه عندما نرفض آحادية النظرة، عندما ندرك أنه لا توجد قصة واحدة حول أي مكان، فأننا نستعيد نوع من الجنة. شكراً لكم. (تصفيق)

ترجمة أنور دفع الله و مراجعة خالد الشيخ

خطر الرؤية الاحادية

الفتيات من ذوات بشرة لون الشوكولاته، اللائى لا يمكن أن يسرحن شعرهن فى شكل ذيل الحصان، يمكن أن يتواجدن أيضا في الأدب.

26chimamanda-Ngozi-Adichie

ترجمة. محمد حسين

أنا قاصة. وأود أن أحكى لكم بعض القصص الشخصية حول ما يحلو لي أن أسميه خطر القصة الاحادية.” لقد نشأت في مجمع جامعي في شرق نيجيريا. تقول أمي أنني بدأت القراءة في سن الثانية، على الرغم من أنني أعتقد أربعة ربما اقرب الى الحقيقة. لذلك كنت قارئة في وقت مبكر، وما قرأته كانت كتب الأطفال البريطانية والأمريكية.

أنا كنت كاتبة فى وقت مبكر، وعندما بدأت في حوالي سن السابعة،كتابة قصص بقلم الرصاص مع رسوم توضيحية بقلم للتلوين، التي كانت أمى المسكينة ملزمة على قراءتها، و كتبت بالضبط ذلك النوع من القصص التى كنت أقرأها، وكانت جميع شخصياتي بيضاء و عيونهم زرقاء .لعبوا في الثلج، أكلوا التفاح، (ضحك) وتحدثوا كثيرا عن الطقس، وكيف بدا جميلا أن الشمس قد سطعت. (ضحك)، هذا على الرغم من أنني عشت في نيجيريا. لم اكن سافرت قط خارج نيجيريا. لم يكن لدينا ثلج، ونحن نأكل المانجو، ونحن لا نتحدث أبدا عن الطقس، لأنه لم تكن هناك حاجة لذلك.

شخصياتى ايضا تشرب الكثير من جعة الزنجبيل، لأن الشخصيات في الكتب البريطانية التى قرأتها كانت تشرب الكثير من جعة الزنجبيل، و لم ابالى بعدم امتلاك اى فكرة عن ماهية جعة الزنجبيل، (ضحك) ولسنوات عديدة بعد ذلك، كانت لدى رغبة جامحة فى تذوق طعم جعة الزنجبيل. ولكن تلك حكاية أخرى.

هذا يدلل، كما أعتقد، كيف نحن قابلين للتأثر و الضعف في مواجهة القصة، مثل الأطفال. لأن كل ما قرأت كانت كتب عن شخصيات أجنبية، فأصبحت مقتنعة بأن الكتب بطبيعتها يجب ان تحتوى على أجانب، ويجب ان تكون عن الأشياء التي لا يمكننى التعرف عليها. الآن، تغيرت الامور عندما اكتشفت الكتب الأفريقية. لم يكن هناك الكثير منها متاحا، وكان ليس من السهل الحصول عليها بنفس سهولة الحصول على الكتب الأجنبية.

ولكن بسبب كتاب مثل تشينوا أتشيبيو كامارا لاي، حدث تحول عقلي في تصوري للأدب. أدركت أن الناس مثلي و الفتيات من ذوات بشرة لون الشوكولاته، اللائى لا يمكن أن يسرحن شعرهن فى شكل ذيل الحصان، يمكن أن يتواجدن أيضا في الأدب. فبدأت الكتابة عن أشياء أعرفها.

الآن،أحب تلك الكتب الأمريكية والبريطانية التى قرأتها. لانها أثارت مخيلتي.و فتحت عوالم جديدة بالنسبة لي. ولكن النتيجة غير المقصودة هي أنى لم أكن أعرف أن اناس مثلي يمكن أن يتواجدوا في الأدب.كان اكتشاف الكتاب الأفارقة فعل بى الاتى: إنه أنقذنى من امتلاك نظرة احادية عن ما هي الكتب.

انا من أسرة تقليدية من الطبقة المتوسطة فى نيجيريا. كان والدي أستاذ جامعى. و كانت والدتي مسؤول ادارى. وكذلك كان لدينا، كما كان العادة,مساعدين فى المنزل، الذىن غالبا ما يأتون من القرى الريفية المجاورة. فى العام الذى بلغت فيه الثامنة، حصلنا على صبي منزل جديد. كان اسمه فيدى“. وكان الشيء الوحيد الذى أبلغتنا والدتي عنه أن عائلته كانت فقيرة جدا. أرسلت والدتي البطاطس والأرز و ملابسنا القديمة لأسرته. وعندما لم أكن انهى عشائى، والدتي تقول، إنهى طعامك! الا تدري؟ أن اناس مثل أسرة فيدى ليسوا لديهم أي شيء .” حتى شعرت بشفقة هائلة اتجاه عائلة فيدى.

