لعنة النفط و الدور المخزي للصين فى السودان

محمد حسين

ان العلاقات الاقتصادية، العسكرية و السياسية المتينة التى تربط الحكومة السودانية بنظيرتها الصينية، اخذت فى التنامي بعد ان نجحت الصين فى استغلال الفراغ الذى حدث بسبب نفور الغرب من نظام الجبهة الاسلامية فكانت الفرصة سانحة ليقتنص التنين فى منتصف التسعينيات من القرن الماضي حقوق الاستثمار شبه الحصري فى مجال النفط السودانى بطريقة مفاجئة و غامضة وحقق بذلك فرص عززت النمو الاقتصادي و النفوذ السياسي للصين على المستوى الدولى.

 فى الذكرة العاشرة لانقلاب الانقاذ تم رسميا افتتاح مصفاة الخرطوم و بداية ضخ النفط السودانى عبر ميناء بشائر، فانتعشت الخزانة العامة، و بسبب صناعة النفط وصل التبادل التجاري بين السودان و الصين الى 3,91 مليار دولار فى العام 2005 بروف لى انشان  CSRPPو الخارجية الصينية “. كذلك حصلت الصين على نصيب مقدر من فرص الاستثمار فى مجال الانشاءات و الطرق و الجسور و السدود و فى مجال الزراعة و الري و الخدمات الاخرى و تقدر فوائدها ببلايين الدولارات . “فما بين العامين 1999-2007 زادت قروض و عقود التمويل الصينية من 0,9%  الى 13,45%, و ما بين عام 2005 -2007  ظفرت الصين بما يعادل 58% من القروض و عقود التمويل السودانية. ” اسماء ساتى AECAFD in Sudan .

 قبل ان يكون النفط مورد أساسي للحكومة كان الجيش السودانى يشكو من شح السلاح و العتاد لمواجهة الجيش الشعبي لتحرير السودان الجماعة الرئيسية التى كانت تقود حرب طويلة فى جنوب السودان ضد السلطة المركزية فى الخرطوم، وظفت الحكومة السودانية خلال الخمسة عشرة عام الماضية عائدات النفط و بعض القروض المليارية فى تعزيز بند الامن الذى يبتلع اكثر من 70% من الموازنة السنوية – لإعادة بناء و تطوير و تسليح الجيش السودانى. لقد استخدمت الاموال التى حصلت عليها حكومة الانقاذ السودانية من الاستثمارات او التسهيلات المالية الصينية بفعالية فى الحروب الاهلية التى لازالت تزهق ارواح المالكين الحقيقين لهذه الموارد، وبذلك يعتبر من الناحية الاخلاقية ان الصين شريك أساسي و مباشر فى الجرائم و الفظائع المنظمة و الدمار الواسع الذى الحقته الحكومة السودانية بالشعب و الوطن- شريك ليس اقل مسئولية من الحكومة السودانية، و حتى لا يكون هذا الاتهام جزافي ادعمه بالشواهد التالية .

  تشير سجلات الامم المتحدة ان الصين وحدها توفر 90% من احتياجات الحكومة السودانية من امدادات الاسلحة الخفيفة (USA Today 3/13/2008 )، و ان الاسلحة الخفيفة حسب تعريفها الرسمي تشمل (الرشاشات الثقيلة والمدافع المحمولة المضادة للدبابات، الأنظمة المضادة للطائرات، ومدافع الهاون من عيار أقل من 100مم). فى العام 1998 جلب السودان مروحيات عسكرية من طرار شنغهاي زت- 6 و عدد 6 مقاتلات من طراز جى ام – اف تقدر الواحدة ب 66 مليون دولار. كذلك ساعدت الصين الخرطوم على اقتناع السلاح من مصادر متعددة بواسطة عائدات النفط.  و لا يستبعد ان تكون تلك الاسلحة حصلت عليها الحكومة السودانية بناء لقروض مؤجلة بفوائد كبيرة اضيفت الى القروض السودانية التى بلغ اجماليها 43 مليار دولار حسب بعض التصريحات الرسمية. و بذلك سوف يكون على عاتق الناجين من الشعوب السودانية مسئولية تسديد قروض ربحية على المدى البعيد و هى فى الاصل فاتورة  الرصاص الذى ازهق ارواح ذويهم.

 لقد اظهر الوزراء السودانيين الذين تعاقبوا على وزارة الدفاع حرص شديد على زيارة الصين و لقد نجحوا فى خلق علاقات تعاون عسكري تمثلت فى المساعدات الفنية و التقنية التى قدمتها الصين لتطوير الصناعات العسكرية المحلية، تمخض عنها منشآت و مصانع مثل مجمع جياد لتركيب و صيانة الاليات العسكرية الثقيلة مثل الدبابات و حاملات الصواريخ، لقد انتج هذا المصنع كما شاهدنا فى احتفالات الانقاذ انواع مختلفة من الدبابات من طراز – تى- 55 و التى اطلقوا عليها البشير1، الزبير1 ، دقنة، ابو فاطمة، كذلك ساعد فى تشيد و تشغيل مصنع اليرموك الذى ينتج احتياجات الخرطوم من الذخائر، المتفجرات، القذائف، انظمة مضادات الطائرات و الدبابات و انواع مختلفة من الاسلحة الأوتوماتيكية، و الملاحظ ان هذا التعاون العسكري الكبير لم يعير اى اهتمام  و اعتبار لقرار مجلس الامن رقم 1559 لسنة 2004 الذى يحظر بيع و تزويد اقليم دارفور بالأسلحة . 

 فى الشهور الخمسة الاولى من سنة 2006 حصلت الحكومة السودانية على مبلغ 473 مليون دولار من عائدات النفط (وزير المالية )، و بالمقابل زاد معدل العنف المنظم فى دارفور بطريقة مخيفة فى نفس العام رغم مفاوضات السلام التى كانت تجرى فى ابوجا وقتها، و يدعم علاقة السببية هذه التقرير الأمريكي السنوي لحقوق الانسان، لقد اورد ان أحداث العنف في دارفور هي (أسوأ انتهاكات لحقوق الانسان في العام 2006)، ان هذا التقرير يظهر  الانعكاس السلبى للاستثمارات الصينية على الاوضاع الامنية فى السودان، و ان جرائم الانقاذ تزيد بزيادة دخلها القومي الذى يشكل البترول عموده الفقري قبل ان تفقده لصالح دولة جنوب السودان. 

 و من جهة اخرى ان استمرار الحكومة السودانية فى اشعال مزيد من الحروب و رفضها لأى حلول مرضية، يزيد من طلباتها لمنتجات الصين من السلاح لتقتل شعبها وبموارده الوطنية لتربح الصين بشكل مزدوج من الاستثمار فى السلاح والنفط من جهة و القروض و عقود التمويل من جهة اخرى و فى نفس الوقت يخسر الشعب السودانى مرتين مرة يفقد بعض ابناءه و المرة الثانية يفقد فيها موارده، و بهذه الوتيرة ستكون المحصلة الاخيرة لتمادي الإنقاذى فى الاقتراض بغرض القتل ان تتثاقل الديون و يصير السودان دولة و شعب رهينة غير مأمول تحريرهما عن قريب فى ظل الشروط التى تفرضها اجراءات الاعفاء سواء كان من البنك الدولى او نادى باريس .

 ان التعاون الاقتصادي و العسكري الكبيرين بين الخرطوم و بكين اكسب الاخيرة نفوذ عظيم و لكن للأسف ان جشع بكين منعها من توظيف هذا النفوذ لتجعل من صديقتها الخرطوم اكثر مرونة فى التعاطي مع المجتمع الدولى و لم تمارس عليها اى نوع من الضغط او التشجيع كي تتعامل مع قضايا الوطن بحكمة وعقلانية و تجد مخرجا للحروب الاهلية الطاحنة، و تعلل الصين هذا الجشع بمبدأ عدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول (Non-interference)  و تتدعى ان سياستها الخارجية  قائمة على التعامل مع السودان و غيره من الدول على اساس الندية و المساواة و المنفعة المتبادلة، و تظل تردد الصين هذا الموال كلما واجهت انتقادات بسبب دورها السلبى و سياسة غض الطرف عن ما يدور فى السودان من انتهاكات و جرائم بواسطة السلطة، بل دعمته سياسيا فى كثير من المواقف و المحافل الدولية، لقد وثقت سجلات مجلس الامن ان الصين  امتنعت عن التصويت عن أكثر  من ثمانية مرات على قرارات المجلس ذات الصلة بالأوضاع فى السودان و دارفور و فى حالات كثيرة عملت على تخفيف لغة القرارات التى صوتت لإجازتها كما عارضت بشدة مشروع فرض عقوبات او مقاطعة على الخرطوم.

