Category Archives: Okategoriserade

لعنة النفط و الدور المخزي للصين فى السودان

محمد حسين

ان العلاقات الاقتصادية، العسكرية و السياسية المتينة التى تربط الحكومة السودانية بنظيرتها الصينية، اخذت فى التنامي بعد ان نجحت الصين فى استغلال الفراغ الذى حدث بسبب نفور الغرب من نظام الجبهة الاسلامية فكانت الفرصة سانحة ليقتنص التنين فى منتصف التسعينيات من القرن الماضي حقوق الاستثمار شبه الحصري فى مجال النفط السودانى بطريقة مفاجئة و غامضة وحقق بذلك فرص عززت النمو الاقتصادي و النفوذ السياسي للصين على المستوى الدولى.

 فى الذكرة العاشرة لانقلاب الانقاذ تم رسميا افتتاح مصفاة الخرطوم و بداية ضخ النفط السودانى عبر ميناء بشائر، فانتعشت الخزانة العامة، و بسبب صناعة النفط وصل التبادل التجاري بين السودان و الصين الى 3,91 مليار دولار فى العام 2005 بروف لى انشان  CSRPPو الخارجية الصينية “. كذلك حصلت الصين على نصيب مقدر من فرص الاستثمار فى مجال الانشاءات و الطرق و الجسور و السدود و فى مجال الزراعة و الري و الخدمات الاخرى و تقدر فوائدها ببلايين الدولارات . “فما بين العامين 1999-2007 زادت قروض و عقود التمويل الصينية من 0,9%  الى 13,45%, و ما بين عام 2005 -2007  ظفرت الصين بما يعادل 58% من القروض و عقود التمويل السودانية. ” اسماء ساتى AECAFD in Sudan .

 قبل ان يكون النفط مورد أساسي للحكومة كان الجيش السودانى يشكو من شح السلاح و العتاد لمواجهة الجيش الشعبي لتحرير السودان الجماعة الرئيسية التى كانت تقود حرب طويلة فى جنوب السودان ضد السلطة المركزية فى الخرطوم، وظفت الحكومة السودانية خلال الخمسة عشرة عام الماضية عائدات النفط و بعض القروض المليارية فى تعزيز بند الامن الذى يبتلع اكثر من 70% من الموازنة السنوية – لإعادة بناء و تطوير و تسليح الجيش السودانى. لقد استخدمت الاموال التى حصلت عليها حكومة الانقاذ السودانية من الاستثمارات او التسهيلات المالية الصينية بفعالية فى الحروب الاهلية التى لازالت تزهق ارواح المالكين الحقيقين لهذه الموارد، وبذلك يعتبر من الناحية الاخلاقية ان الصين شريك أساسي و مباشر فى الجرائم و الفظائع المنظمة و الدمار الواسع الذى الحقته الحكومة السودانية بالشعب و الوطن- شريك ليس اقل مسئولية من الحكومة السودانية، و حتى لا يكون هذا الاتهام جزافي ادعمه بالشواهد التالية .

  تشير سجلات الامم المتحدة ان الصين وحدها توفر 90% من احتياجات الحكومة السودانية من امدادات الاسلحة الخفيفة (USA Today 3/13/2008 )، و ان الاسلحة الخفيفة حسب تعريفها الرسمي تشمل (الرشاشات الثقيلة والمدافع المحمولة المضادة للدبابات، الأنظمة المضادة للطائرات، ومدافع الهاون من عيار أقل من 100مم). فى العام 1998 جلب السودان مروحيات عسكرية من طرار شنغهاي زت- 6 و عدد 6 مقاتلات من طراز جى ام – اف تقدر الواحدة ب 66 مليون دولار. كذلك ساعدت الصين الخرطوم على اقتناع السلاح من مصادر متعددة بواسطة عائدات النفط.  و لا يستبعد ان تكون تلك الاسلحة حصلت عليها الحكومة السودانية بناء لقروض مؤجلة بفوائد كبيرة اضيفت الى القروض السودانية التى بلغ اجماليها 43 مليار دولار حسب بعض التصريحات الرسمية. و بذلك سوف يكون على عاتق الناجين من الشعوب السودانية مسئولية تسديد قروض ربحية على المدى البعيد و هى فى الاصل فاتورة  الرصاص الذى ازهق ارواح ذويهم.

 لقد اظهر الوزراء السودانيين الذين تعاقبوا على وزارة الدفاع حرص شديد على زيارة الصين و لقد نجحوا فى خلق علاقات تعاون عسكري تمثلت فى المساعدات الفنية و التقنية التى قدمتها الصين لتطوير الصناعات العسكرية المحلية، تمخض عنها منشآت و مصانع مثل مجمع جياد لتركيب و صيانة الاليات العسكرية الثقيلة مثل الدبابات و حاملات الصواريخ، لقد انتج هذا المصنع كما شاهدنا فى احتفالات الانقاذ انواع مختلفة من الدبابات من طراز – تى- 55 و التى اطلقوا عليها البشير1، الزبير1 ، دقنة، ابو فاطمة، كذلك ساعد فى تشيد و تشغيل مصنع اليرموك الذى ينتج احتياجات الخرطوم من الذخائر، المتفجرات، القذائف، انظمة مضادات الطائرات و الدبابات و انواع مختلفة من الاسلحة الأوتوماتيكية، و الملاحظ ان هذا التعاون العسكري الكبير لم يعير اى اهتمام  و اعتبار لقرار مجلس الامن رقم 1559 لسنة 2004 الذى يحظر بيع و تزويد اقليم دارفور بالأسلحة . 

 فى الشهور الخمسة الاولى من سنة 2006 حصلت الحكومة السودانية على مبلغ 473 مليون دولار من عائدات النفط (وزير المالية )، و بالمقابل زاد معدل العنف المنظم فى دارفور بطريقة مخيفة فى نفس العام رغم مفاوضات السلام التى كانت تجرى فى ابوجا وقتها، و يدعم علاقة السببية هذه التقرير الأمريكي السنوي لحقوق الانسان، لقد اورد ان أحداث العنف في دارفور هي (أسوأ انتهاكات لحقوق الانسان في العام 2006)، ان هذا التقرير يظهر  الانعكاس السلبى للاستثمارات الصينية على الاوضاع الامنية فى السودان، و ان جرائم الانقاذ تزيد بزيادة دخلها القومي الذى يشكل البترول عموده الفقري قبل ان تفقده لصالح دولة جنوب السودان. 

 و من جهة اخرى ان استمرار الحكومة السودانية فى اشعال مزيد من الحروب و رفضها لأى حلول مرضية، يزيد من طلباتها لمنتجات الصين من السلاح لتقتل شعبها وبموارده الوطنية لتربح الصين بشكل مزدوج من الاستثمار فى السلاح والنفط من جهة و القروض و عقود التمويل من جهة اخرى و فى نفس الوقت يخسر الشعب السودانى مرتين مرة يفقد بعض ابناءه و المرة الثانية يفقد فيها موارده، و بهذه الوتيرة ستكون المحصلة الاخيرة لتمادي الإنقاذى فى الاقتراض بغرض القتل ان تتثاقل الديون و يصير السودان دولة و شعب رهينة غير مأمول تحريرهما عن قريب فى ظل الشروط التى تفرضها اجراءات الاعفاء سواء كان من البنك الدولى او نادى باريس .

 ان التعاون الاقتصادي و العسكري الكبيرين بين الخرطوم و بكين اكسب الاخيرة نفوذ عظيم و لكن للأسف ان جشع بكين منعها من توظيف هذا النفوذ لتجعل من صديقتها الخرطوم اكثر مرونة فى التعاطي مع المجتمع الدولى و لم تمارس عليها اى نوع من الضغط او التشجيع كي تتعامل مع قضايا الوطن بحكمة وعقلانية و تجد مخرجا للحروب الاهلية الطاحنة، و تعلل الصين هذا الجشع بمبدأ عدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول (Non-interference)  و تتدعى ان سياستها الخارجية  قائمة على التعامل مع السودان و غيره من الدول على اساس الندية و المساواة و المنفعة المتبادلة، و تظل تردد الصين هذا الموال كلما واجهت انتقادات بسبب دورها السلبى و سياسة غض الطرف عن ما يدور فى السودان من انتهاكات و جرائم بواسطة السلطة، بل دعمته سياسيا فى كثير من المواقف و المحافل الدولية، لقد وثقت سجلات مجلس الامن ان الصين  امتنعت عن التصويت عن أكثر  من ثمانية مرات على قرارات المجلس ذات الصلة بالأوضاع فى السودان و دارفور و فى حالات كثيرة عملت على تخفيف لغة القرارات التى صوتت لإجازتها كما عارضت بشدة مشروع فرض عقوبات او مقاطعة على الخرطوم.

 لكن بمرور الوقت تم اختبار هذا المبدأ الصيني ليسقط سقوطا شنيعا, تمثل الامتحان فى الحملة الكبيرة التى اطلقها ناشطون و منظمات حقوقية عالمية ضد مهرجان الالعاب الاولمبية الذى كان مخطط له ان ينظم فى بكين سنة 2008، و نجاح الاعلام العالمى فى ابراز الوجه البائس للصين فى مجال حقوق الانسان خاصة فى اقليم التبت، حينها شعر التنين بخطر هذه الحملة التى قد تبدد احلام استضافته للألعاب الاولمبية خاصة بعد ان ربطها البعض بما يحدث فى دارفور، مثل موقف المخرج العالمي الأمريكي الشهير (ستيفين سبيلبرغ)، الذى اعلن انسحابه من العمل كمستشار فني للدورة كاحتجاج على موقف الصين من الأحداث في إقليم دارفور (سى ان ان العربية) بالإضافة الى دعوة البرلمان الأوربي الدول الاعضاء مقاطعة المهرجان.

  لقد دقت هذه المواقف و التحركات ناقوس الخطر فى اذن التنين فعمل بجهد لإفشال هذا المخطط و انقاذ حلمه من الاجهاض و كان اول ما تخلى عنه التنين مبداه الذهبي (عدم التدخل)، ليبدا السقوط التدريجي، بدأت بتبني مواقف برغماتية و اكثر مرونة بشان مواقف العالم من السودان و دارفور، و اخذت تتخلى عن سلبيتها المعهودة حتى تخلق توازن بين مصالحها الاقتصادية فى السودان و علاقتها بالمجتمع الدولى الذى لم يخفى امتعاضه من مواقف الصين .

 منذ استيلاء البشير للسطلة فى السودان سنة 1989 و حتى عام 2007 قام البشير بثلاثة زيارات لجمهورية الصين و بالمقابل لم يرد اى مسئول صيني رفيع هذا الود، الا ان حملة مقاطعة اولمبياد بكين كان لها الفضل فى ان يزور الرئيس “حيو جينتاو” الخرطوم فى 2 فبراير 2007 ضمن جولة افريقية لزيارة ثمانية دول، و يعتقد العديد من المراقبين ان الزيارة التاريخية ل”جينتاو” كانت ذات صلة بالضغوط الدولية على الصين لتمارس شيء من الضغط على الخرطوم بشان الحرب فى دارفور و  فى نفس الوقت فرصة للصين لترعى مصالحها من خلال شخصية رفيعة.

 بعد عودة الرئيس “جينتاو” الى الصين بثلاثة اشهر قرر تعين مبعوث خاص لدارفور , و كان هذا بداية التدخل الرسمي المعلن للحكومة الصينية فى الشأن السودانى الداخلي، لان من ضمن مهام المبعوث فى مثل هذه الظروف هى نقل وجهة نظر حكومته بشان القضايا ذات الاهتمام المشترك، العمل على تقريب وجهات النظر بين اطراف الازمة السودانية، تقديم مبادرات، اغراءات، وعود، تذكير بعواقب التمادي فى تجاهل اهتمامات المجتمع الدولى (مجلس الامن ) الذى كان يعكف على استصدار قرار يقضى بإرسال قوات اممية الى دارفور و الذى واجهته الحكومة السودانية برفض و استنكار شديدين تمثل فى “قسم الطلاق الرئاسي المشهور” اذن ان مبدأ عدم التدخل الصيني يكون مزدوج المعيار عندما يتعلق الامر بمصالح الصين، فتخلت عنه من غير استحياء لتتفادى مزيد من الاهتزاز لصورتها امام الضمير الإنساني العالمي.

لقد اكمل المبعوث الصيني ما بداه رئيسه “جينتاو”  مع الخرطوم و فى 5 يوليو 2007 صرح هذا المبعوث بقبول الحكومة السودانية قرار مجلس الامن رقم (1769) القاضي بنشر قوات هجين فى دارفور وفقا لخطة كوفي عنان الثالثة، و اضاف المبعوث كان هذا بفضل جهودنا، و بذلك قدم ضربة قاضية لمبدا عدم التدخل، وادخل الاكاديميين و الدبلوماسيين الصينين فى حرج تبرير هذا التدخل لينكبوا فى مقارنات بين مميزات التدخل الصيني و التدخل الأمريكي الذى وصفوه بالخشن ليمنحوا تدخل حكومتهم صفة “النعومة” او الميوعة ان صحت التسمية، و بهذه الخطوة ذرت رماد كثيف على عيون الداعمين لمقاطعة اولمبياد بكين.

 حتى عام 2007 بلغت المساعدات الانسانية الرسمية التى قدمتها الحكومة الصينية لنظيرتها السودانية ( 80 مليون يوان اى ما يعادل 11 مليون دولار ) “وكالة (Xinhua) 25 فبراير 2008 ”  كانت الصين على علم بفساد نظام الانقاذ و ان هذه المعونات سوف لن تصل المحتاجين لكن رغم ذلك اصرت على تقديم هذه المعونات عبر الحكومة السودانية، حتى بدأ العديدون يعتقدون انها معونات عسكرية تم تقديمها تحت الغطاء الإنساني.

 كل الدول المحترمة و المدركة بطبيعة الانظمة الشمولية من امثال النظام السودانى- تعمل على تعزيز الاوضاع الانسانية فى مثل هذه البلدان التي اكتوت بفتيل الحروب الداخلية من خلال اذرعها الانسانية الرسمية التى تسمى بوكالات التعاون الدولى مثل  SIDA , JICA ,KOIKA ,CIDA, USA-AID  …الخ، اما الدول التى لا تمتلك وكالات او منظمات فى السودان تفضل تقديم مساعداتها عبر وكالات الامم المتحدة المعنية او المنظمات غير الحكومية المستقلة و المحايدة، اما الصين و كثير من الدول العربية و جامعتها يصرون على ان يمنحوا الحكومة السودانية فرصة الإجهاز على ضحاياها او مواصلة اذلالهم من خلال جعلها وسيط لتوصيل المساعدات اياها او على الاقل ليظهر النظام فى ثياب الرحماء، و رغم كثافة تواجد المنظمات بالسودان كدليل على سقمه الا ان المنظمات الصينية مازالت غائبة عن المشهد السودانى تماما.

  و بالعودة على موضوعنا الأساسي نجد ان الصين عملت على تقريب وجهات نظر  الشقيقتين المتشاكستين بشان قضية وقف ضخ النفط من الحقول فى جنوب السودان لأنها ذلك مس مصالحها الاقتصادية، لكن و فى نفس الوقت غضت الطرف عن ما يحدث فى ولاية جنوب كردفان النفطية من جرائم بواسطة النظام لان مصالحها لم تمس بسوء، و للفت انتباه الصين لحجم الكارثة الانسانية فى جبال النوبة المتمثلة فى رفض الخرطوم وصول الاغاثة و المساعدات الانسانية للمحتاجين .

 قام فى 28 يناير 2012 جنود من الحركة الشعبية قطاع الشمال ساخطين على دور الصين  السلبى باختطاف 29 من العمال الصينين بجنوب كردفان، من ثم افرجوا عنهم بعد 11يوم بتدخل من قياداتهم العليا لتنقلهم اللجنة الدولية لصليب الاحمر الى نيروبي، و بعد انفراج ازمة الاختطاف التقت وفود من قيادات الحركة الشعبية قطاع الشمال بعدد من السفراء و المسؤولين الدوليين باديس ابابا لإيجاد حلول لازمة منع الحكومة السودانية مرور المساعدات الانسانية للمحتاجين من المدنيين المتأثرين بالحرب فى جنوب كردفان و النيل الازرق، و كان من بين الجهود حث الصين لتستغل نفوذها لصالح هذه القضية الانسانية الشائكة الا ان الصين لم تحرك ساكنا حتى الان و اظنها اعادت تفعيل العمل بمبدأ عدم التدخل.

 لقد كان الخير الوحيد المأمول من نيل شعب جنوب السودان لاستقلاله و نفطه هو ان ينبه هذا الانفصال بأثاره السياسية و المالية حكومة الانقاذ لتعود الى رشدها و تجد حلول للأوضاع الامنية و السياسية فى السودان و تحافظ على ما تبقى من الوطن الا ان العالم تفاجأ بإشعالها لحرب جديدة فى جنوب كردفان و النيل الازرق، و لتواجه الانقاذ بؤسها المالي، مجبرة قللت فاتورتها الحربية فأنتجت من التجويع سلاح فتاك لا يكلفها دولارا، اما فى دارفور كانت استراتيجيتها لمواصلة القتل فى ظل نضوب خزائنها ان تصب مزيد من الزيت على حريق الاعوام العشرة بنسج و فبركة فتن و صراعات بين القبائل هناك، فانقض الاقليم يأكل بعضه البعض، و في الحالتين تتلقى سياساتها هذه دعم الصين من خلال سياسة غض الطرف او العمل الدؤوب لعرقلة مشاريع مجلس الامن و التحركات الدولية الاخرى لكبح جماح الانقاذ و تعطيل آلتها المنتجة للموت.   

هذه نسخة منقحة لقد نشرت النسخة الاولى فى موقع صحيفة حريات الإلكترونية فى

 17 سبتمبر 2013

 

 

الإعلانات

مخاوف الهجرة تجعل الاتحاد الاوروبي على استعداد للقيام بأعمال تجارية مع القتلة .

بقلم Giles Fraser
نشر المقال على صحيفة الغاردين البريطانية، الخميس الموافق ١٣ أكتوبر ٢٠١٦.

ترجمة محمد حسين

image

القلق المتزايد بين الناخبين الأوروبيين جعل الاتحاد الأوروبي يدفع الملايين للدكتاتور السوداني عمر البشير، المطلوب بتهم ارتكاب جرائم حرب، لاجل الحد من الهجرة من منطقة القرن الأفريقي.

في عام 2009 أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحق الرئيس السوداني عمر البشير في سبع تهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. في عام 2010 أصدرت مذكرة أخرى بشأن ثلاث تهم بالإبادة الجماعية. وهو الرئيس الأوحد الذى يجلس على سدة الحكم اتهم بارتكاب إبادة جماعية ضد شعبه. في بلد ذى أغلبية عربية، المجموعات العرقية الأفريقية ، وخاصة أولئك الذين يعيشون حول منطقة دارفور، مهمشين سياسيا منذ فترة طويلة.

ولكن منذ عام 2003 يحاول البشير القضاء عليهم بشكل منهجي، وليس فقط من خلال وكلاء له، يطلق عليهم الجنجويد التى تعنى “الشياطين على ظهور الخيل” وهى ميليشيا سيئة السمعة لقسوتهم. لنأخذ مثالا واحدا من بين أمثلة عديدة: في فبراير 2004، هاجم الجنجويد مدرسة داخلية في دارفور، و اجبروا (١١٠) من الفتيات على خلع ملابسهن تحت تهديد السلاح قبل اغتصاب العديد منهن وحرق مدرستهن،دفع ذلك عشرات الآلاف على الفرار للنجاة بحياتهم. وازدادت الأمور سوءا. في الشهر الماضي، أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرا يدلل أن في وقت سابق من هذا العام، أسقطت القوات الجوية التابعة للبشير أسلحة كيميائية في بعض القرى النائية. ومن الصعب الحصول على عينات التربة التي من شأنها أن تثبت تماما مثل هذا الادعاءات الأجنبية، حتى قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي – غير مسموح لها الوصل الى تلك المنطقة.

لكن الصور المروعة للأطفال المصابين بتقرحات فى الجلد ونزيف من العيون تبدو كثيرا مثل آثار لأنواع من غاز الخردل. انها ليست منافسة، ولكن كما ان العالم قلق بحق بشان محنة الناس فى حلب، وهناك آخرون – في ربما فى طريقهم للخروج من داىرة الضوء – أولئك الذين يحصلون على قدر أقل من اهتمامنا، ولكن لماذا لم تصدر الحكومة البريطانية أي بيان رسمي عن ادلة استخدام الأسلحة الكيميائية؟ يمكن أن يكون بسبب انها تريد التقليل من أهمية هذه الهجمات لأن نظام البشير أصبح الآن شريكا للاتحاد الأوروبي في إدارة الهجرة المتدفقة من افريقية إلى أوروبا؟

في نوفمبر الماضي، في اجتماع عقد في مالطا، طرح الاتحاد الأوروبي مشروع “عملية الخرطوم” فى تهور للاستجابة لازمة الهجرة و وقعت اتفاق لتعزيز التعاون فى مجال الهجرة و التنقل منح السودان بمقتضى هذا الاتفاق “١٠٠ مليون يورو” و ” ٤٦ مليون يورو” اخرى على مدى ثلاثة سنوات تخصص لمراقبة الحدود، تدريب شرطة الحدود و وإقامة مراكز احتجاز. و انه فى أكثير من الأحيان يقوم الجنجويد بمهام شرطة الحدود.

من المخزى ان لا تتم التغطية على ان مسؤولو الحكومة السودانية وفي لندن مرة أخرى هذا الأسبوع لمزيد من “الحوار الاستراتيجي” لاجل التعاون بشان قضية الهجرة. ويبدو أن، لأن الناخبين الأوروبيين ينتابهم قلق متزايد بشأن الهجرة، ونحن الآن مستعدون لعقد صفقة مع الشيطان، تمويل يصل قيمته إلى ملايين كثيرة يحصل عليها الرجل الذي كان سيلقى القبض عليه بتهمة الابادة الجماعية اذا حدث ان وطأت قدماه شواطئنا. و لماذا؟ لأن البشير قد وعد بمساعدة الاتحاد الأوروبي على منع الناس الفارين من الوصل إلى أوروبا. لم يتم ذكر حقيقة أنهم يفرون من فرق الموت التى يتزعمها ومن الهجمات بالأسلحة الكيميائية. نحن نقلل من شأن الإبادة الجماعية ضد شعبه لأنه الآن “شريك” ذو قيمة فيما يتعلق بقضية الهجرة و مركز لواحدة من اهم مسارات الهجرة من القرن الأفريقي.

ليس الجميع يفرون من قنابل البشير. في جنوب السودان، وعلى سبيل المثال قد خلفت الحرب الأهلية عشرات الآلاف على حافة المجاعة، يعيشون على عظام الماعز وزنابق الماء. في العاصمة جوبا يقسم التجار الآن الطماطم (البندورة) الى نصفين لأن الناس لا يستطيعون شراء واحدة كاملة. منع/ صد هؤلاء الذين يفرون من مثل هذه الفظائع و معاملتهم على انهم مجرد “مهاجرين لأسباب اقتصادية”، كما لو أن كل ما يريدونه هو بعض أنماط الحياة الاستهلاكية من أجهزة التلفاز والبلاي استيشن، هذا عمى عن عمد ومعاملة قاسية بشكل واضح.

بالمناسبة، دعونا لا نلقى باللوم على قضية الخروج من الاتحاد الاوربى، كان الاتفاق مع الخرطوم غير المطابق للمواصفات هو فى حقيقة اتفاق الاتحاد الاوربى، انعقد لأكثر من ستة أشهر قبل التصويت على عضوية الاتحاد الاوربى. وذكر تقرير (دير شبيجل) و هى مجلة ألمانية ( المترجم) أن دول الاتحاد الأوروبي ال٢٨ قد وافقت على سرية الصفقة. و حذرت المفوضية الأوروبية تحت أي ظرف من الظروف يجب ان لا يعرف الجمهور ما يجري. ربما هذا هو السبب في أننا لا نسمع كثيرا عن إسقاط البشير اسلحة كيميائية ضد شعبه. قضية الهجرة ليست استثناء، فإن الاتحاد الأوروبي الآن على استعداد للقيام بعقد صفقات تجارية مع القتلة.

الصورة للاجئين من دارفور في مخيم للاجئين السودانيين تديره المنظمات غير الحكومية فى غاغا بشرق تشاد، بالقرب من الحدود مع دارفور. تصوير اوليفييه لابان-ماتي / أ ف ب / غيتي.

رابط النسخة الأصلية للمقال على صحيفة الغاردين الانجليزية

ترجمة محمد حسين

. فى ١٤ أكتوبر ٢٠١٦

التدريب المهني في السودان ما بين الاهمال الرسمي و الاهتمام الاجنبي

يعتبر التدريب المهني من اهم ركائز تنمية الموارد البشرية خاصة بعد الثورة الصناعية و التقنية التى شهدها العالم مؤخرا فى شتى المجالات. نجح هذا التطور فى تقليل الجهد البشرى العضلي مما جعل الحاجة الى عمالة ماهرة و فنيين فى مختلف مجالات سوق العمل امر ضروري. و ان اهتمام الدول بتوطين المعرفة بهذه التقنيات نابع من اهميتها فى عملية النمو الاقتصادي و ازدهار الدول. لذلك نجد دول كثيرة بلغت تصنيف العالم الاول بالاستثمار فى العقول و الأيادي الماهرة و نجحت بذلك على تعويض شح الموارد الطبيعية. لذلك صار المورد البشرى من اهم الثروات فى العصر الحالي.

تعرف منظمة العمل الدولية التدريب المهني بانه العملية المنظمة التي تكسب الفرد المهارة و المعرفة و الاتجاهات في اي من اوجه النشاط الاقتصادي بهدف الاستخدام المنتج ورفع الانتاجية. فالتدريب يقلل تكلفة و زمن الانتاج و يرفع من جودة المنتج نفسه فضلا عن تقليل احتمالات الاخطار و الخسائر فى المؤسسة او المنتج او العمال.

بدا السودان يهتم بالتدريب المهنى بعد الاستقلال مباشرة حيث تم انشاء اول مركز للتدريب المهنى بالسودان بمدينة الخرطوم سنة 1957. كان الغرض من ذلك المركز ترقية و ترفيع قدرات القوى العاملة و ثقل مهاراتها حتى تكون قادرة على الاداء الجيد و تلبية احتياجات سوق العمل الصناعى و المهنى خاصة بعد خروج الفنيين و المهندسين الاجانب مع المستعمَر. كان ذلك المركز اكثر تطورا و شمولا من مدرسة جبيت الفنية التى انشات سنة 1920 خصيصا لتدريب عمال السكة حديد.

لقد اخذ التدريب المهنى فى السودان يتطور و يتوسع بشكل مطرد بفضل منح قدمتها الدولة الصديقة للسودان. لقد إنشات جمهورية المانيا مركز الخرطوم 2 و مركز اخر فى بورتسودان و كان الهدف من الاخير تغطية الاحتياجات التدريبية لجميع دول ساحل البحر الاحمر و شرق افريقيا. و فى فترات متباعدة قدمت كل من الصين، كوريا الجنوبية، اليابان و تركيا دعم غير محدود لأنشاء و تطوير مراكز التدريب المهني بالسودان بالإضافة الى مساعدات اخرى قدمتها المنظمات الدولية على سبيل المثال لا الحصر منظمة العمل الدولية، برنامج الامم المتحد الإنمائي، وكالة الامم المتحدة للتنمية الصناعية، الوكالة اليابانية للتعاون الدولى و غيرها من المنظمات و الوكالات الدولية حتى بلغ عدد مراكز التدريب المهنى بالسودان (بعد انفصال الجنوب) 11 مركز حكومي بالإضافة الى 19 مركز تدريب مهنى يملكها القطاع الخاص او مراكز حكومية فئوية متخصصة مثل معهد التقوات المسلحة بضاحية (الكدرو) بالخرطوم بحرى .

الملاحظ ان معظم مراكز التدريب المهني الحكومية القائمة الان تم انشائها بمنح قدمتها دول صديقة للسودان مقابل عدم اهتمام امن الحكومة السودانية بالاستثمار فى هذا المجال. ربما لأسباب قد تكون ذات صلة بالقدرة المالية للحكومات او ضيق النظرة الاستراتيجية لمستقبل القوى العاملة، او اسوء التخطيط فى مجال التطور الصناعى و التقني. لذلك ظل التدريب المهني فى السودان يعانى من مشاكل جمة جعلته غير قادر على تلبية احتياجات سوق العمل او رفده بعمالة ماهرة قادرة على الانتاج و العمل فى بيئات تقنية و آلية اكثر تقدما، و يعود هذا للأسباب التالية.

عدم مواكبة مناهج التدريب المهنى و التلمذة الصناعية للتطور التقني و الصناعى العالمي، فنجد مثلا ان مناهج التدريب المهنى فى السودان لم يتم تطويرها منذ العام 1974 و خلال الاربعين عام الماضية شهد العالم طفرة صناعية و تقنية غاية فى التعقيد، فبتالي صار خريجو التدريب المهني غير قادرين على التعامل مع هذه التقنيات و الاليات الحديثة، ببساطة لان الآليات المستخدمة فى السوق تتقدم على المنهج السودانى بأربعين عام.

و لمزيد من التوضيح للفجوة ما بين المناهج الحالية و سوق العمل سوف اورد بعض الامثلة، مثلا معظم مصانع العالم و بعض من مصانع السودان تعمل بنظام التحكم الإلكتروني القابل للبرمجة (PLC)، ومن ضمن مميزات هذه التقنية استخدام الحاسب الآلي فى تشغيل و ضبط حركة الانتاج من خلال التحكم فى الماكنة او الآلة المنتجة. للأسف حتى الان لم تعتمد او تطور الجهات المسؤولة من التدريب المهني فى السودان أي منهج لتدريس هذه التقنية الحيوية لطلاب التدريب المهني و لا يوجد غير مركز حكومي واحد يقدم تدريب فى هذا المجال و هو المركز السودانى الكوري، اما المثال الاخر لتحلف التدريب المهنى عن حاجة الطلب هو مركز التدريب المهني بورتسودان (الميناء البحري الوحيد) لا يقدم تدريب فى مجال ما يسمى باللحام تحت الماء و هى تقنية لصيانة السفن الراسية فى البحر مما يجبر شركات الملاحة السودانية على تأسيس اطقم صيانة من فنيين اجانب او من سودانيين بعد ان تنفق عليهم كثير من المال لتدريبهم فى دول اخرى او ان تتعاقد مع شركات اجنبية للحصول على مثل هذه الخدمات التقنية.

و الجدير بالذكر ان المركز السودانى الكوري هو عبارة عن منحة من الحكومة الكورية الجنوبية التى تكفلت بإنشاء المباني و توفير المعدات مع تدريب كافي للمدربين على هذه المعدات. و فى العام 2012 وفرت الوكالة اليابانية للتعاون الدولى معمل تحكم الكتروني من عشرة وحدات لمركز الخرطوم 2 و بدأت فى دعم المجلس الاعلى التدريب المهنى فى تطوير المناهج و اعتماد التقنيات الجديدة من بينها التحكم الإلكتروني القابل للبرمجة. و قيس على ذلك فى المجالات الاخرى مثل النقل الاتوماتيكي لحركة السيارات، و نظام الحقن الإلكتروني للوقود، التكييف المركزي كل هذه المجالات لم يتم تطوير مناهج لها مع انها ظهرت على مستوى العالم و بدا استخدامها فى السودان قبل عشرات السنين .

تقادم و تهالك المعدات و النماذج التدريبية احد الاسباب التى اقعدت التدريب المهنى فى السودان, مثلا لا يعقل و فى العام 2013 حيث بدأت سيارات من انواع متطورة تغذو طرقات العاصمة السودانية ولا زال تدريب و تعليم طلاب قسم السيارات بالمراكز المهنية يتم على نماذج لسيارات من موديلات قديمة جدا. و مثلا تستخدم العديد من هذه المراكز اجهزة قطع المعادن التقليدية و العتيقة فى وقت تستخدم كثير من المصانع العالمية و السودانية تقنية القطع بأشعة الليزر. فكما ان مناهج التدريب المهني تحتاج الى تحديث مستمر لتواكب التكنولوجيا كذلك يجب ان يتم تحديث النماذج التعليمية بورش التدريب حتى تتمكن هذه المراكز من تخريج مهنيين لهم القدرة على المنافسة فى سوق العمل و تقليل نسبة العطالة بين الشباب السودانى و فى نفس الوقت تقلل حجم العمالة الوافدة.

هناك مشاكل تتعلق بالميزانيات التى ترصدها الدولة لتشغيل مؤسسات التدريب المهنى، كما هو معروف عالميا ان التدريب المهني من اغلى انواع التعليم، لان التطبيق العملي للدروس يحتاج لأدوات و معدات و معامل و ورش متطورة تمكن الطلبة من التعلم و ثقل مواهبهم عمليا، ايضا من الاسباب التى ترفع من تكلفة التدريب المهنى هى ان متطلبات العملية التدريبية و خاصة التطبيقية تحتاج الى المواد الخام بشكل مستمر، فأقسام مثل تشكيل المعادن او المنتجات الحديدية تحتاج الى مواد يتمرن عليها الطلبة فعدم توفر هذه المواد تحد من فرص الطلاب فى تجويد مهاراتهم.

بدائية الوسائط التعليمية، ان العملية التعلمية و التدريبية المهنية الحالية فى السودان تتم بوسائط فقيرة لا تمكن الاستاذة من نقل المعرفة و المهارات للطلاب بشكل سريع و بسيط كسبا للوقت و المواد. فمثلا عدم كفاية النماذج التدريبية التى تعرف بال Simulation مثل ان يكون هناك جهاز تمثيلي لنظام التبريد فى السيارات او نظام التكييف المركزي يتعلم منه الطلاب، بالإضافة لعدم وجود الوسائط السمعية و البصرية مثل اشرطة الفيديو، و اجهزة العرض مثل البروجكتر، لذلك لازال الاساتذة يستخدمون السبورة و الطباشير لرسم اجزاء الاجهزة او الدوائر الكهربائية المعقدة يوميا لتعليم الطلاب و هذا عمل شاق يبدد طاقة الاستاذة و يهدر وقت اكثر. الاسئلة التى تطرح نفسها هل هناك صعوبة فى ان توفر الدولة اجهزة عرض (بروجكتر) لمراكز التدريب المهني المحدودة حتى ترفع من كفاءتها. هل من الصعب ان تتصل الجهات المعنية بالتدريب المهنى بشركات السيارات او الاجهزة المنزلية….الخ مثلا لتحصل على أفلام تعليمية من تلك التى تنتجها هذه الشركات لتسهيل و تجويد خدمة عملائها.

الثقافة المجتمعية الخاطئة التى تصنف التدريب المهني على انه خيار الاغبياء الذين فشلوا فى إحراز مجاميع كبيرة تأهلهم لبلوغ الثانوي العالي. لا زالت كثير من الاسر السودانية تختار هذه الوجه لا بناءها من ذوى المردود الاكاديمي الاقل. بالإضافة الى نظرة المجتمع لخريج التدريب المهني التى تتسم بشيء من التحقير مما جعل كثير من الاشخاص يعزفون عن الانتساب لمثل هذه المعاهد ومن تخرجوا منها اضافوا لأسمائهم لقب مهندس تجنبا لهذا العار. هذا التقليل من شان التدريب ساهم في تفاقم ازماته بجعله حقل غير مرغوب فيه رغم ان هذه النظرة تنطلق من عقلية سطحية .

فألمانيا مثلا تشتهر بإنتاج افضل الماكينات على مستوى العالم بفضل العمال و الفنيين المهرة و ليس بفضل المهندسين، اما الصينيون الذين يعملون فى صناعة النفط و الانشاءات فى السودان منحونا دروسا مجانية، من بين هذه الدروس انك لا تستطيع التمييز ما بين العامل و الفني و المهندس تجدهم جميع فى مواقع الانتاج و يعملون بالتزام و جدية وبنفس الزى الموحد (ابرول) ليس كبعض المهندسين فى السودان الذين يفضلون الجلوس خلف المكاتب الكبيرة، اما اليابان تعتبر اروع مثال يضرب بشان اهمية الموارد البشرية.

تغول السلطات على مراكز التدريب بسبب نظرتها السطحية و الضيقة للتدريب المهني. مثلا لإرضاء ولاة بعض الولايات السودانية تم تحويل مراكز التدريب المهني بكل من نيالا، مدنى و بورتسودان الى كليات تقنية. تخرج هذه الكليات فنيين يسمون انفسهم مهندسين، فبدلا من ان تطور السلطات القومية او المحلية التدريب المهني فى هذه الولايات قامت بتحويلها الى مسوخ غير قادرة على رفد سوق العمل بعمال ماهرة. و لمزيد من التوضيح للفرق ما بين تخطيط الموارد البشرية فى السودان و الدول الاخرى، تمعنوا فى هذه المفارقة, قال مندوب السفارة الهولندية فى احدى المنتديات السودانية عام 2013ان 20% فقط من الطلاب الهولنديين الناجحين يتم قبولهم بالجامعات اما ال80% يذهبون الى مراكز و معاهد التدريب المهني و التقني، اما فى السودان تجد ان الطاقة الاستيعابية للمراكز التدريب المهني الحكومية لا تتجاوز 3 الف طالب فى العام.

كل هذه الاسباب و غيرها التى لم يتسع لنا الوقت لذكرها اقعدت عملية تطوير الصناعات الوطنية، و استنزفت العملة الصعبة فى استيراد سلع رديئة كان يمكن صناعتها فى السودان و بجودة عالية اذا ما اهتمت الدولة بالتدريب المهني. كذلك اقول للذين يتضجرون من استيلاء العمالة الاجنبية على سوق العمل، ان ما ذكر انفا هى بعض من مسببات هذا الغزو فلن يتحرر سوق العمل ما لم تعالج جزور هذه الازمة، و الى حين ذلك من الطبيعي ان نشاهد الاتراك يسيطرون على اعمال الستائر و الديكور، المصريون يحتكرون اعمال النقاشة و السيراميك، اللبنانيون على وظائف الطبخ و تجهيز الاغذية و المأكولات…الخ، و الشباب السودانى عاطل. فاذا كانت الدولة راغبة فى تقليل معدل العطالة و تقليل الضغط الأجنبي على سوق العمل يجب ان تعيد النظر فى سياساتها المتعلقة بالتعليم العالي و التدريب المهني لأنه ليس من الحكمة فى شيء ان يصبح اغلب افراد الشعب السودانى حملة شهادات جامعية.

و بما اننا تطرقنا للعمالة الاجنبية و لمزيد من التوضيح حتى نتعرف على بعض جوانب القصور التى ساهمت فى احتلال كبير لسوق العمل السودانى بواسطة العمال الاجانب. من بين هذه العوامل ان العامل او الفني السودانى لم يربى او يعلم على المسئولية و الانضباط، فالإهمال و عدم المبالاة الموجودة فى القطاع الحكومي امر غير مقبول فى القطاع الخاص الذى يرجو الربح، فلا يعقل ان تفرط شركة او مصنع و تسلم ماكينة او آلة تقدر قيمتها بمئات الالاف و الملايين من الدولارات لشخص غير مكترث و غير منضبط ليعطلها فى فترة وجيزة و يبرر ذلك بالقدر كما يحدث عند القطاع العام الفاقد للنظم المحاسبية و الرقابية.

نحن السودانيون لا نضع اعتبار و اهتمام للأمور الصغيرة و نهون من شأنها, ونستسهل التقصير و تفتقر المؤسسات العامة لنظم المحاسبة الفعالة. ايضا اننا شعب مشهور بإضاعة الوقت و هدر الزمن لذلك تفضل العديد الشركات الكبيرة العمال الاجانب الذين يعبدون عملهم و يحترمون النظم و اللوائح. لذلك العملية التعليمية او التدريبية لا تنحصر او تقتصر على اكتساب المعرفة او المهارات بل تذهب عميقا لأجل تهذيب و تقويم سلوك العمال لتصبح اكثر ايجابية و حساسة اتجاه البيئة و السلامة لان كثير من الكوارث و الخسائر الكبيرة فى العالم حدثت نتيجة لأخطاء بشرية فنية او سلوكية مثل كارثة محطة تشرنوبل النووية و كارثة حقل النفط البحري (الفا)…..الخ .

ان الدولة الصديقة للسودان و المنظمات الدولية بذلت جهود جبارة لانعاش التدريب المهني من الهلاك لكن بالمقابل الجانب السودانى لم يتعاون مع هذه الجهات بشكل يوازى هذه الجهود حتى تحقق هذه المنح الفائدة المرجوة منها، وفى اغلب الاحوال يشترط المانحين مساهمة مالية من الحكومة السودانية فى مثل هذه المشروعات لتأكيد الرغبة و الجدية و لضمان الاستمرارية و الملكية الوطنية للمشروع, لكن تجد كثير من هذه المشاريع لم تحقق اهدافها بسبب عدم ايفاء الحكومة بالتزاماتها فى توفير المكون المحلى او الكادر الوطني المناسب ليستفيد من عمليات نقل التقانة.

لكن مازالت الفرصة سانحة لان تعيد الدولة التدريب المهني فى السودان الى الطريق الصحيح و كخطوة اولى تبدا بتطوير المناهج لتواكب التقانة و التطور الذى يشهده العالم فى شتى المجالات، اعادة تأهيل مراكز التدريب الحالية من حيث المنشآت، المعدات، الادوات و انشاء مزيد من المراكز بمواصفات عالية الجودة، تنظيم و ادارة المهن و المهارات لدى سوق العمل و رفع قدرات المشتغلين بها، وفوق كل ذلك وضع ميزانيات مقدرة لإدارة و تشغيل مراكز التدريب المهني و من بين مقترحات معالجة المشاكل المالية هو السماح للمراكز بأنشاء وحدات انتاجية استثمارية لترفد خزائنها بمزيد من الاموال يوظف لصالح تحسين بيئة العمل و التعليم.

نشر المقال فى مايو 2013 بعدد من المواقع السودانية و هذه نسخة منقحة تلافت بعض الاخطاء.
محمد حسين

الصحافة القائمة على مفهوم حقوق الإنسان.

shutterstock_102143884إعداد

Gabrielle Beman

Daniel Calderbank

UNESCO Bangkok, 2008

ترجمة. محمد حسين

ما هي حقوق الإنسان؟

يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق و تعنى كل فرد، كإنسان، تحق له بعض الحقوق التي لا تعتمد على أساس الجنس أو العرق أو اللون أو العرق أو اللغة أو السن أو الدين أو السياسية أو غيرها من المعتقدات، أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو الوضع الاقتصادي أو الإعاقة أو المولد أو أي عوامل أخرى. كما ان حقوق الإنسان الفردية هذه غير قابلة للتصرف وذلك لأنها لا يمكن أن تصادر، أو تنتهك او التنازل عنها.

حقوق الإنسان هي بطبيعتها غير قابلة للتجزئة و الترتيب حسب الاولوية. وهي تشمل الحق في الحرية و النشاط و المشاركة ذات الممغزى، المساهمة، وكذلك التمتع بالتنمية المدنية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسي. تتداخل حقوق الإنسان في كثير من الأحيان فيما بينها على سبيل المثال، الحق في الصحة قد يكون معتمدا على حق الحصول على المعلومات، أو الحق فى التعليم الذى ينبغي الايفاء به على نحو كاف.

دور الصحفيين في مجال الاتصالات، والإعلام، وحقوق الإنسان.

اليوم، و بسبب عولمة الخدمات والمعلومات والعمل – تتحمل وسائل الإعلام دور مؤثر في التواصل . و يعتمد كثيرا في ساحة التواصل على الصحفيين الذين يعملون في الجهات الفاعلة الرئيسية في الإبلاغ عن الأحداث العالمية ونقل المعلومات القيمة. يمتلك الصحفيين سلطة تحديد ما هي الأخبار و بناء القصص واختيار الكلمات بالطرق التي تؤثر على الناس. وجهات نظرنا حول التاريخ يمكن أن تتأثر بشدة بواسطة الصحفيين. للصحفيين القدرة على إعلام الجمهور، و ربط عوالم نائية، وتشكيل معرفة و فهم الفرد للعالم الذى نعيش فيه. كما لديهم الفرصة لزيادة الوعي العام، و تثقيف الجمهور بحقوقهم، وقبل كل شيء المساعدة على مراقبة حقوق الانسان.

لماذا ينبغي أن يسهم الصحفيين فى حركة حقوق الإنسان؟

يمكن للصحفيين استخدام قدراتهم في التواصل و وصولهم إلى مصادر وسائل الإعلام، ليس فقط للإبلاغ عن الأحداث، ولكن أيضا لإضافة المزيد من التحليل المتعمق. من خلال تحليل والجمع بين وجهات نظر متعددة والصحفيين يشكلون مصدر للمعرفة الجماهرية الأكثر دراية، يمكن للوعي أن يؤدي إلى أيجاد مجتمع مدني قوي و أكثر نشاطا.

يمكن أن يتقفى اثر مفهوم حقوق الإنسان عبر التاريخ البشري على أنه يشير إلى“… الحقوق الأساسية أو الحرية التي تضمن لجميع البشر …” على الرغم من الجذور القديمة، فإن مصطلح حقوق الإنسانظهر على الاستعمال الشائع في القرن العشرين، كانعكاس لفكر القرن السابع عشر والثامن عشر الأوروبي ، وقدم هذا المصطلح بواسطة الفلاسفة اليونانيين والرومانيين القدماء الذين ربطوا الحقوق والحريات بالجذور التاريخية للديموقراطية. على الرغم من ان حقوق الإنسان بطبيعة الحال حق للجميع ، أصبح مصطلح مسيس للغاية و تم تغير التعريف ليشمل الحقوق الأساسية، خاصة تلك التى يعتقد انها تنتمي إلى الفرد، والتي لا تتدخل الحكومة فى ممارستها او التمتع بها، مثل الحق في الكلام، والتضامن، والعمل، الخ

كصحفيين نبلغ عن القضايا الاجتماعية، هناك العديد من العوامل التي ستؤثر على حقوق الناس في المنطقة التي يجري الإبلاغ عنها. وتشمل هذه القضايا؛ الأطر القانونية الدولية والوطنية لحقوق الإنسان، والسياق الثقافي الذي يبلغ عنه الصحفي، و الحالة الاجتماعية والاقتصادية للبلد أو المنطقة، البيئة والوضع السياسي. كل هذه القضايا لها تأثير على سواء كانوا أفرادا قادرين على ممارسة حقوقهم في أي حالة معينة. في حين أن عدد من العوامل تأثر على التعرف على حقوق الإنسان و هناك أيضا عدد من قضايا حقوق الإنسان الأساسية التي يجب أخذها في الاعتبار عند إعداد التقارير.

النــــــوع

النوعهو مصطلح يشير إلى الهيكلة الاجتماعية لأدوار الرجال والنساء. الادوار التى يمكن تحديدها من خلال المعتقدات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، والثقافية، و السياقات. في العديد من أنحاء العالم، وترتبط النساء بأدوار الأنثىوهي تنحصر على الفرص والمسؤوليات من اجل البيت و العائلةالذى يؤدى الى فقدان الفرص التعليمية، وغيرها من الحقوق الأساسية مثل حرية التعبير. و في هذه المثال يمكن اسكات أصوات النساء في الحياة العامة وغيرها من مجالات حياتهن.

مفهوم دور المرأةفي المجتمع يمكن أن يؤدي إلى انتهاكات كبيرة لحقوقهن بما في ذلك حقوق الإنسان البسيطة و الأساسية مثل الصحة، وعدم التمييز،المشاركة وتكافؤ الفرص. عندما يتم مصادرة صوت المرأة، يتم تقزيمها على الفور و وضعها  فى منزلة متدنية فى هياكل السلطة الاجتماعية. فقدان هذه السلطة او الحق يؤثر تأثيرا مباشرا على الحق العام على كسب العيش، والتعليم، وإلى التحرر من العنف، و يزيد بشكل كبير من فرص معيشتهن عند أو تحت مستوى الفقر. على الرغم من ان كل الحقوق التي يتناولها القانون الدولي هي نفسها للرجال والنساء، الا ان حقوق المرأة تعالج بشكل واضح في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “(سيداو) التى تم اعتمادها بواسطة الجمعية العمومية للامم المتحدة سنة ١٩٨٩.

ضمن هذه الاتفاقية، يتعين على الدول الاعضاء ضمان حصول النساء على : فرص عمل متساوية مع الرجل، حرية اختيار المهنة ونوع العمل، الأجر المتساوي عن العمل المتساوي، القدرة على اختيار الزوج بحرية و الموافقة الكاملة و البينة، حقوق ومسؤوليات متساوية مثل الرجل أثناء الزواج و الطلاق او الانفصال، المساواة في الحقوق لاتخاذ قرار بشأن عدد و الفترة الزمنية بين الولادات، المساواة في الحقوق سواء كانت متزوجة أو غير متزوجة، لاختيار المهنة و الحرفة.

كصحفيين، من المهم أن نلاحظ كيف يتأثر عدم المساواة على أساس النوع بعوامل أخرى. يمكن عدم المساواة التي تعاني منها النساء في كثير من الأحيان تكون أكثر شدة اعتمادا على السن أو الوضع الاقتصادي، والصحة والعرق من امرأة الى أخرى. مصدرة البيانات و تصنيفها حسب المعطيات مثل الجنس والعمر والعرق والوضع الاجتماعي والاقتصادي يمكن أن يساعد في تسليط الضوء على عدم المساواة وتوفير أداة قيمة للدفاع عن حقوق المرأة. وعلاوة على ذلك، توفر فرص للنساء ليتحدثن عن هذه القضايا إلى وسائل الإعلام (إذا ما تم بطريقة تراعى سلامتهن البدنية و احترام الأعراف الثقافية)، ويمكن أيضا تسهم إسهاما كبيرا في تعزيز حقوق الإنسان للمرأة .

الأطفال

تمنح حقوق الطفل أولوية وأهمية خاصة في القانون الدولي. تسلط اتفاقية حقوق الطفل ١٩٨٩ الضوء على الحقوق المدنية والسياسية، و الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للأطفال. بالإضافة إلى اتفاقية منع و القضاء علي أسوأ أشكال عمالة الأطفال الصادرة عن منظمة العمل الدولية تحت الرقم ١٨٢، والبروتوكول الاختياري الاول المتعلق بإشراك الأطفال في النزاعات المسلحة لعام ٢٠٠٠ والبروتوكول الاختياري الثاني الخاص بالاستغلال الجنسي، وبيع وبغاء الأطفال والمواد الإباحية سنة ٢٠٠٠م. و لأغراض اتفاقية حقوق الطفل، يعني الطفل اى إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة او كما يعرفه القانون الوطني ذو الصلة.

اتفاقية حقوق الطفل الدولية. فى المادة ).ضرورة احترام حقوق الأطفال وحمايتها بغض النظر عن الطفل أو والديه أو الوصي القانوني عليه العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، الرأى السياسي أو أى رأي آخر، القومي أو الإثني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو الإعاقة، أو المولد، أوآخر.

في جميع الإجراءات التي تتعلق بالأطفال يجب ايلاء ابتدائا المصلحة الفضلى للطفل و السلامة من الاذى و المشاركة و النماء انظر (المادة ٣). اما الحقوق الأخرى المدرجة في اتفاقية حقوق الطفل تشمل الحق في؛ حماية ورعاية، الحياة، المحافظة على هويته بما في ذلك جنسيته واسمه والأسرة، لا يمكن فصل الطفل عن والديه بالاكراه ،حرية التعبير، الوصول إلى المعلومات والمواد ،الحماية من جميع أشكال العنف البدني أو العقلي ،للأطفال اللاجئين الحق في تلقي الحماية والمساعدة الإنسانية المناسبة، المساعدة للتمتع بالحقوق . للأطفال المعاقين عقليا أو جسديا التمتع بحياة كاملة في ظروف تكفل لهم كرامتهم وتعزز اعتمادهم على انفسهم و تيسر مشاركتهم الفاعلية في المجتمع، التمتع بأعلى مستوى من الصحة يمكن بلوغه، مستوى معيشى كاف للمحافظة على النماء البدنى والعقلي والروحي للطفل، التنمية الأخلاقية والاجتماعية، التعليم، التمتع بثقافته الخاصة، وإعلان وممارسة دينه، أو استخدام لغته الخاصة، الراحة والترفيه والاستجمام. بالإضافة إلى ذلك تشير اتفاقية حقوق الطفل الدولية أن الأطفال يجب أن لا يتعرضوا للاستغلال الاقتصادي، و الأعمال الخطرة والعمل الذي يتداخل مع تعليمهم ، و الحماية من المخدرات، والاستغلال الجنسي، والاتجار فى البشر والتعذيب.

تسلط هذه الاتفاقيات الضوء على الهشاشة الخاصة باوضاع الأطفال والحاجة، عند الإبلاغ عن القضايا الاجتماعية ذات الصلة، على استخدام البيانات التي تختبر على وجه التحديد الوضع وآثاره على الأطفال. كما ينبغي إجراء مزيد من التحقيقات لدراسة تحديدا تأثير القضايا الاجتماعية والمخاوف على حقوق معظم الأطفال المعرضين للخطر، بما فيهم المعوقين، و أولئك الأطفال من الأعراق و الأقليات الدينية، والأطفال اللاجئين والأشخاص الذين يعيشون في فقر. أخيرا، تلسط اتفاقية حقوق الطفل الضوء على أن عند الإبلاغ عن قضايا الأطفال، للطفل الحق في الاستماع إليه،و يجب دائما أن تؤخذ المصلحة الفضلى للطفل بعين الاعتبار. وهذا يمكن أن تشمل؛ حقه أن يكون برفقة ولي الأمر، الحق في الحماية من الأذى (ضمان عدم الكشف عن هويته عند التعامل مع القضايا بالغة الحساسية)، وحقهم في حرية التعبير من غير اى ترهيب او تأثير.

الأشخاص ذوي الإعاقة

اعتمدت اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في عام ٢٠٠٦، و دخلت حيز النفاذ في عام ٢٠٠٨. وكانت واحدة من أكثر المعاهدات سرعة فى التفاوض في تاريخ الأمم المتحدة. تعزز المعاهدة المساواة بين جميع البشر، بما فيهم المعوقين، وفقا لغرض محدد تعزيز وحماية و ضمان التمتع الكامل وعلى قدم المساواة بجميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية لجميع الأشخاص ذوي الإعاقة، وتعزيز احترام كرامتهم المتأصلة “. تنص اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة على يجب أن يكون لهم حق الحصول او الوصول الى: العدالة، خدمات المعلومات والاتصالات ، التعليم ، الصحة. التأهيل وإعادة التأهيل ، العمل والتوظيف، سياسات الموارد البشرية والممارسات، مستوى المعيشة اللائق والحماية الاجتماعية، ويجب أن يكونوا قادرين على: العيش المستقل والإدماج في المجتمع و المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية،والمشاركة في الحياة الثقافية وأنشطة الترفيه والتسلية والرياضة.

تساعد هذه الاتفاقية على تعزيز حقيقة ان وضعية الأفراد ذوي الإعاقة هى على قدم المساواة مع جميع بنى البشر الأخرين والمساواة في الحقوق. و من المهم فى هذا الصدد منح الأفراد ذوي الإعاقة على انهم على قدم المساواة فرص متساوية خاصة فى المؤسسات العامة، مثل المدارس، لخلق وضع متكامل لجميع الفاعلين و المجتمعات حيث يمكن للصحفيين أن يلعبوا دورا في إيصال صوت الأفراد ذوي الإعاقة، وزيادة التغطية الإعلامية، وقبل كل شيء، التوعية بشان أي موقف ظالم قد يواجهه الأفرادمن ذوى الإعاقة.

فيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز

فيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز هو وباء عالمي يؤثر على ما يقدر بحوالى ٣٣ مليون شخص من بينهم ٣٣٠ ألف طفل في جميع أنحاء العالم. فيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز هو أكثر من مجرد قضية صحة عامة لأنه يؤثر على التمتع بحقوق الأفراد المتأثرين به. يمكن أن يؤثر فيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز على الحق في العمل، والحق في الذهاب إلى المدرسة، والحق في الحماية من سوء المعاملة أو العنف، فضلا عن الحق في عدم التعرض للتمييز.

الصحفي المهتم بقضية فيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز يحتاج إلى تعزيز الوعي بهذه القضية و ان يكون مدافعا عن حقوق المتضررين بالفعل. فضلا عن زيادة معرفة الجمهور باثار فيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز وتوفير المعلومات عن قضايا مثل الضمور، والأعراض، و التدابير الوقائية فضلا عن خدمات الدعم التى تسهم في تغيير السلوك. وعلاوة على ذلك، استكشاف القضايا التي تواجه المتاثرين ومنحهم صوت يمكن أن يؤثر في السياسة ويساعد على التقليل من الوصمة الاجتماعية التي قد يواجهونها. معالجة التمييز من اساسيات مفهوم قضية فيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز القائمة على الحقوق . تلصق الوصمة بفيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز التى يمكنها ان تخمد النقاش العام الذى يؤدى بدوره إلى ضعف التعليم والمعرفة بهذه المسألة. التى بدورها تؤدي الى الهلع، و الانتشار الأسرع.

خفضت الأعداد الكبيرة من الوفيات الناجمة عن فيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز بشكل كبير من فرص العمل والمهارات والمعرفة، وبالتالي الموازنة فى التقارير التى تثير قضية فيروس نقص المناعة لها القدرة على حشد الدعم السياسي والمجتمعي القوي وفق منهجية متعددة القطاعات لمعالجةالقضية.

التعليم

التعليم هو حق أساسي من حقوق الإنسان، ويسير جنبا إلى جنب مع العديد من حقوق الإنسان الأخرى، ولا سيما الحق في التنمية البشرية الكاملة. وفقا للقانون الدولي لحقوق الإنسان، تلتزم الحكومات إلى اتخاذ جميع التدابير التشريعية والإدارية الملائمة وغيرها لاحترام وحماية، والوفاء بحق الفرد في التعليم.

أعلن أيضا عن الحق في التعليم في اهداف الأمم المتحدة الإنمائية للألفية ، والتي تتضمن هدف توفير التعليم الإبتدائي للجميع على الصعيد العالمي، بحلول عام ٢٠١٥. وتم تناول الحق في التعليم في المادة ٢٦ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تنص على أن التعليم ليس فقط يجب أن يكون حرا، إلا أنه ينبغي ان يعزز التفاهم والمساعدة في الحفاظ على السلام، وتعزيز حقوق الإنسان.

المادة ٢٦ :(١) يجب أن يوفر التعليم مجانا، على الأقل في المرحلة الابتدائية والأساسية. ويكون التعليم الابتدائي إلزاميا. و يكون التعليم التقني والمهنى متاحا للعموم و ان يكون التعليم العالي متاحا للجميع على أساس الجدارة. (٢) يجب أن يستهدف التعليم التنمية الشخصية الشاملة للإنسان وإلى تعزيز احترام حقوق الإنسان و الحريات الأساسية. كما يجب أن يعزز التفاهم والتسامح و الصداقة بين جميع الشعوب والجماعات العرقية أو الدينية، وإلى تعزيز أنشطة الأمم المتحدة لحفظ السلام. (٣) للآباء الحق الأولى في اختيار نوع التعليم الذي يجب أن يحصل عليه أطفالهم .

للإبلاغ او اعداد التقارير عن الحقوق والتعليم يتطلب ليس فقط دراسة القضايا المتعلقة بالقبول والحصول على التعليم ولكن أيضا فحص جميع العوامل التي تحد من قدرة الطفل على التعلم مثل الصحة وحالة التغذية والرفاهية والسلامة والحماية من الإيذاء والعنف، لأن التعليم الجيد يعتمد على هذه العوامل. الإبلاغ او التقارير عن قضايا حقوق الإنسان في التعليم تتطلب فهم. جودة البنية التحتية التعليمية، ونوعية المناهج الدراسية (هل أنها لا تشجع حقوق الإنسان والتنمية الشخصية؟)، الأطفال الذين تمكنوا من الالتحاق بالمدرسة (هل هم امنيين في المدرسة؟ هل المدارس عمليا يمكن الوصول اليهم بواسطة جميع الأطفال في المناطق التي تتوفر فيها الخدمة؟ هل الكتب و المعدات متاحة بأسعار معقولة لجميع الاطفال؟ هل الأطفال المنحدرين من أعراق مختلفة مرحب بهم ؟ هل التعليم متاح للأطفال الذين لا يتمتعون بالمهارات اللغوية المنصوص عليها؟). فيما يتعلق بنوعية التدريس (هل جميع المدرسين مؤهلين بشكل مناسب؟) هل المعلمين مسؤولين عن عدد كبير من الأطفال في الصف الواحد وهل المعلمين على علم بقضايا حقوق الإنسان؟) بيانات حضور المدرسة ، التسرب من المدرسة و تصنيفها حسب الجنس والوضع الاجتماعي والاقتصادي واللاجئين و العرق يمكن أن تساعد في تحديد ما إذا كانت حقوق جميع الأطفال للحصول على تعليم الجيد قد تم الايفاء بها. وعلاوة على ذلك، صحة الطفل، وإحساسهم بالسعادة، وشعورهم بالسلامة والحماية من الإيذاء والعنف وغيرها من القضايا التي تتصل مباشرة بالحق في التعليم والتي تحتاج إلى الابلاغ عنها. و الأهم آراء الأطفال وتصوراتهم ينبغي اخذها فى الاعتبار عند تقييم ما إذا كان الحق في التعليم الجيد قد تم تنفيذه.

الصحة

الحق في الصحة يرتبط مباشرة بجميع حقوق الإنسان الأخرى، لأنه بدون حق الصحة سوف يكون الحق في الحياة فى خطر. الحق في الصحة يعني أن الحكومات يجب ان تنفذ سياسات وخطط من أجل توفير الرعاية الصحية و ان تكون في متناول الجميع في اقصر وقت ممكن. نص إعلان الأمم المتحدة العالمي لحقوق الإنسان على أن لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاه لنفسه [للشخص] وأسرته، بما في ذلك الغذاء والملبس والمسكن والعناية الطبية وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة. “

وفقا للمادة ١٢ من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، على الدولة الأطراف “.. الاعتراف بحق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى من الصحة البدنية والعقلية يمكن تحقيقه. الصحة القائمة على نهج حقوق الانسان تعني أن الحكومات ملزمة بحماية واحترام الحق في الصحة من خلال وضع معايير فعالة لتقديم الرعاية الصحية.

كصحفي عليك تحديد كيف فى الغالب و كم مرات تعانى فئات معينة من السكان من المرض لان ذلك قد يكشف عن توفير الرعاية الصحية غير العادلة. استخدام البيانات المصنفة من خلال المعطيات مثل العرق والجنس والعمر يمكن أن تساعد على تسليط الضوء على الفوارق في الصحة الناجمة عن الحرمان الاجتماعي ويمكن أن تساعد في رفع مستوى الوعي حول الرعاية الصحة الأولية وتوفير أداة قيمة للدفاع عن حقوق الإنسان.

البيئة

شهدت منطقة آسيا والمحيط الهادئ زيادة فى المشاكل البيئية المرتبطة بالعمران الحضرى والتصنيع، والفقر. تكلف البيئية تدهور شمل خفض الناتج في القطاعات القائمة على الإنتاج، واستمرار الخسارة في التنوع الحيوي، وتصاعد تكاليف الصحة و الوفيات بسبب نقص المياه النظيفة وزيادة التلوث. تحتاج التنمية المستدامة الى استراتيجية طويلة المدى مثل تلك التى تعالج قضايا مثل التلوث والهدر في استخدام الموارد الطبيعية. ليس هناك شك في أن الفقراء هم الذين يتأثرون بشكل غير متناسب من النتائج المترتبة على التنمية غير المستدامة. تدهور التربة وندرة المياه العذبة، الملوثات، الاستخدام غير الفعال للأرض، وعدم كفاية فرص الحصول على الموارد التكنولوجية كلها عوامل تساهم في خفض نوعية الحياة لأولئك الغالبية التى تتحمل وطأة سوء الإدارة البيئية. بل هم أيضا الفقراء الذين غالبا ما يعيشون على الأراضي الهامشية، مما يجعل تلك النظم الإيكولوجية أكثر هشاشة مع نضب الموارد وعلاوة على ذلك، فإنه ينبغي الاعتراف بأن سوء إدارة الموارد الطبيعية و البيئة لا تؤثر فقط على الفقراء من الجيل الحالي بل على الاجيال القادمة كذلك.

للإبلاغ عن حقوق الإنسان والبيئة يتطلب التحقق من قضايا البيئة وتأثيرها على الاستدامة والإنصاف. ينبغي أن يلتزم الإبلاغ بالمبادئ التي انبثقت عن مؤتمر ريو، وضمان مشاركة وسماع صوت أكثر المتضررين، أن استكشاف قضايا المساواة بين الأجيال (على سبيل المثال، إذا كانت الممارسات الزراعية تحدث الآن مدمرة هل يعنى عدم قدرة الأجيال المقبلة على زراعة الأرض؟). على التقارير ان تركز على الحق في الغذاء، على سبيل المثال، ليس استكشاف القضايا فقط مثل الحصول على الغذاء وأي تمييز في الحصول على الغذاء، ولكن ستدرس أيضا ما إذا كان الحق في بيئة آمنة ونظيفة لم ينتهك خلال هذه العملية.

يؤدى التدهور البيئي لا محالة ليس فقط الى نقص المياه النظيفة و الظروف المعيشية غير الصحية التي تؤثر سلبا على الفقراء، ولكنه أيضا بشكل سلبي يؤثر على الإنتاجية الزراعية والتي في كثير من الأحيان تؤدي إلى ليس نقص المعيشة المستدامة والأمن الغذائي للفقراء و حسب. بل من منظور حقوق الإنسان على الإبلاغ عن البيئة أيضا المطالبة بإجراء فحص لتأثير هذه القضايا على سبل العيش المستدامة. القوانين، بالإضافة الى خلق حوافز اقتصادية يجب ان تعمل على حماية موارد البلاد الطبيعية بناء على الاستغلال غير القانوني والاستخدام المفرط. على التشريعات الوطنية، و مجموعات العمل الوطنية ، التي تعمل على مناصرة و حماية الموارد الطبيعية للبلد عليها التاكد من ان استدامة الاستغلال و الادارة هما اساس البيئة القائمة على مفهوم حقوق الانسان و مصادر المعلومات القيمة.

مخدر الكابتاغون القاسم المشترك بين داعش و الجنجويد.

170261منذ بروز قضية حاويات المخدرات ال(كابتاغون) التى أستجلبت الى ميناء بورتسودان فى ابريل ٢٠١٤، و التى أثارت جدل كثيف. اجتهد العديد من الكتاب و المراقبين فى سبيل سبر غوار ذلكم اللغز المحير، و كشف المتورطين فيه ومعرفة المقصد الاخير لتلك السموم، و بدوري فكرت مليا و سألت نفسى مرارا، لماذا تتورط جهات حكومية فى إستيراد مخدرات و هى التى من المفترض ان تكافح تلك الأفة؟. ثم استدركت انهم أي الحكومة ما هى إلا عصابة و ليست حكومة بالمعنى المتعارف عليه، و حتى لا أظلم الطغمة الحاكمة قلت فى نفسى، ربما أستجلبت تلك السموم بواسطة بعض النافذين فى الحكومة لأغراض تجارية؟ لكن أستدركت مرة اخرى كيف تعمل جميع أجهزة الدولة المعنية من شرطة و أمن و قضاء للتستر علي أولئك المجرمين إذا لم تكن قيادة البلاد قد باركت تلك الخطوة؟ و سألت نفسى مجددا كيف يخاطر مجرم بشحن مخدرات تقدر قيمتها ب ١٣ مليون دولار عبر مسار بحرى تنشط فيه العديد من وكالات الاستخبارات و المراقبة الدولية ؟ و صارت تتوالد الأسئلة كما الاميبيا حتى كاد أن ينفجر رأسي من شدة التفكير .

و فى نهاية المطاف أجريت بحث لمعرفة علاقة المخدرات بالحروب و قارنت النتائج بطريقة ربما قد تساعد بشكل منطقي و معقول لمعرفة الدوافع وراء تلك الجريمة. لقد وصلت لإفتراض إن هناك علاقة بين الحرب فى السودان و تلك المخدرات من خلال أستبعاد أحتمال الربح، لأن هناك العديد من الطرق التى يمكن أن تحقق بها الجماعة الحاكمة المزيد من الأرباح خاصة و هى فئة معفية من الضرائب و الجمارك بل رخصوا بقوانين التحلل لأنفسهم حق نهب أموال الشعب من غير مساءلة. ثم أستبعدت التحليل الذى يقول إن الحكومة هدفت بإستجلاب تلك المخدرات تدمير الشباب و تثبيط همتهم من الإحتجاج على تردى الأوضاع الإقتصادية و السياسية فى البلاد. و سبب أستبعادي لهذا التحليل كما هو معروف إن أجهزة الأمن تملك القسوة و التفويض اللأزمين لقتل و قمع كل من يتظاهر ضد النظام، و إن تلك الأستراتيجية اى أستراتيجية تدمير الشباب سوف تفتك بالجميع بدون إستثناء بما فى ذلك أبناء و أهل المسؤولين الإنقاذين. بالإضافة الى إن تلك الفكرة تبدو غبية نوعا ما.

إتخاذ الحرب كأفتراض يمكن ان تقدم تفسير معقول لتلك الجريمة الفريدة من نوعها فى تاريخ السودان، خاصة إن للحروب سجل طويل و سيئ فى أستخدام طائفة من الأساليب غير المشروعة ليس ضد الأعداء و حسب بل ضد الجنود لدفعهم بمزيد من الطاقة و القدرة على تدمير الأعداء، و المخدرات واحدة من تلك الوسائل التى أستخدمت في كثير من الأحيان لأجل إعداد الجنود للقتال. و تسهيل عملية غسل أدمغتهم و للتغلب على الاثار البدنية والنفسية الناجمة عن فظائع الحرب. ومن بينها عقاقير محرمة دوليا إلا لأغراض طبية أستخدمت لأغراض عسكرية لأجل التغلب على الإرهاق الناجم عن السير على الاقدام لمسافات طويلة و ثقل العتاد الحربى على أجساد الجنود فضلا عن قدرة تلك المخدرات على التعامل مع مشاكل عدم النوم و ألام الإصابات .

لقد كشفت جمعية الأطباء الألمانية، التي أجرت أبحاثا طبية على الفيلق الثالث عن حقائق مروعة، عن ان نظام هتلر أجبر الجنود الألمان ابان الحرب العالمية الثانية على تعاطي المخدرات للحصول على النشاط و القدرة على التحمل، كان العقار الذى يسمى (الميثامفيتامين) المعروف باسم (سبيد) يعتبر سلاح هتلر السري. حيث ساعد الجنود الألمان على التغلب على السير على الأقدام فى البرد القارس و لمسافات طويلة و ساعدتهم فى السيطرة على أجزاء واسعة من اوروبا. بما فى ذلك بلوغ الأراضي الروسية تحت وطأة الثلوج و الجوع..

اما فيما يخص التعامل مع الأثار النفسية للحرب ثبت إن بعض الجيوش درجت على تزويد المقاتلين فى الأحراش بالمخدرات للسيطرة على شعورهم بالذنب و هو أحد العوامل التى تفسر السلوك الوحشي و المفرط لدى بعض الجنود و أستمرارهم فى أرتكاب المزيد من الأعمال المروعة من غير اى أحساس بالذنب لأن تلك المخدرات تأثر على الذاكرة و تساعدهم على النسيان و على تبرير تصرفاتهم الوحشية ضد الأعداء لدرجة التلذذ من أرتكاب تلك الأعمال غير الأنسانية، و تساعدهم ايضا على السيطرة على القلق و الخوف و التوتر الناتج من بيئة الحرب.

بعد انتهاء الحرب فى فيتنام واجهت الأسر الأمريكية صدمة بالغة عندما أكتشفت ان وكالة المخابرات الأمريكية كانت تزود أبنائهم بالمخدرات التى كانت توفر فى الحانات و المواخير فى القرى و المدن بالقرب من المعسكرات، كان (الكوكوين و الهروين) أبان الحرب فى فيتنام فى متناول الجنود الأمريكان و بأسعار زهيدة، و كان ذلك السبب وراء عودة حوالى 85 ألف جندي ما بين متعاطي و مدمن الى الولايات المتحدة الأمريكية بعد نهاية الحرب فى فيتنام.

الأستنتاج المستخلص من القصص أعلاها و هو التفسير المرجح إن تلك المخدرات التى أستجلبت الى السودان ربما مواد تموينية و عسكرية ضرورية لصمود مليشيات الحكومة و جيشها فى حملة الصيف الساخن ضد المتمردين فى كردفان و دارفور، لقد أفشلت قوات الجبهة الثورية الصيف الحكومي مرارا و تكرارا بل كبدت القوات و المليشيات الحكومية خسائر فادحة خلال الأعوام المنصرمة ، لكن فى الآونة الأخيرة تمكنت مليشيات الدعم السريع من السيطرة على ( فنقا) واحدة من أهم القواعد العسكرية التابعة للجماعات المسلحة الدرافورية بالقرب من جبل مرة . و كبدت حركة العدل و المساواة خسائر فادحة فى معركة (قوز دونقو) الأخيرة.

و هنا يجب ان نلأحظ بعناية الجرائم الأخيرة التى ارتكبت بواسطة الجنجويد من حرس الحدود و الجيش السودانى، مثل جريمة الإغتصاب التى أرتكبت فى حق نساء قرية تابت و حرق شخص على قيد الحياة فى ميدان عام بقرية (فنقا) فى جبل مرة، بل قال العديد من المراقبين ان الجرائم الجديدة التى أرتكبت بواسطة مليشيات الدعم السريع أكثر وحشية و تنظيما من الجرائم التى أرتكبت أبان بداية الحرب فى دارفور الشيء الذى يلمح على أن تلك الوحشية ربما كانت تحت تأثير المخدرات. و هى وحشية تشابه تلك التى يتمتع بها اعضاء تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) التى كشف تقرير ل(مونت كارلو)ان المخدر المسمى (كابتاغون) هو ايضا وراء شراستهم و وحشيتهم غير المعهودة و نهمهم الجنسي الغريب.

لقد برزت قضية المخدرات فى وقت كانت قد زودت الحكومة تلك المليشيات بمعدات عسكرية حديثة و تمكنت من تجنيد الالاف من المخدوعين فى صفوف الدعم السريع ، لكن الجنجويد الذين يبتغون أموالا كما يؤكد تاريخهم الطويل فى الاغارة على المدنيين و النهب و السلب يفتقرون للعقيدة القتالية التى تمكنهم من الصمود امام استبسال عدوهم، خاصة انها المرة الأولى التى يواجهون فيها جنود الجبهة الثورية و ليس مدنيين عزل كما تعودوا سابقا. فى وقت كانت تسعى الحكومة جاهدة تبديد الخوف من أمكانية نسف المتمردين للأنتخابات .

كانت المخدرات المحلية التى تعرف ب(البنقو) تستخدم على نطاق واسع فى أوساط الجنود السودانيين أبان الحرب الاهلية فى الجنوب، لكن على ما يبدو إن المرتزقة من الجنجويد المخدوعين يحتاجون الى جرعات أقوى من (البنقو)، التى ربما تضع لهم فى الأكل او ماء الشرب من غير علمهم او بعلمهم لتبدد خوفهم و تمكنهم من تحمل شراسة القتال و نسيان أمالهم و عدم التفكير فى مصائرهم، فكانت منجزات العلوم العسكرية التى تمكنت من أنتاج انواع معينة من المخدرات تستخدم خصيصا لرفع كفاءة و عزيمة الجنود ربما هى الحل الذى لجئ إليه القادة العسكريين فى السودان.

و اذا صدق هذا التحليل سوف تكون كل الإجراءات الأمنية و القضائية التى أتخذت فى مواجهة تلك القضية بما فى ذلك إدعاء إبادة تلك المخدرات مجرد تمثيلية لتضليل الراي العام و التغطية على تلك الفضيحة المدوية، و فى الجانب الأخر تكشف الثقة المفرطة التى تظهر فى تصريحات قادة الإنقاذ حول إنهاء التمرد و فرض السلام بالقوة خلال هذا العام تكشف إن تلك المخدرات ربما قد حققت فاعلية عززت من الوضع العسكري لجنود الحكومة فى ميادين القتال.

محمد حسين

8 يوليو 2015

كيف تحبطى جريمة اغتصاب محتملة

r-scare1الدافع الأساسي وراء هذا المقال، هو صدمتي من قصص محاولات اغتصاب سيدات تربطني بهن صلات مختلفة، لقد جرت احداث تلك القصص المفجعة فى مدينة الخرطوم و ليس فى اقليم دارفور حيث يتم اغتصاب العشرات يوميا، و لولا المقاومة الشرسة التى ابدينها هؤلاء النسوة لكن الان ضحيات مثلهن مثل الالاف من اللائي فضلن الصمت تجنبا للوصمة فى مجتمع يجنح فى الغالب الى تجريم النساء، لذلك يأتي هذا المقال كمساهمة اضافية لجهود الأخرين الرامية الى الحد من العنف الجنسي ضد النساء، و هو أي المقال عبارة عن بعض النصائح العملية التى قد تساعد السيدات على احباط محاولات الاغتصاب العدواني. و كلمة عدواني هذه ضرورية لان هناك اغتصاب يحدث تحت التخدير او الاعتقال ..الخ. ما يعنيني فى هذا المقال هو الاغتصاب الذى يستخدم فيه الجناة العنف البدني للسيطرة على ضحاياهم.

و قبل الخوض فى هذا الموضوع الشائك و الحساس، يجب على الضحايا اللائي لم يحالفهن الحظ على النجاة من وحشية الجناة ان لا يحملن انفسهن مسؤولية وقوع تلك الجريمة النكراء، هي جناية قذرة مهما كان بالطبع ليست نتاج خطأكن او اهمالكن، اقول هذا و في ذهني العديد من التبريرات الفجة التى تحمل ضحايا الاغتصاب مسؤولية الاعتداء عليهن، بناء على حج قبيحة مثل اللبس الذى يسمى فاضح او الخلوة التى تسمى غير شرعية، و فى جميع الاحوال على اى ضحية اغتصاب التحدث الى الأقرباء او الاصدقاء للحصول على الدعم النفسي الضروري العاجل و الإبلاغ الفوري عن الجريمة بغض النظر عن العواقب الاجتماعية، لان إفلات ذلك المجرم من العقاب يعنى ان هناك ضحية اخرى تنتظر دورها فى التعاسة، ورغم ان اغلب ضحايا الاغتصاب من الإناث حسب الواقع الوحشي الا ان الذكور ايضا عرضة للاغتصاب خاصة الاطفال و تلك قصة اخرى..

يعتقد العديد من الناس ان الذين يرتكبون جريمة الاغتصاب هم فى الغالب أشخاص غرباء. لكن العديد من الدراسات التى اجريت فى العالم الاولى اكدت ان حوالى 60- 70% من مرتكبي جريمة الإغتصاب هم من المعارف سوى كانوا زملاء او أصدقاء او أقرباء. و السبب ان أغلب الذين يرتكبون جريمة الاغتصاب دائما ما يبحثون عن ضحايا بمعايير معينة. ضحية تثق بهم و لا تتوقع منهم الإعتداء عليها او ضحية ضعيفة، و ضعيفة هذه ليس بالضرورة بالمعايير البدنية، بل يشمل الضعف ايضا تدهور الوضع الاجتماعي و القانوني و الاقتصادي.

اذن لماذا المعارف هم الأكثر نسبة بين الذين يرتكبون جريمة الاغتصاب؟. يرجع السبب الى ان المعارف على الدوام محل ثقة توفر لهم فرصة التواجد فى الامكنة و الازمنة المناسبة. و اذا اخذنا السكن المشترك كمثال نجده يوفر للجناة شرطي المباغتة و المغافلة الذين يجعلان من الضحايا فرائس ضعيفة لا تقوى على المقاومة. لذلك تجد فى السودان ان اكثر الفئات عرضة للاغتصاب فى الحضر هن العاملات المنزليات و يختلف مستوى العنف ضدهن باختلاف ال( vulnerability ) حسب خلفيتهن الاجتماعية و وضعهن القانوني فمثلا. الأجنبيات اكثر عرضة للاغتصاب من السودانيات و هكذا. فقط على سبيل المثال، لكن فى الواقع يمكن يصادف ان يكون المغتصب او المتحرش حبيب، صديق.، أستاذ، مدير او أبن خال لان المغتصب شخص عادى ليست له خصائص مميزة.

الضحايا اللائي شاركنني قصصهن كن قد تعرضن لتلك المحاولات الصادمة من معارف و ان عامل الثقة كان حاسم فى ان يكن فى تلك الأمكنة و الأزمنة.، و غالبا ما تحدث مثل هذه الاعتداءات عندما يذهب الضحايا بثقة و حسن نية مع اشخاص من معارفهن للحصول على مساعدة، مثلا استئجار مسكن او مقر عمل جديد الشيء الذى يتطلب مشاهدة ميدانية للعقار قبل التعاقد، او زيارة هؤلاء المعارف فى أماكن عملهم بغية الحصول الى خدمة ما، وهنا التجريم المجتمعي المسبق للنساء فى السودان يوفر للجاني امتياز امكانية الافلات من العقاب لأن فى الغالب ان تصمت المغتصبة لأجل تجنب الإجابة على الأسئلة التجريمية، من شاكلة لماذا ذهبت الى ذلك المكان وحدك؟ و لماذا فى هذا التوقيت بالذات؟ و لماذا بهذا اللبس؟ ….الخ .

و اخطر تلك الأمكنة المكاتب الخاصة المحصنة بأبواب و جدران قد لا تتمكن معها الضحية المحتملة من الهرب، لذلك على السيدات فى مثل هذه الحالات مراقبة لغة جسد المجرم المحتمل،. قيل انهم دائما ما ينظرون الى المفاتن بشكل مفضوح، و يسيطر عليهم فى تلك اللحظات بعض التوتر و فقدان التركيز، كان يقول كلام غير مفهوم او كلام لا ينسجم و طبيعة العلاقة، و بعض منهم يدعى عطف و حنان مصطنعين خاصة اذا لديهم سابقة معرفة بان لتلك السيدة علاقات جنسية خارج النظام المتعارف عليه فى مجتمعاتنا، او على علم بمعاناتها النفسية الناجمة عن انهيار علاقة عاطفية او اى نوع من الازمات التى تحتاج الى نوع من السلوى و المواساة التى ربما تمنح ذلك العطف المصطنع تقدير من قبل الضحية المحتملة، او يحاولون ممارسة اساليب اخرى تساعد فى صناعة جو من السلام و الطمأنينة لكسب ثقة الضحية المحتملة و تبديد مخاوفها..

و هنا يجب عليك ايتها السيدة عندما تجدين نفسك فى وضع اجتماعي مماثل ان تكوني يقظة و فطنة بالإجابة دائما على سؤالين هما. هل يمكن ان يشكل هذا الشخص تهديد؟ و هل يمكن ان يكون هذا الموقع مسرح لجريمة اغتصاب محتملة؟، للإجابة على السؤال الأول يحب ان تستمرى فى النظر مباشرة فى عيون المجرم المحتمل لأن ذلك كما قال بعض الخبراء النفسيين يزيد من خوفهم و توترهم. فضلا ان النظر فى عيونهم مع التحكم فى لغة جسدك يمكنك من فضح اى محاولة منهم للتفرس فى مفاتنك او اتخاذ اى وضع هجومي و ان ذلك يجعلهم يغرقون فى التردد حول ما اذا يقدمون على ذلك اما لا.، و اذا شعرتي بعدم الأمان عليك ان تجرى مسح بصرى سريع للمكان و تحددي المنفذ الأنسب للهرب أذا ما حاول الانقضاض عليك و فى جميع الاحوال حاولى ان تكملي مهمتك و مغادرة ذلك المكان على عجل..

فى أحيانا كثيرة يساء فهم النساء.، حيث يعتبر بعض الرجال الغنج الأنثوي نوع من الاشتهاء الجنسي المشتعل الذى يبحث عن من يطفئه، و يعتبر البعض الدلال الناعم نوع من الإغراء اما المهووسين بالدين يعتبرون الملابس الفاتنة ابتذال و دعارة على قارعة الطريق. و هنا لا ارغب فى قمعكن سيداتي بحجة الحماية من الاذى كما يفعل ادعياء الحجاب بقولهم المشهور ( لا يحط الذباب إلا على الطعام المكشوف).. لا تنصتي لتلك الترهات و تغييري طريقة لبسك او نمط مظهرك بحجة تفادى الاغتصاب و مع ذلك كونى حريصة. لقد وجد فى الولايات المتحدة ان مظهر النساء عامل حاسم فى انتقائهن كضحايا محتملات.، مثلا وجد إن نسبة كبيرة من الضحايا هناك هن من ذوات الشعر الطويل المسدل على الاكتاف و السبب ان شعرهن يساعد الجناة فى السيطرة عليهن اثناء الاعتداء. و اللائي يرتدين الفساتين القصيرة أكثرهن استهدافا مقارنة باللائي يرتدين السراويل (البنطلون) إذن من الواضح فى المثالين السابقين إن تلك الاعتداءات ليست ذات علاقة بالفتنة (attraction ) كما يظن البعض بل لأسباب ترجع الى تقديرات الجناة الذين يعتبرون انواع معينة من الملابس و الاشكال تسهل عليهم اغتصاب الضحايا بمخاطر و جهد و زمن أقل.

يفهم العديد من الرجال تجاهل محاولاتهم لإغرائك او لفت انتباهك نوع من القبول الضمني لذلك يجب عليك صد اى اغراء غير مرغوب فيه مبكرا و بشكل حاسم لأن العديد من الجناة كانوا لا ينوون ارتكاب جريمة الاغتصاب فى البداية لكن رفض عروضهم فى وقت متأخر يجعلهم يبدوا كمتحرشين جنسيا و ان ذلك يصيبهم بالإحراج الشديد الذى ربما يدفعهم للانتقام منكى. كذلك هناك قطاع واسع من الرجال فى الخرطوم يفهمون ان البنت المنفردة التى تطلب من قائدي السيارات توصيلها فى طريقهم هي عاملة جنس، فالعديد من السيدات يتعرضن للتحرش الجنسي بسبب ذلك التعميم غير الكريم فى حق النساء. إياكن و إياكن و العلاقات العابرة مع الغرباء، هل سمعتن بالفتة، الفتة هى اغتصاب سيدة بواسطة مجموعة من الرجال، بعد استدراج السيدة و موافقتها على ممارسة الحب الرضائي مع احدهم تتفاجأ ان هناك اخرين يرغبون فيها، يستغل هؤلاء الجناة مفاهيم العار و الوصمة و الشرف السائدة فى المجتمع للإفلات من العقاب من خلال معرفتهم بتفضيل  الضحايا للصمت خاصة ان هذا المجتمع و انطلاق من تلك المفاهيم يجرم النساء تلقائيا حيث لا مجال لهن للحصول على الإنصاف.

اما اذا فشلت جميع التدابير و قدر لك ان تتعرضي لمحاولة اغتصاب و ليس هناك اى سبيل للهروب، دافعي اولا عن نفسك سلميا، ليكون العنف خيارك الأخير، أولا جربى الكذب كوسيلة ثبت نجاعتها بتخليص بعض النساء من مغبة الاغتصاب. مثلا كأن تبدى عدم ممانعة لكنك لست مستعدة لممارسة الحب الان بسبب الطمث او إنك على استعداد لممارسة الحب لكن فى ظروف أفضل من الوضع الحالي او اى شيء يبدو مقنعا. فى حال فشلت الوسائل السلمية هنا يمكنك المقاومة كالكلب المسعور أستخدمى كل قواكى.، أصرخى بصوت عالي، أضربى و أركلى بالتركيز على استهداف المواضع الحساسة فى الجسد مثل العيون و الوجه، جانب الكليتين، تنفيذ حركة كسر الأصابع او حركة الإخصاء و غيرها من الحركات القتالية البسيطة التى قد تنجيك من الذئاب.

لقد طورت العديد من البلدان و الهيئات و الاشخاص المهتمين بالحد من جرائم الاغتصاب طائفة من الأساليب الدفاعية النفسية و البدنية التى قد تمكن الضحايا المحتملين من إحباط اى محاولة اغتصاب. و من بين تلك الوسائل أدوات دفاع أمنة و سهلة الإستخدام و فعالة، مثل بخاخ الرذاذ الذى يفقد القدرة على البصر مؤقتا.، او الصاعق الكهربائي الذى يشل الحركة مؤقتا او تطوير مهارات النساء الدفاعية . لكن للأسف جميعها غير متاحة فى السودان فى الوقت الحالي، لذلك يمكن للنساء السودانيات ان يستخدمن ما يجدنه مناسب من أدوات بشرط ان تكون سهلة الحمل و الإستخدام و غير مسببة للأذى الجسيم و المفرط.، و الأهم من ذلك إجادة و إتقان استخدام ذلك السلاح، لان فشلك فى استخدامه ربما يتمكن الجاني من السيطرة عليه ومن ثم استخدامه ضدك.، فالمشكلة ليست فى اقتناء أداة دفاعية و انما فى استخدامها بفعالية.

من المؤسف يلاحظ فراغ رسمي و مدنى كبيرين فى السودان فيما يخص جهود الحد من العنف الموجة ضد النساء لعوامل عديدة لا ارغب فى اثارتها هنا، لكن الواقع يفرض على المجتمع المدنى ضرورة تطوير برامج فعالة و واسعة الانتشار تساهم فى الحد من العنف القائم على ساس النوع خاصة الاعتداءات الجنسية.، برامج مثل إكساب النساء المهارات الدفاعية الضرورية.، الدعم النفسي و الاجتماعي و الاستشارات القانونية خاصة ان العديد من النساء ضحايا الاغتصاب يفضلن الصمت تجنبا للعار و ان اغلبهن غير مدركات بحقهن فى اجهاض الجنين ثمار الاغتصاب حسب القانون.

اليسار السوداني ورقيص العروس.

 B8nYPIrCAAAZrGrعماد الدين عيدروس.

تشخيص

السلفية هى ماضٍ مجيد متخيل كان فيه لكل مشكلة سياسية/ثقافية/إجتماعية/إقتصادية حل بالغ السهولة والفائدة والجذرية. القيم والاخلاق تتشكل من رحم الصراع في المجتمع ولكن حين تقوم (السلطات) بتثبيت وتابيد القيم والأخلاق السلفية كقيم وأخلاق نهائية (بالقانون مثلاً) فغرضها (ليس تمجيد هذه القيم والأخلاق) ، ولكن سجن المجتمعات وتقييدها من التحرك والصراع للأمام.المجتمعات في أزمان نكوصها وعجزها أمام التحديات تستجيب للقمع الناعم (عن طريق التربية والمدرسة والمجتمع والقانون) للسلطات، وبل ربما تصير أكثر سلفية بما يهدد السلطات نفسها. الحالة السلفية لطريقة التفكير السائد في السودان لا تنسحب فقط على الثقافة العربية الإسلامية، بل تنسحب على كل الثقافات السودانية بما فيها الثقافة العربية الإسلامية كثقافة مهيمنة

طريقة التفكير السائدة عند جماعات الثقافة العربية الإسلامية المهيمنة في السودان تُغيب الإرث والتاريخ السوداني الضارب جذوره في ألأعماق السحيقة للتاريخ، وتستبدله بأرث وتاريخ العروبة والإسلام (العربي وليس السوداني)، وليتها وقفت عند ذلك فقط، ولكنها ومع الحراك الشديد لباقي الجماعات وصراعهم لإيجاد مؤطئ قدم في الساحة السياسية الثقافية والإجتماعية الإقتصادية،ولشعورها بالتهديد من هذا الحراك تستلف طريقة التفكير السائدة والوجه الأكثر سلفية للتراث والثقافة العربية الإسلامية، لا تعيد قراءته من صراعها وتاريخها في السودان وإنما تستلفه من إرث وتاريخ هذه الثقافة في الجزيرة العربية ومصر وباقي الدول العربية.

رد الفعل على هذه (السلفنة) من قبل طريقة التفكير السائدة والثقافة العربية الإسلامة المهيمنة يختلف حسب الموقع السياسي الثقافي الإجتماعي الإقتصادي. غالباً الجماعات ذات اللغات المختلفة والثقافات ذات الجذور الأفريقية في السودان، غالباً ما يكون ردهم على هذا الهجوم السلفي بإيجاد محطة تاريخية تستند عليها سلفيتهم هم، كأن يرجعوا برؤاهم لإستلهام التاريخ من مملكة الفور، الفونج وكوش مثلاً. هذا الهجوم المضاد مع إنه ينجح (ظاهرياً) في التصدي لهجمة الثقافة المهيمنة والسلطات التي تدعمها وتروج لها، إلا أنه يفشل في النهاية في النجاة من فخ التفكير السلفي السائد والذي يهدف إلى سلفنة كل المجتمعات والثقافات.

 ومن ثم نأتي لجماعات اليسار والتي بداياتها في السودان (في إعتقادي) كانت تصدياً للإستعمار بإستلهام الثقافة المناهضة له من الثقافة الأوروبية نفسها. جماعات اليسار السوداني وفي خضم عجزها المتكرر عن الإنتقال بالمجتمع إلى قيم الحداثة والتنوير من حقوق وحريات وفردانية وديمقراطية وعلمانية، وفي ظل الهجمة الشرسة للسلفية العربية الإسلامية، في خضم كل هذا تعتقد جماعات اليسار أن التخلص من الإرث والتاريخ السوداني بمافيه (الثقافة العربية الإسلامية السودانية) بدمغه بأختام التخلف والرجعية و(التسليع) و(إمتهان كرامة الإنسان) والعنصرية والدموية سينتهي بأن تتقبل المجتمعات السودانية أطروحاتهم  من غير بذل جهد حقيقي يضع هذا الإرث والحقائق التاريخية في موضعها من حلقات تطور المجتمع السوداني بكل ملابساته وسياقاته. رد اليسار السوداني يقتصر على العناوين ولم يبذل فيه جهد لقراءة الواقع والتاريخ السوداني بالأدوات الحديثة ودمج هذه القراءة في مفاهيم وحركة مجتمعاتنا السودانية، وحتى العناوين ذاتها تجدها مستلفة من الثقافة الأوروبية التي تشكلت في ظل الرأسمال بينما نحن في السودان مازلنا نرزح تحت وعي شبه الإقطاع ولم يتم بذل أي جهد لقراءة معاني هذه الأختام والعناوين في الواقع السوداني المختلف. ويا للعجب ننتهي بأن اليسار ياخذ نفس موقف اليمين السلفي كلاهما في حالة إنكار وقطيعة مع الترث والتاريخ السوداني وإنما تحت مسميات مختلفة، وأحدهما سلفية بمرجعية الإرث والثقافة العربية الإسلامية والثاني سلفية بمرجعية الإرث والثقافةالأوروبية.

إنه مُكر وشرك الأيدولوجيا (طريقة التفكير السائدة التى تنتجها وترعى تطورها السلطات المتحكمة بالمجتمعات) ، لا نستطيع يسار ووسط ويمين الخروج من هذا المأزق إلا بنقد طريقة التفكيرالسلفي السائد أولاً، ومن ثم النزول بالأفكار إلى بحر الواقع المائج الهائج وإمتحانها بالحوار الحقيقي مع مجتمعاتنا في حراكها الحاضر ومع إرثنا وتاريخنا. إن الأفكار التي تقف عند العتبة لا تصير جزءاً من البناء، بناء المجتمعات السودانية.

المشهد

 نتناول هنا رقصة العروسة في وسط السودان ، وهي طقس مكون من عدد من الرقصات تؤديها العروسة في ليلة زفافها بمشاركة العريس ، كانت هذه الرقصة تؤدي أمام المتفرجين من المدعوين لحفل الزفاف من الجنسين لكنها الآن أصبحت غالباً ما تقتصر علي النساء فلا يشارك فيها أو يشاهدها من الرجال غير العريس يسبق الموعد المحدد لهذه الممارسة تجهيزات تمتد لأسابيع وربما شهور ، بعض هذه التجهيزات تنتظم (بيت العرس) حيث تجري ترميمات لمنزل أهل العروسة وتجهيز الساحة التي يقام عليها العرض سواء كانت داخل المنزل أو خارجه ، تضاء هذه الساحة بالمصابيح الملونة وتزين بما يتيسر من الزينات الحديثة أو التقليدية كأفرع شجر النخيل، في هذه المناسبة يلبس المدعوون أفخر ما لديهم من ملابس وتستعمل النساء أوات التجميل والزينة ، أما العريس والعروسة فتكون العناية بتزيينهما كبيرة، فالعريس يخضب بالحناء والعروسة تخضع لفترة طويلة قبل موعد الزفاف لكبار النسوة لتجليتها واختيار الأزياء الخاصة بهذه الممارسة . كما تخضع لفترة تدريبية علي الرقصات والتي سوف تؤديها في تلك الليلة بقيادة إحدى النسوة الخبيرات في هذه الرقصات والتي غالباً ما تكون المغنية الرئيسية وربما الوحيدة وهي التي يوكل لها عزف الآلة الإيقاعية المصاحبة للرقص يلاحظ أن رقصات تلك الممارسة يغلب عليها الطابع التعبيري ويبدو فيها الصراع واضحاً بين العريس والعروسة، فالعريس يحاول أن يجعلها تنقاد له بينما هي تحاول الإجفال وهي كثيراً ما تتبع توجيهات المغنية التي كانت قد لقنتها لها أثناء الفترة التدريبية ، أو التي توجهها لها أثناء العرض نفسه

المصدر

 سلفية الثقافة العربية الإسلامية تحاول أن تلغي التراث والطقوس السودانية من العقل السوداني وبالذات (رقيص العروس) بحجة مخالفتها للشرع (حيث أن العروس ترقص شبه عارية)، ويتابعها سلفيو اليسار السوداني بحجج مختلفة منها:

إن رقص العروس للعريس هو في حقيقته تسليع*1 لجسد المرأة، حيث أن الرجل يدفع المهر لشراء المرأة وهذا يماثل شراء العبدات للمتعة في الزمان الغابر ومن ثم تقوم المرأة (العروس) بعرض الجسد = البضاعة للعريس في شكل الرقصة المؤداة.

 الرد على هذه الحجة يأتي من عدة وجوه: أولها إنه لازال السودان يشتمل على شعوب في غير الشمال والوسط وفيها (رقصات خاصة بالزواج، وفيها تقريباً نفس العري)، وتمتد جذور هذه الممارسات إلى الماضي السحيق وترتبط بطقوس الرقص للآلهة طلباً للخصب بكل ما فيها من الحب والإحتفاء بالجسد. في النسخة الحديثة لشمال ووسط السودان يتضائل دور الرجل في رقصة الخصب (يتابع ويمسك بالعروس حينما تقع أثناء الرقصة وإلا تم تسجيل هدف عليه)، هذا الدور المتضائل في رأيي هو نتيجة وليس متضمناً في بدايات ظهور الرقصة، ففي ظل سلفية الثقافة العربية الإسلامية ينظر لمن يرقص في مجتمع الشمال والوسط بأنه أقل من الرجال وربما نعتوه بالمثلية (جرب أن تكون مثلي في هذا المجتمع القاسي البارد) فللرجال نسختهم المختلفة عن النساء من الرقص في شمال ووسط السودان.إذاً ففي رأي (رقيص العروس) هى بذاتها رقصة الخصب وقد تضائل دور الرجل فيها نتيجة لسيادة طريقة التفكير السلفى.

أما التسليع فالرد عليه أن الوصف ينطبق علي طريقة الزواج وليس على الرقصة، ألا ترون إنه إذا كان هناك زوج  متحاب ومتفاهم وإتفقوا على الزواج بدون شبهة الشراء والبيع وإتفقا على إقتسام الحياة بمحبة وعدالة وتساوي تنتفي هذه الحجة، إذن لا ضير في أن ترقص مثل هذه العروس، أوليس كذلك؟.

أن العروس ترقص لأهل العريس وللعريس حتى يتأكدون أنها كاملة مكملة الجسد وللعريس حتى يكون مستفزاً جنسياً وحاضراً في ليلة الدخلة تحت إغواء الجسد. إن العروس لا ترقص لمتعتها ولا إحتفاءاً بجسدها ولكن ضغوط المجتمع عليها هى التي كانت تضطرها للرقص، بكل ما يعني هذا من إمتهان لكرامتها كإنسان.

إذاً فالإعتراض هنا على شئ آخر لا يخص (رقيص العروس). فماذا يمنع أن تقوم عروس بمحض إختيارها وليس إستجابة لضغوط إجتماعية (أو بتلاشي هذه الضغوط بفعل تطور المجتمعات)، ما الذي يمنع هذه العروس من الرقص إحتفالاً بجسدها وبالحياة وبالفرح وبمن تحب، وربما يتطور دور العريس إلى المشاركة الكاملة في الرقص بدلاً من دوره الضئيل الآن.

إن طقس رقيص العروس يفضح طريقة التفكير السائد ثلاث مرات بما يتعرض له من محرمات الرقص والعري والجسد، وفي رأيي يجب تخليصه من شراك طريقة التفكير السائده وإرجاعه طقساً سودانياً خالصاً للإحتفاء بالجسد والحب والحياة من قبل العروس والعريس.

 أنا هنا (ولا يجب أن يفهم البتة غير ذلك) لا أطالب بإعادة الحياة لكل طقوسنا وموروثنا السوداني للحياة كما كانت تمارس في الماضي، ولكني ألح على إعمال العقل النقدي في طريقة تفكيرنا، في أفكارنا، وفي أحكامنا على الطقوس والموروث والتاريخ والحاضر. فالسلفية تتسلل إلى تفكيرنا من ثقوب البداهة والتعود والإستسهال. وإحتفائي بطقس (رقيص العروس) مع حبي وإستمتاعي به، هو بالنسبة لي هنا : نافذة لفضح  طريقة التفكير السائدة ولفتح إنغلاق وإنسداد القيم والأخلاق والأفكار الضيقة في كل مجتمع من مجتمعاتنا السودانية المتعددة حتى نتفهم قيم وأخلاق وأفكار الآخر السوداني، وربما نتبناها، من يدري؟!!!!.

 1* تسليع من سلعة يعني: (التسليع ويعني تحويل البضائع والخدمات وأيضاً الأفكار أو أي شئ آخر هو في المعتاد ليس ببضاعة.إلى سلعة)

عماد الدين عيدروس.