فى يوم سبت ذهبنا الى قريته للزيارة، وعرضت لنا والدته سلة جميلة مزخرفة, مصنوعة من الياف النخل, صنعها شقيقه. لقد ذهلت. لم يخطر فى بالى أن أحدا من افراد أسرته يمكنه فى الواقع صنع شيئ. كان كل شيء كنت قد سمعت به عنهم هو كم كانوا فقراء، حتى أنه أصبح من المستحيل بالنسبة لي أن أراهم على نحو آخر غير الفقر. كان فقرهم قصتي الاحادية عنهم.

بعد سنوات، فكرت في ذلك عندما غادرت نيجيريا للذهاب إلى الجامعة في الولايات المتحدة. كان عمرى تسعة عشرة عاما. تفاجات زميلتي الامريكية في الغرفة بى. وسألتنى اين تعلمت التحدث باللغة الإنجليزية بشكل جيد، احتارت عندما قلت حدث فى نيجيريا ان اللغة الإنجليزية هى الغة الرسمية. وسألت ما إذا أنها يمكن أن تستمع إلى ما وصفته ب موسيقى قبيلتى، اصيبة بخيبة أمل كبيرة عندما اخرجت لها شريط ماريا كاري”. (ضحك) وافترضت أنى لم أكن أعرف كيف استخدم الموقد.

ما أدهشني كان هذا:

قد شعرت بالعطف على قبل ان ترانى بعد. موقفها الافتراضي نحوي باعتبارى أفريقية، كان نوعا من الاستعلاء، وهذا يعني تحديدا شفقة. زميلتي في الغرفة كانت لديها قصة احادية عن أفريقيا, قصة واحدة عن الكارثة. في هذه القصة الاحادية، لم يكن هناك إمكانية للأفارقة أن يكونوا مماثلين لها بأي حال من الأحوال، لم يكن هناك إمكانية لمشاعر أكثر شمولا من الشفقة، لا إمكانية للتواصل كاناس متساوين.

يجب أن أقول، قبل ان اذهب إلى الولايات المتحدة، لم اكن واعية بهويتى كافريقية. ولكن في الولايات المتحدة، كلما جاء ذكر أفريقيا، يلتفت الناس نحوى.بغض النظر عن أننى لا أعرف شيئا عن أماكن مثل ناميبيا. لكنني بدات اتبنى هذه الهوية الجديدة، وبطرق عديدة أفكر في نفسي الآن على اننى أفريقية. على الرغم من أنني لا ازال انفعل بسرعة عندما يشار إلى أفريقيا على انها دولة، والمثال الاخير رحلتي الرائعة الى لاغوس قبل يومين، عدا ذلك، كان هناك إعلان على متن الطائرة عن عمل خيري في الهند و أفريقيا و بلدان أخرى “. (ضحك)

لذلك، بعد أن قضيت عدة سنوات في الولايات المتحدة باعتبارى أفريقية، بدأت أفهم رد فعل زميلتي في الغرفة. لو لم أكن قد كبرت في نيجيريا، وإذا كان كل ما عرفته عن أفريقيا كان عبر الصور الشعبية، أنا أيضا سوف أعتقد أن أفريقيا مكانا حيث المناظر الطبيعية الجميلة، والحيوانات الجميلة، والناس الغامضون، الذين يخوضون حروب عبثية، ويموتون من الفقر والإيدز، و غير قادرين على التعبير عن أنفسهم وينتظرون ليتم انقاذهم بواسطة أجنبي أبيض. لكنت رايت الأفارقة بنفس الطريقة التى كنت انظر بها الى اسرة فيدىو انا طفلة ..

هذه القصة الاحادية عن أفريقيا تأتي في نهاية المطاف، كما أعتقد، من الأدب الغربي. وهنا أقتبس من كتابة لتاجر لندنى يدعى جون لوكى، الذي ابحر الى غرب افريقيا عام 1561, و احتفظ بشهادات رائعة عن رحلته. مشيرا إلى الأفارقة السود ب الوحوش الذين ليست لديهم منازل، كما كتب، هم أيضا اناس بلا رؤوس، و افواههم و عيونهم في صدورهم.”

لقد ضحكت في كل مرة قرأت فيها هذا. يجب على المرء أن يعجب بخيال جون لوكى“. ولكن ما هو مهم حول كتاباته هو أنه يمثل بداية تراث سرد القصص الأفريقية في الغرب: تراث صور أفريقيا جنوب الصحراء كمكان للسلبيات، الاختلافات، الظلام، لاناس حسب كلمات الشاعر الرائع روديارد كبلنغ، هم نصف شيطان، ونصف طف

عنوان الخطبة بالانجليزية هو ” The danger of single story.و قصة هنا يمكن ان تعنى ايضا حكاية , رواية, نظرة, سيناريو, رؤية, تصور.الخ

تنويه. بعد ان ارهقت نفسى لمدة يومين فى ترجمة الجزء الاول اعلاه عثرت على ترجمة رسمية نشرت (هنا الرابط) على موقع تيد اكس, ترجمة انور دفع الله و مراجعة خالد الشيخ. هناك بعض الاختلافات بين الترجمتين لكن اختلافات طفيفة لا تفسد المعنى. نشرت الجزء الثانى من الترجمة الرسمية و تركت الجزء الاولى اعلاه كما ترجمته انا قبل ان اعلم بوحود ترجمة رسمية لكل الخطاب. سوف اترك المقارنة بين الترجمتين لفطنة القارىء.