 لكن بمرور الوقت تم اختبار هذا المبدأ الصيني ليسقط سقوطا شنيعا, تمثل الامتحان فى الحملة الكبيرة التى اطلقها ناشطون و منظمات حقوقية عالمية ضد مهرجان الالعاب الاولمبية الذى كان مخطط له ان ينظم فى بكين سنة 2008، و نجاح الاعلام العالمى فى ابراز الوجه البائس للصين فى مجال حقوق الانسان خاصة فى اقليم التبت، حينها شعر التنين بخطر هذه الحملة التى قد تبدد احلام استضافته للألعاب الاولمبية خاصة بعد ان ربطها البعض بما يحدث فى دارفور، مثل موقف المخرج العالمي الأمريكي الشهير (ستيفين سبيلبرغ)، الذى اعلن انسحابه من العمل كمستشار فني للدورة كاحتجاج على موقف الصين من الأحداث في إقليم دارفور (سى ان ان العربية) بالإضافة الى دعوة البرلمان الأوربي الدول الاعضاء مقاطعة المهرجان.

  لقد دقت هذه المواقف و التحركات ناقوس الخطر فى اذن التنين فعمل بجهد لإفشال هذا المخطط و انقاذ حلمه من الاجهاض و كان اول ما تخلى عنه التنين مبداه الذهبي (عدم التدخل)، ليبدا السقوط التدريجي، بدأت بتبني مواقف برغماتية و اكثر مرونة بشان مواقف العالم من السودان و دارفور، و اخذت تتخلى عن سلبيتها المعهودة حتى تخلق توازن بين مصالحها الاقتصادية فى السودان و علاقتها بالمجتمع الدولى الذى لم يخفى امتعاضه من مواقف الصين .

 منذ استيلاء البشير للسطلة فى السودان سنة 1989 و حتى عام 2007 قام البشير بثلاثة زيارات لجمهورية الصين و بالمقابل لم يرد اى مسئول صيني رفيع هذا الود، الا ان حملة مقاطعة اولمبياد بكين كان لها الفضل فى ان يزور الرئيس “حيو جينتاو” الخرطوم فى 2 فبراير 2007 ضمن جولة افريقية لزيارة ثمانية دول، و يعتقد العديد من المراقبين ان الزيارة التاريخية ل”جينتاو” كانت ذات صلة بالضغوط الدولية على الصين لتمارس شيء من الضغط على الخرطوم بشان الحرب فى دارفور و  فى نفس الوقت فرصة للصين لترعى مصالحها من خلال شخصية رفيعة.

 بعد عودة الرئيس “جينتاو” الى الصين بثلاثة اشهر قرر تعين مبعوث خاص لدارفور , و كان هذا بداية التدخل الرسمي المعلن للحكومة الصينية فى الشأن السودانى الداخلي، لان من ضمن مهام المبعوث فى مثل هذه الظروف هى نقل وجهة نظر حكومته بشان القضايا ذات الاهتمام المشترك، العمل على تقريب وجهات النظر بين اطراف الازمة السودانية، تقديم مبادرات، اغراءات، وعود، تذكير بعواقب التمادي فى تجاهل اهتمامات المجتمع الدولى (مجلس الامن ) الذى كان يعكف على استصدار قرار يقضى بإرسال قوات اممية الى دارفور و الذى واجهته الحكومة السودانية برفض و استنكار شديدين تمثل فى “قسم الطلاق الرئاسي المشهور” اذن ان مبدأ عدم التدخل الصيني يكون مزدوج المعيار عندما يتعلق الامر بمصالح الصين، فتخلت عنه من غير استحياء لتتفادى مزيد من الاهتزاز لصورتها امام الضمير الإنساني العالمي.

لقد اكمل المبعوث الصيني ما بداه رئيسه “جينتاو”  مع الخرطوم و فى 5 يوليو 2007 صرح هذا المبعوث بقبول الحكومة السودانية قرار مجلس الامن رقم (1769) القاضي بنشر قوات هجين فى دارفور وفقا لخطة كوفي عنان الثالثة، و اضاف المبعوث كان هذا بفضل جهودنا، و بذلك قدم ضربة قاضية لمبدا عدم التدخل، وادخل الاكاديميين و الدبلوماسيين الصينين فى حرج تبرير هذا التدخل لينكبوا فى مقارنات بين مميزات التدخل الصيني و التدخل الأمريكي الذى وصفوه بالخشن ليمنحوا تدخل حكومتهم صفة “النعومة” او الميوعة ان صحت التسمية، و بهذه الخطوة ذرت رماد كثيف على عيون الداعمين لمقاطعة اولمبياد بكين.

 حتى عام 2007 بلغت المساعدات الانسانية الرسمية التى قدمتها الحكومة الصينية لنظيرتها السودانية ( 80 مليون يوان اى ما يعادل 11 مليون دولار ) “وكالة (Xinhua) 25 فبراير 2008 ”  كانت الصين على علم بفساد نظام الانقاذ و ان هذه المعونات سوف لن تصل المحتاجين لكن رغم ذلك اصرت على تقديم هذه المعونات عبر الحكومة السودانية، حتى بدأ العديدون يعتقدون انها معونات عسكرية تم تقديمها تحت الغطاء الإنساني.

 كل الدول المحترمة و المدركة بطبيعة الانظمة الشمولية من امثال النظام السودانى- تعمل على تعزيز الاوضاع الانسانية فى مثل هذه البلدان التي اكتوت بفتيل الحروب الداخلية من خلال اذرعها الانسانية الرسمية التى تسمى بوكالات التعاون الدولى مثل  SIDA , JICA ,KOIKA ,CIDA, USA-AID  …الخ، اما الدول التى لا تمتلك وكالات او منظمات فى السودان تفضل تقديم مساعداتها عبر وكالات الامم المتحدة المعنية او المنظمات غير الحكومية المستقلة و المحايدة، اما الصين و كثير من الدول العربية و جامعتها يصرون على ان يمنحوا الحكومة السودانية فرصة الإجهاز على ضحاياها او مواصلة اذلالهم من خلال جعلها وسيط لتوصيل المساعدات اياها او على الاقل ليظهر النظام فى ثياب الرحماء، و رغم كثافة تواجد المنظمات بالسودان كدليل على سقمه الا ان المنظمات الصينية مازالت غائبة عن المشهد السودانى تماما.

  و بالعودة على موضوعنا الأساسي نجد ان الصين عملت على تقريب وجهات نظر  الشقيقتين المتشاكستين بشان قضية وقف ضخ النفط من الحقول فى جنوب السودان لأنها ذلك مس مصالحها الاقتصادية، لكن و فى نفس الوقت غضت الطرف عن ما يحدث فى ولاية جنوب كردفان النفطية من جرائم بواسطة النظام لان مصالحها لم تمس بسوء، و للفت انتباه الصين لحجم الكارثة الانسانية فى جبال النوبة المتمثلة فى رفض الخرطوم وصول الاغاثة و المساعدات الانسانية للمحتاجين .

 قام فى 28 يناير 2012 جنود من الحركة الشعبية قطاع الشمال ساخطين على دور الصين  السلبى باختطاف 29 من العمال الصينين بجنوب كردفان، من ثم افرجوا عنهم بعد 11يوم بتدخل من قياداتهم العليا لتنقلهم اللجنة الدولية لصليب الاحمر الى نيروبي، و بعد انفراج ازمة الاختطاف التقت وفود من قيادات الحركة الشعبية قطاع الشمال بعدد من السفراء و المسؤولين الدوليين باديس ابابا لإيجاد حلول لازمة منع الحكومة السودانية مرور المساعدات الانسانية للمحتاجين من المدنيين المتأثرين بالحرب فى جنوب كردفان و النيل الازرق، و كان من بين الجهود حث الصين لتستغل نفوذها لصالح هذه القضية الانسانية الشائكة الا ان الصين لم تحرك ساكنا حتى الان و اظنها اعادت تفعيل العمل بمبدأ عدم التدخل.

 لقد كان الخير الوحيد المأمول من نيل شعب جنوب السودان لاستقلاله و نفطه هو ان ينبه هذا الانفصال بأثاره السياسية و المالية حكومة الانقاذ لتعود الى رشدها و تجد حلول للأوضاع الامنية و السياسية فى السودان و تحافظ على ما تبقى من الوطن الا ان العالم تفاجأ بإشعالها لحرب جديدة فى جنوب كردفان و النيل الازرق، و لتواجه الانقاذ بؤسها المالي، مجبرة قللت فاتورتها الحربية فأنتجت من التجويع سلاح فتاك لا يكلفها دولارا، اما فى دارفور كانت استراتيجيتها لمواصلة القتل فى ظل نضوب خزائنها ان تصب مزيد من الزيت على حريق الاعوام العشرة بنسج و فبركة فتن و صراعات بين القبائل هناك، فانقض الاقليم يأكل بعضه البعض، و في الحالتين تتلقى سياساتها هذه دعم الصين من خلال سياسة غض الطرف او العمل الدؤوب لعرقلة مشاريع مجلس الامن و التحركات الدولية الاخرى لكبح جماح الانقاذ و تعطيل آلتها المنتجة للموت.   

هذه نسخة منقحة لقد نشرت النسخة الاولى فى موقع صحيفة حريات الإلكترونية فى

 17 سبتمبر 2013

 

 

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: