التمييز الممنهج ضد النازحين فى الخرطوم

011gf

محمد حسين

التمييز هو المعاملة غير العادلة أو الضارة لفئة مختلفة من الناس، خصوصا على أساس العرق أو العمر أو الجنس او النوع او الخلفية الاجتماعية….الخو بناء على هذا المفهوم سوف اناقش السياسات الحكومية ضد المواطنين السودانيين الذين أرغموا على ترك مواطنهم الاصلية بسبب الحروب الاهلية، و العيش فى الخرطوم، وان اختيارى لمدينة الخرطوم جاء بوصفها مصنع السياسات الحكومية من جهة و انها المنطقة الاكثر جذبا للمشردين داخليا، لامتيازاتها العديدة دون المدن لعوامل تتعلق بالخلل التنموى و الخدمى كاحد افرازات الهيمنة المركزية المزمنة التى هى أيضاً احدى مظاهر التمييز القومى، والمسبب الرئيسى فى الحروب، و الفوارق المعيشية و الاقتصادية و الاجتماعية الشاسعة بين المواطنين من جهة و بين الاقاليم السودانية من جهة اخرى.

لقد تسببت الحرب الأهلية الأولى التى اندلعت فى جنوب السودان في نزوح ما يزيد على مليون سوداني جنوبي نزوحا داخليا، و أن نسبة قليلة منهم قررت حينها الهجرة إلى الشمال، مقارنة بما حدث في الحرب الثانية، التى تجاوزت باثراها المدمرة حدود الاقليم الجنوبي الى اجزاء من شرق السودان و النيل الازرق و جبال النوبة و زادت من اضرار تلك الحرب تزامنها مع ضربات القحط والجفاف فى منتصف الثمانينيات، فى وقت ضاعفت الحكومة من اعمال العنف في الجنوب متعمدة تشريد السكان الريفيين و تدمير اقتصادهم التقليدى، و مع توقيع اتفاقية السلام الشامل كان قد وصل عدد السودانيين الجنوبيين النازحين الى اربعة مليون نسمة، و حوالى نصف مليون عبروا الحدود الى دول الجوار كلاجئين فى كل من كينيا و يوغندا و اثيوبيا.

 وان اكبر موجات نزوح الدارفوريين نحو الإقليم الأوسط بعد الثورة المهدية كانت لاجل البحث عن حياة افضل بسبب اثار المجاعات و الانفلات الامنى الناتج عن عجز الحكومة المركزية فى بسط الامن و ان اغلب اولئك النازحين كانوا قد اشتغلوا كعمال فى المشاريع الزراعية او عمالة هامشية فى المدن، بما فى ذلك الخرطوم، الا ان اعدادهم ازدات بشكل مضطرد بعد ان اعلنت جماعات دارفورية تمردها على الحكومة المركزية قبل اكثر من عشرة أعوام، و بسبب اتخاذ الحكومة ذلك التمرد ذريعة لترتكب جرائم منظمة ضد المدنيين الافارقة قل ما تمارسها دولة ضد مواطنيها، فاستشرى عنف لازال يمارس على نطاق واسع فى دارفور اجبر فى نهاية المطاف المدنيين على الهرب من قراهم، فوصل عدد النازحين 2,5 مليون، و عدد اللاجئين بدولة تشاد فاق 260 الف حسب تقديرات الامم المتحدة فى سنة 2005.

ونتيجة لتلك الصراعات المسلحة و موجات القحط و اختلال التنمية أصبح لدى السودان تجمع من أكبر تجمعات النازحين داخليا في العالم بالتزامن مع توقيع اتفاقية نيفاشا، لقد قدّر مركز رصد النزوح الداخلي التابع لمجلس اللاجئين النرويجي وجود ما يقرب 5.8 مليون نازح داخلي في السودان في عام 2006، ومن بين هؤلاء، فى نفس العام قدرت منظمة الهجرة الدولية بأن نحو مليوني نازح داخليا يقطنون ولاية الخرطوم قبل وصول المشردين داخلين بسبب الحروب الجديدة فى جنوب كردفان و جنوب النيل الازرق..

يعتقد العديد من المراقبين ان الحروب السودانية هى حروب ذات جذور عنصرية، بالنظر الى هيمنة الأقلية على نظام الحكم منذ الاستقلال، و اختلال موازين التنمية بين الاقاليم التى منحت الجماعات المتمردة مشروعية القتال لأجل إنهاء التهميش و الاقصاء على اسس عرقية و مناطقية، او بالنظر الى انماط الحكومة فى شن تلك الحروب التى لم تستهدف المتمردين و حسب بل تعدتها لتستهدف الجماعات العرقية التى ينحدر منها قادة المتمردين بما فى ذلك تصدير العنف اليهم بعد ان هربوا الى دول الجوار و ان اولئك الذين احتموا بعرين النظام فى الخرطوم لم تشفع لهم سودانيتهم فى كبح جماح التمييز الرسمي ضدهم.

و باتت الاجراءات القمعية ضد النازحين الجنوبيين فى الخرطوم اكثر وضوحا فى عهد الانقاذ التى اعلنت الجهاد ضد المتمردين المسيحيين بالتزامن مع اعلان المشروع الحضاري، و هو مشروع ايديولوجى يهدف الى الغاء الحيز المعنوى و المادى للوجود غير الإسلامي و غير العربي فى العاصمة و اعادة صياغة السودانيين بشكل عام، لقد عبر عن المشروع الذى غرس بذرة تدمير السودان نخبة من العصبة كشفت عن خوف خبيث من الوجود الزنجي الطاغى في الخرطوم التى تحولت الى نيروبي او كمبالا اخرى فى اعتقادهم و سموا تلك الافريقية الطاغية على اطراف الخرطوم بالحزام الاسود، لقد انعكست تلك المخاوف فى شكل سياسات و تدابير جدية لاعادة انتاج سكان الحزام الزنجى او اضعافهم اقتصاديا و اجتماعيا و سياسيا، و كانت معظم تلك الاجراءات قامت على تمييز مفضوح مورس ضد النازحين من خلال انتهاك حقوقهم الاساسية  كمواطنين.

و لتوضيح الطابع المنظم لتلك الإجراءات غير المشروعة التى اتخذت فى مواجهة المهجرين قسريا فى الخرطوم سوف اتناولها من منظور المعايير الاساسية لحقوق الانسان التى نص عليها الدستور و طائفة من الاتفاقيات الدولية التى وقع و صادق السودان على العديد منها، و رغم ان التزام السودان بتلك الصكوك كان و لازال التزاما صوريا، الا ان ذلك لا يمنع من الكشف عن كيفية ارتكاب تلك الانتهاكات على اسس من التمييز الممنهج و الاجراءات المنظمة.

و فيما يخص انتهاك الحق فى السكن و الكرامة الانسانية. واجه النازحون فى الخرطوم سياسات مجحفة صنفتهم ضمن الفئة غير المؤهلة لتملك الأراضي وجعلت حق الحصول على قطعة سكنية حق حصري للذين سجلوا أنفسهم قبل عام 1996، كانت معظم الأراضي التي استقرت فيها الموجات الأولى من النازحين الجنوبيين قد اكتسبت قيمة تجارية كبيرة وارتفعت أثمانها و بحجة اعادة التخطيط و تحديد مواقع معينة للنازحين قامت السلطات بهدم الاف المنازل فى انجولا 1994، الحاج يوسف 1998، وسوبا 2010 و بعد ان حددت السلطات رسميا مخيمات للنازحين بولاية الخرطوم فى كل من مايو و جبل اولياء و سوبا جنوبي الخرطوم و دار السلام غرب امدرمان قامت السلطات للمرة الثانية بهدمها و نزعها بعد ان ارتفعت قيمتها السوقية بسبب تنامى المدى الحضري.

تسببت هذه السياسات الحكومية فى مواجهات دامية بين النازحين و القوات الامنية راح ضحيتها عدد كبير من النازحين و تعرضوا لمعاملة سيئة و تعذيب و عنف اشهرها تلك الحادثة التى وقعت بضاحية سوبا بعدما حاولت السلطات ترحيل سكان المنطقة و هدم منازلهم لصالح بعض الرأسمالية التى اغرت السلطات بأموال طائلة للحصول على اراضي البؤساء، تفجرت احداث سوبا يوم 19 مايو 2005، عندما قاوم السكان ومعظمهم من النازحين من الجنوب والغرب اجراءات الترحيل القسري و قتل فى تلك المواجهات 14 مواطن و لازال العشرات فى أعداد المفقودين بعد موجة الاعتقالات الواسعة، ان عنصرية و جشع الحكومة جعلت معظم النازحين فى الخرطوم الان يعيشون فى مساكن اضطرارية يتوقعون من الحكومة ان تتخذ ضدهم اجراءات قمعية فى اى وقت.

كما لوحظ ان الحكومة تتعامل بانتقائية فى تقديم الخدمات الاساسية مثل الكهرباء، المياة، التعليم و المرافق الصحية لبعض المناطق العشوائية بولاية الخرطوم بينما تحرم مخيمات النازحين من هذه الخدمات بحجة عدم التخطيط العمرانى و فى نفس الوقت نجد مناطق مثل الصالحة فى جنوب امدرمان او الكلاكلة المنورة و غيرها من الاحياء التى لم تخطط و لم يمتلك سكانها شهادات بحث مصدقة من سلطات الأراضي و رغم ذلك لم تهدم بحجة التخطيط كما هدمت مناطق اخرى مثل سوبا الأراضي و القرية و عد بابكر..الخ.

و لاجل احكام الضغط على هذه الفئات بغرض اجبارهم على الهجرة العكسية، طورت الحكومة اليات اخرى الغرض منها اضعاف تلك المجتمعات اقتصاديا او بالاحرى افقارهم، و من بين تلك الاستراتجيات الحرمان من الحق فى العمل و بطبيعة الحال يفتقر النازحون لجميع الشروط الضرورية للمنافسة فى سوق العمل ومع تجاهل السلطات لاحتياجاتهم كمواطين سودانيين اضطر اغلبهم على امتهان اى اعمال بما فى ذلك الاعمال غير الشرعية بحسب القانون المحلى، ليوفروا الحد الادنى من احتياجاتهم المعيشة، فاستقطبت صناعة الخمور البلدية والدعارة و التسول بعضهم لكن فى كل الاحوال كانت السلطات لهم بالمرصاد بدعاوى تطبيق الشريعة و محاربة المظاهر السالبة التى عرضت هؤلاء البؤساء لحملات من القمع و العقوبات المهينة و المذلة للكرامة الانسانية بما فى ذلك السجن فى ظروف قاسية مع الاعمال الشاقة.

و لتجنب مكر قوانين الحكومة و توفير حياة كريمة امتهن بعض المشردين داخلين فى الخرطوم انواع مختلفة من المهن الهامشية و الاعمال الشاقة و الانشطة الصغيرة المدرة للدخل، امثال الباعة المتجولين، بائعات الشاى، اطفال الورنيش، غسالين العربات و الفريشة، و رغم مشروعية تلك الاعمال الا انهم على الدوام مستهدفين ب(كشات) البلدية و ارهاق الجبايات تحت مبررات الارتقاء بالمظهر الحضاري او اعادة تنظيم و تخطيط الاسواق و المواقف العامة، اما الذين نجحوا فى الحصول على وظيفة لم تحميهم القوانيين من الاستغلال الذى دائما ما يكون بعلم السلطات التى تغض الطرف عمدا عن تجاوزات اصحاب الاعمال، مثلا يتعرضن النازحات فى ولاية الاخرطوم للسخرة كخادمات في المنازل و أن معظمهن يعملن بدون عقود أو من غير حماية قانونية من العمالة القسرية، و بعض هؤلاء النساء والفتيات تم استغلالهن جنسيا بما فى ذلك الجنس التجاري، اما الذين يعملون فى مجال اعمال النظافة او كعمال فى المصانع يحصلون على اجور اقل بكثير من الحد الادنى للاجور حسب القانون فضلا لتعرضهم باستمرار للإذلال و التقليل من شانهم بواسطة مرؤوسيهم.

يفرض العهد الدولى الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية و الثقافية، و اهداف الالفية التزامات على السودان من بينها مكافحة الفقر و خفض حدته و تمكين المواطنين من العيش الكريم و اللائق ….الخ، و رغم ذلك حرمت حكومة ولاية الخرطوم عن عمد سكان المحاجر فى كل من مانديلا و جبرونا و التعويضات الخ من البرامج الحكومية مثل دعم الاسر الفقيرة و التمويل الاصغر و مشروعات الأسر المنتجة و التامين الصحي المجاني او انهم لم يتمكنوا من الحصول عليها بسبب الاجراءات المعقدة و الضمانات العديدة و المستندات التى لم يتمكن فى الغالب هؤلاء البؤساء من الحصول عليها..

ان جميع تلك الممارسات التى يتعرض لها سكان الخرطوم غير المرغوب فيهم من قبل الحكام، هى بالاساس تدابير و اجراءات الغرض منها اضعافهم اجتماعيا و اقتصاديا لتحقيق الهدف الاكبر هو تفريغ العاصمة، خاصة بعد تنامى التوجسات الأمنية لدى الحكومة، بسبب الاحداث التى تلت مقتل الدكتور جون قرنق و هجوم حركة العدل المساواة على امدرمان و هبة سبتمبر، لقد اشار عبد الرحمن الخضر حاكم ولاية الخرطوم الى ذلك صراحة ذات مرة فى ثنايا رده على مواطني ولاية الخرطوم الذين اشتكوا من شظف العيش، فقال فيما معناه من لم يستطيع ان يدبر معاشه فى الخرطوم عليه العودة الى المكان الذى اتى منهاى عودوا الى حيث ينتظركم الجنجويد.

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: