مخدر الكابتاغون القاسم المشترك بين داعش و الجنجويد.

170261منذ بروز قضية حاويات المخدرات ال(كابتاغون) التى أستجلبت الى ميناء بورتسودان فى ابريل ٢٠١٤، و التى أثارت جدل كثيف. اجتهد العديد من الكتاب و المراقبين فى سبيل سبر غوار ذلكم اللغز المحير، و كشف المتورطين فيه ومعرفة المقصد الاخير لتلك السموم، و بدوري فكرت مليا و سألت نفسى مرارا، لماذا تتورط جهات حكومية فى إستيراد مخدرات و هى التى من المفترض ان تكافح تلك الأفة؟. ثم استدركت انهم أي الحكومة ما هى إلا عصابة و ليست حكومة بالمعنى المتعارف عليه، و حتى لا أظلم الطغمة الحاكمة قلت فى نفسى، ربما أستجلبت تلك السموم بواسطة بعض النافذين فى الحكومة لأغراض تجارية؟ لكن أستدركت مرة اخرى كيف تعمل جميع أجهزة الدولة المعنية من شرطة و أمن و قضاء للتستر علي أولئك المجرمين إذا لم تكن قيادة البلاد قد باركت تلك الخطوة؟ و سألت نفسى مجددا كيف يخاطر مجرم بشحن مخدرات تقدر قيمتها ب ١٣ مليون دولار عبر مسار بحرى تنشط فيه العديد من وكالات الاستخبارات و المراقبة الدولية ؟ و صارت تتوالد الأسئلة كما الاميبيا حتى كاد أن ينفجر رأسي من شدة التفكير .

و فى نهاية المطاف أجريت بحث لمعرفة علاقة المخدرات بالحروب و قارنت النتائج بطريقة ربما قد تساعد بشكل منطقي و معقول لمعرفة الدوافع وراء تلك الجريمة. لقد وصلت لإفتراض إن هناك علاقة بين الحرب فى السودان و تلك المخدرات من خلال أستبعاد أحتمال الربح، لأن هناك العديد من الطرق التى يمكن أن تحقق بها الجماعة الحاكمة المزيد من الأرباح خاصة و هى فئة معفية من الضرائب و الجمارك بل رخصوا بقوانين التحلل لأنفسهم حق نهب أموال الشعب من غير مساءلة. ثم أستبعدت التحليل الذى يقول إن الحكومة هدفت بإستجلاب تلك المخدرات تدمير الشباب و تثبيط همتهم من الإحتجاج على تردى الأوضاع الإقتصادية و السياسية فى البلاد. و سبب أستبعادي لهذا التحليل كما هو معروف إن أجهزة الأمن تملك القسوة و التفويض اللأزمين لقتل و قمع كل من يتظاهر ضد النظام، و إن تلك الأستراتيجية اى أستراتيجية تدمير الشباب سوف تفتك بالجميع بدون إستثناء بما فى ذلك أبناء و أهل المسؤولين الإنقاذين. بالإضافة الى إن تلك الفكرة تبدو غبية نوعا ما.

إتخاذ الحرب كأفتراض يمكن ان تقدم تفسير معقول لتلك الجريمة الفريدة من نوعها فى تاريخ السودان، خاصة إن للحروب سجل طويل و سيئ فى أستخدام طائفة من الأساليب غير المشروعة ليس ضد الأعداء و حسب بل ضد الجنود لدفعهم بمزيد من الطاقة و القدرة على تدمير الأعداء، و المخدرات واحدة من تلك الوسائل التى أستخدمت في كثير من الأحيان لأجل إعداد الجنود للقتال. و تسهيل عملية غسل أدمغتهم و للتغلب على الاثار البدنية والنفسية الناجمة عن فظائع الحرب. ومن بينها عقاقير محرمة دوليا إلا لأغراض طبية أستخدمت لأغراض عسكرية لأجل التغلب على الإرهاق الناجم عن السير على الاقدام لمسافات طويلة و ثقل العتاد الحربى على أجساد الجنود فضلا عن قدرة تلك المخدرات على التعامل مع مشاكل عدم النوم و ألام الإصابات .

لقد كشفت جمعية الأطباء الألمانية، التي أجرت أبحاثا طبية على الفيلق الثالث عن حقائق مروعة، عن ان نظام هتلر أجبر الجنود الألمان ابان الحرب العالمية الثانية على تعاطي المخدرات للحصول على النشاط و القدرة على التحمل، كان العقار الذى يسمى (الميثامفيتامين) المعروف باسم (سبيد) يعتبر سلاح هتلر السري. حيث ساعد الجنود الألمان على التغلب على السير على الأقدام فى البرد القارس و لمسافات طويلة و ساعدتهم فى السيطرة على أجزاء واسعة من اوروبا. بما فى ذلك بلوغ الأراضي الروسية تحت وطأة الثلوج و الجوع..

اما فيما يخص التعامل مع الأثار النفسية للحرب ثبت إن بعض الجيوش درجت على تزويد المقاتلين فى الأحراش بالمخدرات للسيطرة على شعورهم بالذنب و هو أحد العوامل التى تفسر السلوك الوحشي و المفرط لدى بعض الجنود و أستمرارهم فى أرتكاب المزيد من الأعمال المروعة من غير اى أحساس بالذنب لأن تلك المخدرات تأثر على الذاكرة و تساعدهم على النسيان و على تبرير تصرفاتهم الوحشية ضد الأعداء لدرجة التلذذ من أرتكاب تلك الأعمال غير الأنسانية، و تساعدهم ايضا على السيطرة على القلق و الخوف و التوتر الناتج من بيئة الحرب.

بعد انتهاء الحرب فى فيتنام واجهت الأسر الأمريكية صدمة بالغة عندما أكتشفت ان وكالة المخابرات الأمريكية كانت تزود أبنائهم بالمخدرات التى كانت توفر فى الحانات و المواخير فى القرى و المدن بالقرب من المعسكرات، كان (الكوكوين و الهروين) أبان الحرب فى فيتنام فى متناول الجنود الأمريكان و بأسعار زهيدة، و كان ذلك السبب وراء عودة حوالى 85 ألف جندي ما بين متعاطي و مدمن الى الولايات المتحدة الأمريكية بعد نهاية الحرب فى فيتنام.

الأستنتاج المستخلص من القصص أعلاها و هو التفسير المرجح إن تلك المخدرات التى أستجلبت الى السودان ربما مواد تموينية و عسكرية ضرورية لصمود مليشيات الحكومة و جيشها فى حملة الصيف الساخن ضد المتمردين فى كردفان و دارفور، لقد أفشلت قوات الجبهة الثورية الصيف الحكومي مرارا و تكرارا بل كبدت القوات و المليشيات الحكومية خسائر فادحة خلال الأعوام المنصرمة ، لكن فى الآونة الأخيرة تمكنت مليشيات الدعم السريع من السيطرة على ( فنقا) واحدة من أهم القواعد العسكرية التابعة للجماعات المسلحة الدرافورية بالقرب من جبل مرة . و كبدت حركة العدل و المساواة خسائر فادحة فى معركة (قوز دونقو) الأخيرة.

و هنا يجب ان نلأحظ بعناية الجرائم الأخيرة التى ارتكبت بواسطة الجنجويد من حرس الحدود و الجيش السودانى، مثل جريمة الإغتصاب التى أرتكبت فى حق نساء قرية تابت و حرق شخص على قيد الحياة فى ميدان عام بقرية (فنقا) فى جبل مرة، بل قال العديد من المراقبين ان الجرائم الجديدة التى أرتكبت بواسطة مليشيات الدعم السريع أكثر وحشية و تنظيما من الجرائم التى أرتكبت أبان بداية الحرب فى دارفور الشيء الذى يلمح على أن تلك الوحشية ربما كانت تحت تأثير المخدرات. و هى وحشية تشابه تلك التى يتمتع بها اعضاء تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) التى كشف تقرير ل(مونت كارلو)ان المخدر المسمى (كابتاغون) هو ايضا وراء شراستهم و وحشيتهم غير المعهودة و نهمهم الجنسي الغريب.

لقد برزت قضية المخدرات فى وقت كانت قد زودت الحكومة تلك المليشيات بمعدات عسكرية حديثة و تمكنت من تجنيد الالاف من المخدوعين فى صفوف الدعم السريع ، لكن الجنجويد الذين يبتغون أموالا كما يؤكد تاريخهم الطويل فى الاغارة على المدنيين و النهب و السلب يفتقرون للعقيدة القتالية التى تمكنهم من الصمود امام استبسال عدوهم، خاصة انها المرة الأولى التى يواجهون فيها جنود الجبهة الثورية و ليس مدنيين عزل كما تعودوا سابقا. فى وقت كانت تسعى الحكومة جاهدة تبديد الخوف من أمكانية نسف المتمردين للأنتخابات .

كانت المخدرات المحلية التى تعرف ب(البنقو) تستخدم على نطاق واسع فى أوساط الجنود السودانيين أبان الحرب الاهلية فى الجنوب، لكن على ما يبدو إن المرتزقة من الجنجويد المخدوعين يحتاجون الى جرعات أقوى من (البنقو)، التى ربما تضع لهم فى الأكل او ماء الشرب من غير علمهم او بعلمهم لتبدد خوفهم و تمكنهم من تحمل شراسة القتال و نسيان أمالهم و عدم التفكير فى مصائرهم، فكانت منجزات العلوم العسكرية التى تمكنت من أنتاج انواع معينة من المخدرات تستخدم خصيصا لرفع كفاءة و عزيمة الجنود ربما هى الحل الذى لجئ إليه القادة العسكريين فى السودان.

و اذا صدق هذا التحليل سوف تكون كل الإجراءات الأمنية و القضائية التى أتخذت فى مواجهة تلك القضية بما فى ذلك إدعاء إبادة تلك المخدرات مجرد تمثيلية لتضليل الراي العام و التغطية على تلك الفضيحة المدوية، و فى الجانب الأخر تكشف الثقة المفرطة التى تظهر فى تصريحات قادة الإنقاذ حول إنهاء التمرد و فرض السلام بالقوة خلال هذا العام تكشف إن تلك المخدرات ربما قد حققت فاعلية عززت من الوضع العسكري لجنود الحكومة فى ميادين القتال.

محمد حسين

8 يوليو 2015

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: