لعنة النفط و الدور المخزي للصين فى السودان

محمد حسين

ان العلاقات الاقتصادية، العسكرية و السياسية المتينة التى تربط الحكومة السودانية بنظيرتها الصينية، اخذت فى التنامي بعد ان نجحت الصين فى استغلال الفراغ الذى حدث بسبب نفور الغرب من نظام الجبهة الاسلامية فكانت الفرصة سانحة ليقتنص التنين فى منتصف التسعينيات من القرن الماضي حقوق الاستثمار شبه الحصري فى مجال النفط السودانى بطريقة مفاجئة و غامضة وحقق بذلك فرص عززت النمو الاقتصادي و النفوذ السياسي للصين على المستوى الدولى.

 فى الذكرة العاشرة لانقلاب الانقاذ تم رسميا افتتاح مصفاة الخرطوم و بداية ضخ النفط السودانى عبر ميناء بشائر، فانتعشت الخزانة العامة، و بسبب صناعة النفط وصل التبادل التجاري بين السودان و الصين الى 3,91 مليار دولار فى العام 2005 بروف لى انشان  CSRPPو الخارجية الصينية “. كذلك حصلت الصين على نصيب مقدر من فرص الاستثمار فى مجال الانشاءات و الطرق و الجسور و السدود و فى مجال الزراعة و الري و الخدمات الاخرى و تقدر فوائدها ببلايين الدولارات . “فما بين العامين 1999-2007 زادت قروض و عقود التمويل الصينية من 0,9%  الى 13,45%, و ما بين عام 2005 -2007  ظفرت الصين بما يعادل 58% من القروض و عقود التمويل السودانية. ” اسماء ساتى AECAFD in Sudan .

 قبل ان يكون النفط مورد أساسي للحكومة كان الجيش السودانى يشكو من شح السلاح و العتاد لمواجهة الجيش الشعبي لتحرير السودان الجماعة الرئيسية التى كانت تقود حرب طويلة فى جنوب السودان ضد السلطة المركزية فى الخرطوم، وظفت الحكومة السودانية خلال الخمسة عشرة عام الماضية عائدات النفط و بعض القروض المليارية فى تعزيز بند الامن الذى يبتلع اكثر من 70% من الموازنة السنوية – لإعادة بناء و تطوير و تسليح الجيش السودانى. لقد استخدمت الاموال التى حصلت عليها حكومة الانقاذ السودانية من الاستثمارات او التسهيلات المالية الصينية بفعالية فى الحروب الاهلية التى لازالت تزهق ارواح المالكين الحقيقين لهذه الموارد، وبذلك يعتبر من الناحية الاخلاقية ان الصين شريك أساسي و مباشر فى الجرائم و الفظائع المنظمة و الدمار الواسع الذى الحقته الحكومة السودانية بالشعب و الوطن- شريك ليس اقل مسئولية من الحكومة السودانية، و حتى لا يكون هذا الاتهام جزافي ادعمه بالشواهد التالية .

  تشير سجلات الامم المتحدة ان الصين وحدها توفر 90% من احتياجات الحكومة السودانية من امدادات الاسلحة الخفيفة (USA Today 3/13/2008 )، و ان الاسلحة الخفيفة حسب تعريفها الرسمي تشمل (الرشاشات الثقيلة والمدافع المحمولة المضادة للدبابات، الأنظمة المضادة للطائرات، ومدافع الهاون من عيار أقل من 100مم). فى العام 1998 جلب السودان مروحيات عسكرية من طرار شنغهاي زت- 6 و عدد 6 مقاتلات من طراز جى ام – اف تقدر الواحدة ب 66 مليون دولار. كذلك ساعدت الصين الخرطوم على اقتناع السلاح من مصادر متعددة بواسطة عائدات النفط.  و لا يستبعد ان تكون تلك الاسلحة حصلت عليها الحكومة السودانية بناء لقروض مؤجلة بفوائد كبيرة اضيفت الى القروض السودانية التى بلغ اجماليها 43 مليار دولار حسب بعض التصريحات الرسمية. و بذلك سوف يكون على عاتق الناجين من الشعوب السودانية مسئولية تسديد قروض ربحية على المدى البعيد و هى فى الاصل فاتورة  الرصاص الذى ازهق ارواح ذويهم.

 لقد اظهر الوزراء السودانيين الذين تعاقبوا على وزارة الدفاع حرص شديد على زيارة الصين و لقد نجحوا فى خلق علاقات تعاون عسكري تمثلت فى المساعدات الفنية و التقنية التى قدمتها الصين لتطوير الصناعات العسكرية المحلية، تمخض عنها منشآت و مصانع مثل مجمع جياد لتركيب و صيانة الاليات العسكرية الثقيلة مثل الدبابات و حاملات الصواريخ، لقد انتج هذا المصنع كما شاهدنا فى احتفالات الانقاذ انواع مختلفة من الدبابات من طراز – تى- 55 و التى اطلقوا عليها البشير1، الزبير1 ، دقنة، ابو فاطمة، كذلك ساعد فى تشيد و تشغيل مصنع اليرموك الذى ينتج احتياجات الخرطوم من الذخائر، المتفجرات، القذائف، انظمة مضادات الطائرات و الدبابات و انواع مختلفة من الاسلحة الأوتوماتيكية، و الملاحظ ان هذا التعاون العسكري الكبير لم يعير اى اهتمام  و اعتبار لقرار مجلس الامن رقم 1559 لسنة 2004 الذى يحظر بيع و تزويد اقليم دارفور بالأسلحة . 

 فى الشهور الخمسة الاولى من سنة 2006 حصلت الحكومة السودانية على مبلغ 473 مليون دولار من عائدات النفط (وزير المالية )، و بالمقابل زاد معدل العنف المنظم فى دارفور بطريقة مخيفة فى نفس العام رغم مفاوضات السلام التى كانت تجرى فى ابوجا وقتها، و يدعم علاقة السببية هذه التقرير الأمريكي السنوي لحقوق الانسان، لقد اورد ان أحداث العنف في دارفور هي (أسوأ انتهاكات لحقوق الانسان في العام 2006)، ان هذا التقرير يظهر  الانعكاس السلبى للاستثمارات الصينية على الاوضاع الامنية فى السودان، و ان جرائم الانقاذ تزيد بزيادة دخلها القومي الذى يشكل البترول عموده الفقري قبل ان تفقده لصالح دولة جنوب السودان. 

 و من جهة اخرى ان استمرار الحكومة السودانية فى اشعال مزيد من الحروب و رفضها لأى حلول مرضية، يزيد من طلباتها لمنتجات الصين من السلاح لتقتل شعبها وبموارده الوطنية لتربح الصين بشكل مزدوج من الاستثمار فى السلاح والنفط من جهة و القروض و عقود التمويل من جهة اخرى و فى نفس الوقت يخسر الشعب السودانى مرتين مرة يفقد بعض ابناءه و المرة الثانية يفقد فيها موارده، و بهذه الوتيرة ستكون المحصلة الاخيرة لتمادي الإنقاذى فى الاقتراض بغرض القتل ان تتثاقل الديون و يصير السودان دولة و شعب رهينة غير مأمول تحريرهما عن قريب فى ظل الشروط التى تفرضها اجراءات الاعفاء سواء كان من البنك الدولى او نادى باريس .

 ان التعاون الاقتصادي و العسكري الكبيرين بين الخرطوم و بكين اكسب الاخيرة نفوذ عظيم و لكن للأسف ان جشع بكين منعها من توظيف هذا النفوذ لتجعل من صديقتها الخرطوم اكثر مرونة فى التعاطي مع المجتمع الدولى و لم تمارس عليها اى نوع من الضغط او التشجيع كي تتعامل مع قضايا الوطن بحكمة وعقلانية و تجد مخرجا للحروب الاهلية الطاحنة، و تعلل الصين هذا الجشع بمبدأ عدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول (Non-interference)  و تتدعى ان سياستها الخارجية  قائمة على التعامل مع السودان و غيره من الدول على اساس الندية و المساواة و المنفعة المتبادلة، و تظل تردد الصين هذا الموال كلما واجهت انتقادات بسبب دورها السلبى و سياسة غض الطرف عن ما يدور فى السودان من انتهاكات و جرائم بواسطة السلطة، بل دعمته سياسيا فى كثير من المواقف و المحافل الدولية، لقد وثقت سجلات مجلس الامن ان الصين  امتنعت عن التصويت عن أكثر  من ثمانية مرات على قرارات المجلس ذات الصلة بالأوضاع فى السودان و دارفور و فى حالات كثيرة عملت على تخفيف لغة القرارات التى صوتت لإجازتها كما عارضت بشدة مشروع فرض عقوبات او مقاطعة على الخرطوم.

 لكن بمرور الوقت تم اختبار هذا المبدأ الصيني ليسقط سقوطا شنيعا, تمثل الامتحان فى الحملة الكبيرة التى اطلقها ناشطون و منظمات حقوقية عالمية ضد مهرجان الالعاب الاولمبية الذى كان مخطط له ان ينظم فى بكين سنة 2008، و نجاح الاعلام العالمى فى ابراز الوجه البائس للصين فى مجال حقوق الانسان خاصة فى اقليم التبت، حينها شعر التنين بخطر هذه الحملة التى قد تبدد احلام استضافته للألعاب الاولمبية خاصة بعد ان ربطها البعض بما يحدث فى دارفور، مثل موقف المخرج العالمي الأمريكي الشهير (ستيفين سبيلبرغ)، الذى اعلن انسحابه من العمل كمستشار فني للدورة كاحتجاج على موقف الصين من الأحداث في إقليم دارفور (سى ان ان العربية) بالإضافة الى دعوة البرلمان الأوربي الدول الاعضاء مقاطعة المهرجان.

  لقد دقت هذه المواقف و التحركات ناقوس الخطر فى اذن التنين فعمل بجهد لإفشال هذا المخطط و انقاذ حلمه من الاجهاض و كان اول ما تخلى عنه التنين مبداه الذهبي (عدم التدخل)، ليبدا السقوط التدريجي، بدأت بتبني مواقف برغماتية و اكثر مرونة بشان مواقف العالم من السودان و دارفور، و اخذت تتخلى عن سلبيتها المعهودة حتى تخلق توازن بين مصالحها الاقتصادية فى السودان و علاقتها بالمجتمع الدولى الذى لم يخفى امتعاضه من مواقف الصين .

 منذ استيلاء البشير للسطلة فى السودان سنة 1989 و حتى عام 2007 قام البشير بثلاثة زيارات لجمهورية الصين و بالمقابل لم يرد اى مسئول صيني رفيع هذا الود، الا ان حملة مقاطعة اولمبياد بكين كان لها الفضل فى ان يزور الرئيس “حيو جينتاو” الخرطوم فى 2 فبراير 2007 ضمن جولة افريقية لزيارة ثمانية دول، و يعتقد العديد من المراقبين ان الزيارة التاريخية ل”جينتاو” كانت ذات صلة بالضغوط الدولية على الصين لتمارس شيء من الضغط على الخرطوم بشان الحرب فى دارفور و  فى نفس الوقت فرصة للصين لترعى مصالحها من خلال شخصية رفيعة.

 بعد عودة الرئيس “جينتاو” الى الصين بثلاثة اشهر قرر تعين مبعوث خاص لدارفور , و كان هذا بداية التدخل الرسمي المعلن للحكومة الصينية فى الشأن السودانى الداخلي، لان من ضمن مهام المبعوث فى مثل هذه الظروف هى نقل وجهة نظر حكومته بشان القضايا ذات الاهتمام المشترك، العمل على تقريب وجهات النظر بين اطراف الازمة السودانية، تقديم مبادرات، اغراءات، وعود، تذكير بعواقب التمادي فى تجاهل اهتمامات المجتمع الدولى (مجلس الامن ) الذى كان يعكف على استصدار قرار يقضى بإرسال قوات اممية الى دارفور و الذى واجهته الحكومة السودانية برفض و استنكار شديدين تمثل فى “قسم الطلاق الرئاسي المشهور” اذن ان مبدأ عدم التدخل الصيني يكون مزدوج المعيار عندما يتعلق الامر بمصالح الصين، فتخلت عنه من غير استحياء لتتفادى مزيد من الاهتزاز لصورتها امام الضمير الإنساني العالمي.

لقد اكمل المبعوث الصيني ما بداه رئيسه “جينتاو”  مع الخرطوم و فى 5 يوليو 2007 صرح هذا المبعوث بقبول الحكومة السودانية قرار مجلس الامن رقم (1769) القاضي بنشر قوات هجين فى دارفور وفقا لخطة كوفي عنان الثالثة، و اضاف المبعوث كان هذا بفضل جهودنا، و بذلك قدم ضربة قاضية لمبدا عدم التدخل، وادخل الاكاديميين و الدبلوماسيين الصينين فى حرج تبرير هذا التدخل لينكبوا فى مقارنات بين مميزات التدخل الصيني و التدخل الأمريكي الذى وصفوه بالخشن ليمنحوا تدخل حكومتهم صفة “النعومة” او الميوعة ان صحت التسمية، و بهذه الخطوة ذرت رماد كثيف على عيون الداعمين لمقاطعة اولمبياد بكين.

 حتى عام 2007 بلغت المساعدات الانسانية الرسمية التى قدمتها الحكومة الصينية لنظيرتها السودانية ( 80 مليون يوان اى ما يعادل 11 مليون دولار ) “وكالة (Xinhua) 25 فبراير 2008 ”  كانت الصين على علم بفساد نظام الانقاذ و ان هذه المعونات سوف لن تصل المحتاجين لكن رغم ذلك اصرت على تقديم هذه المعونات عبر الحكومة السودانية، حتى بدأ العديدون يعتقدون انها معونات عسكرية تم تقديمها تحت الغطاء الإنساني.

 كل الدول المحترمة و المدركة بطبيعة الانظمة الشمولية من امثال النظام السودانى- تعمل على تعزيز الاوضاع الانسانية فى مثل هذه البلدان التي اكتوت بفتيل الحروب الداخلية من خلال اذرعها الانسانية الرسمية التى تسمى بوكالات التعاون الدولى مثل  SIDA , JICA ,KOIKA ,CIDA, USA-AID  …الخ، اما الدول التى لا تمتلك وكالات او منظمات فى السودان تفضل تقديم مساعداتها عبر وكالات الامم المتحدة المعنية او المنظمات غير الحكومية المستقلة و المحايدة، اما الصين و كثير من الدول العربية و جامعتها يصرون على ان يمنحوا الحكومة السودانية فرصة الإجهاز على ضحاياها او مواصلة اذلالهم من خلال جعلها وسيط لتوصيل المساعدات اياها او على الاقل ليظهر النظام فى ثياب الرحماء، و رغم كثافة تواجد المنظمات بالسودان كدليل على سقمه الا ان المنظمات الصينية مازالت غائبة عن المشهد السودانى تماما.

  و بالعودة على موضوعنا الأساسي نجد ان الصين عملت على تقريب وجهات نظر  الشقيقتين المتشاكستين بشان قضية وقف ضخ النفط من الحقول فى جنوب السودان لأنها ذلك مس مصالحها الاقتصادية، لكن و فى نفس الوقت غضت الطرف عن ما يحدث فى ولاية جنوب كردفان النفطية من جرائم بواسطة النظام لان مصالحها لم تمس بسوء، و للفت انتباه الصين لحجم الكارثة الانسانية فى جبال النوبة المتمثلة فى رفض الخرطوم وصول الاغاثة و المساعدات الانسانية للمحتاجين .

 قام فى 28 يناير 2012 جنود من الحركة الشعبية قطاع الشمال ساخطين على دور الصين  السلبى باختطاف 29 من العمال الصينين بجنوب كردفان، من ثم افرجوا عنهم بعد 11يوم بتدخل من قياداتهم العليا لتنقلهم اللجنة الدولية لصليب الاحمر الى نيروبي، و بعد انفراج ازمة الاختطاف التقت وفود من قيادات الحركة الشعبية قطاع الشمال بعدد من السفراء و المسؤولين الدوليين باديس ابابا لإيجاد حلول لازمة منع الحكومة السودانية مرور المساعدات الانسانية للمحتاجين من المدنيين المتأثرين بالحرب فى جنوب كردفان و النيل الازرق، و كان من بين الجهود حث الصين لتستغل نفوذها لصالح هذه القضية الانسانية الشائكة الا ان الصين لم تحرك ساكنا حتى الان و اظنها اعادت تفعيل العمل بمبدأ عدم التدخل.

 لقد كان الخير الوحيد المأمول من نيل شعب جنوب السودان لاستقلاله و نفطه هو ان ينبه هذا الانفصال بأثاره السياسية و المالية حكومة الانقاذ لتعود الى رشدها و تجد حلول للأوضاع الامنية و السياسية فى السودان و تحافظ على ما تبقى من الوطن الا ان العالم تفاجأ بإشعالها لحرب جديدة فى جنوب كردفان و النيل الازرق، و لتواجه الانقاذ بؤسها المالي، مجبرة قللت فاتورتها الحربية فأنتجت من التجويع سلاح فتاك لا يكلفها دولارا، اما فى دارفور كانت استراتيجيتها لمواصلة القتل فى ظل نضوب خزائنها ان تصب مزيد من الزيت على حريق الاعوام العشرة بنسج و فبركة فتن و صراعات بين القبائل هناك، فانقض الاقليم يأكل بعضه البعض، و في الحالتين تتلقى سياساتها هذه دعم الصين من خلال سياسة غض الطرف او العمل الدؤوب لعرقلة مشاريع مجلس الامن و التحركات الدولية الاخرى لكبح جماح الانقاذ و تعطيل آلتها المنتجة للموت.   

هذه نسخة منقحة لقد نشرت النسخة الاولى فى موقع صحيفة حريات الإلكترونية فى

 17 سبتمبر 2013

 

 

الإعلانات

مخاوف الهجرة تجعل الاتحاد الاوروبي على استعداد للقيام بأعمال تجارية مع القتلة .

بقلم Giles Fraser
نشر المقال على صحيفة الغاردين البريطانية، الخميس الموافق ١٣ أكتوبر ٢٠١٦.

ترجمة محمد حسين

image

القلق المتزايد بين الناخبين الأوروبيين جعل الاتحاد الأوروبي يدفع الملايين للدكتاتور السوداني عمر البشير، المطلوب بتهم ارتكاب جرائم حرب، لاجل الحد من الهجرة من منطقة القرن الأفريقي.

في عام 2009 أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحق الرئيس السوداني عمر البشير في سبع تهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. في عام 2010 أصدرت مذكرة أخرى بشأن ثلاث تهم بالإبادة الجماعية. وهو الرئيس الأوحد الذى يجلس على سدة الحكم اتهم بارتكاب إبادة جماعية ضد شعبه. في بلد ذى أغلبية عربية، المجموعات العرقية الأفريقية ، وخاصة أولئك الذين يعيشون حول منطقة دارفور، مهمشين سياسيا منذ فترة طويلة.

ولكن منذ عام 2003 يحاول البشير القضاء عليهم بشكل منهجي، وليس فقط من خلال وكلاء له، يطلق عليهم الجنجويد التى تعنى “الشياطين على ظهور الخيل” وهى ميليشيا سيئة السمعة لقسوتهم. لنأخذ مثالا واحدا من بين أمثلة عديدة: في فبراير 2004، هاجم الجنجويد مدرسة داخلية في دارفور، و اجبروا (١١٠) من الفتيات على خلع ملابسهن تحت تهديد السلاح قبل اغتصاب العديد منهن وحرق مدرستهن،دفع ذلك عشرات الآلاف على الفرار للنجاة بحياتهم. وازدادت الأمور سوءا. في الشهر الماضي، أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرا يدلل أن في وقت سابق من هذا العام، أسقطت القوات الجوية التابعة للبشير أسلحة كيميائية في بعض القرى النائية. ومن الصعب الحصول على عينات التربة التي من شأنها أن تثبت تماما مثل هذا الادعاءات الأجنبية، حتى قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي – غير مسموح لها الوصل الى تلك المنطقة.

لكن الصور المروعة للأطفال المصابين بتقرحات فى الجلد ونزيف من العيون تبدو كثيرا مثل آثار لأنواع من غاز الخردل. انها ليست منافسة، ولكن كما ان العالم قلق بحق بشان محنة الناس فى حلب، وهناك آخرون – في ربما فى طريقهم للخروج من داىرة الضوء – أولئك الذين يحصلون على قدر أقل من اهتمامنا، ولكن لماذا لم تصدر الحكومة البريطانية أي بيان رسمي عن ادلة استخدام الأسلحة الكيميائية؟ يمكن أن يكون بسبب انها تريد التقليل من أهمية هذه الهجمات لأن نظام البشير أصبح الآن شريكا للاتحاد الأوروبي في إدارة الهجرة المتدفقة من افريقية إلى أوروبا؟

في نوفمبر الماضي، في اجتماع عقد في مالطا، طرح الاتحاد الأوروبي مشروع “عملية الخرطوم” فى تهور للاستجابة لازمة الهجرة و وقعت اتفاق لتعزيز التعاون فى مجال الهجرة و التنقل منح السودان بمقتضى هذا الاتفاق “١٠٠ مليون يورو” و ” ٤٦ مليون يورو” اخرى على مدى ثلاثة سنوات تخصص لمراقبة الحدود، تدريب شرطة الحدود و وإقامة مراكز احتجاز. و انه فى أكثير من الأحيان يقوم الجنجويد بمهام شرطة الحدود.

من المخزى ان لا تتم التغطية على ان مسؤولو الحكومة السودانية وفي لندن مرة أخرى هذا الأسبوع لمزيد من “الحوار الاستراتيجي” لاجل التعاون بشان قضية الهجرة. ويبدو أن، لأن الناخبين الأوروبيين ينتابهم قلق متزايد بشأن الهجرة، ونحن الآن مستعدون لعقد صفقة مع الشيطان، تمويل يصل قيمته إلى ملايين كثيرة يحصل عليها الرجل الذي كان سيلقى القبض عليه بتهمة الابادة الجماعية اذا حدث ان وطأت قدماه شواطئنا. و لماذا؟ لأن البشير قد وعد بمساعدة الاتحاد الأوروبي على منع الناس الفارين من الوصل إلى أوروبا. لم يتم ذكر حقيقة أنهم يفرون من فرق الموت التى يتزعمها ومن الهجمات بالأسلحة الكيميائية. نحن نقلل من شأن الإبادة الجماعية ضد شعبه لأنه الآن “شريك” ذو قيمة فيما يتعلق بقضية الهجرة و مركز لواحدة من اهم مسارات الهجرة من القرن الأفريقي.

ليس الجميع يفرون من قنابل البشير. في جنوب السودان، وعلى سبيل المثال قد خلفت الحرب الأهلية عشرات الآلاف على حافة المجاعة، يعيشون على عظام الماعز وزنابق الماء. في العاصمة جوبا يقسم التجار الآن الطماطم (البندورة) الى نصفين لأن الناس لا يستطيعون شراء واحدة كاملة. منع/ صد هؤلاء الذين يفرون من مثل هذه الفظائع و معاملتهم على انهم مجرد “مهاجرين لأسباب اقتصادية”، كما لو أن كل ما يريدونه هو بعض أنماط الحياة الاستهلاكية من أجهزة التلفاز والبلاي استيشن، هذا عمى عن عمد ومعاملة قاسية بشكل واضح.

بالمناسبة، دعونا لا نلقى باللوم على قضية الخروج من الاتحاد الاوربى، كان الاتفاق مع الخرطوم غير المطابق للمواصفات هو فى حقيقة اتفاق الاتحاد الاوربى، انعقد لأكثر من ستة أشهر قبل التصويت على عضوية الاتحاد الاوربى. وذكر تقرير (دير شبيجل) و هى مجلة ألمانية ( المترجم) أن دول الاتحاد الأوروبي ال٢٨ قد وافقت على سرية الصفقة. و حذرت المفوضية الأوروبية تحت أي ظرف من الظروف يجب ان لا يعرف الجمهور ما يجري. ربما هذا هو السبب في أننا لا نسمع كثيرا عن إسقاط البشير اسلحة كيميائية ضد شعبه. قضية الهجرة ليست استثناء، فإن الاتحاد الأوروبي الآن على استعداد للقيام بعقد صفقات تجارية مع القتلة.

الصورة للاجئين من دارفور في مخيم للاجئين السودانيين تديره المنظمات غير الحكومية فى غاغا بشرق تشاد، بالقرب من الحدود مع دارفور. تصوير اوليفييه لابان-ماتي / أ ف ب / غيتي.

رابط النسخة الأصلية للمقال على صحيفة الغاردين الانجليزية

ترجمة محمد حسين

. فى ١٤ أكتوبر ٢٠١٦

التدريب المهني في السودان ما بين الاهمال الرسمي و الاهتمام الاجنبي

يعتبر التدريب المهني من اهم ركائز تنمية الموارد البشرية خاصة بعد الثورة الصناعية و التقنية التى شهدها العالم مؤخرا فى شتى المجالات. نجح هذا التطور فى تقليل الجهد البشرى العضلي مما جعل الحاجة الى عمالة ماهرة و فنيين فى مختلف مجالات سوق العمل امر ضروري. و ان اهتمام الدول بتوطين المعرفة بهذه التقنيات نابع من اهميتها فى عملية النمو الاقتصادي و ازدهار الدول. لذلك نجد دول كثيرة بلغت تصنيف العالم الاول بالاستثمار فى العقول و الأيادي الماهرة و نجحت بذلك على تعويض شح الموارد الطبيعية. لذلك صار المورد البشرى من اهم الثروات فى العصر الحالي.

تعرف منظمة العمل الدولية التدريب المهني بانه العملية المنظمة التي تكسب الفرد المهارة و المعرفة و الاتجاهات في اي من اوجه النشاط الاقتصادي بهدف الاستخدام المنتج ورفع الانتاجية. فالتدريب يقلل تكلفة و زمن الانتاج و يرفع من جودة المنتج نفسه فضلا عن تقليل احتمالات الاخطار و الخسائر فى المؤسسة او المنتج او العمال.

بدا السودان يهتم بالتدريب المهنى بعد الاستقلال مباشرة حيث تم انشاء اول مركز للتدريب المهنى بالسودان بمدينة الخرطوم سنة 1957. كان الغرض من ذلك المركز ترقية و ترفيع قدرات القوى العاملة و ثقل مهاراتها حتى تكون قادرة على الاداء الجيد و تلبية احتياجات سوق العمل الصناعى و المهنى خاصة بعد خروج الفنيين و المهندسين الاجانب مع المستعمَر. كان ذلك المركز اكثر تطورا و شمولا من مدرسة جبيت الفنية التى انشات سنة 1920 خصيصا لتدريب عمال السكة حديد.

لقد اخذ التدريب المهنى فى السودان يتطور و يتوسع بشكل مطرد بفضل منح قدمتها الدولة الصديقة للسودان. لقد إنشات جمهورية المانيا مركز الخرطوم 2 و مركز اخر فى بورتسودان و كان الهدف من الاخير تغطية الاحتياجات التدريبية لجميع دول ساحل البحر الاحمر و شرق افريقيا. و فى فترات متباعدة قدمت كل من الصين، كوريا الجنوبية، اليابان و تركيا دعم غير محدود لأنشاء و تطوير مراكز التدريب المهني بالسودان بالإضافة الى مساعدات اخرى قدمتها المنظمات الدولية على سبيل المثال لا الحصر منظمة العمل الدولية، برنامج الامم المتحد الإنمائي، وكالة الامم المتحدة للتنمية الصناعية، الوكالة اليابانية للتعاون الدولى و غيرها من المنظمات و الوكالات الدولية حتى بلغ عدد مراكز التدريب المهنى بالسودان (بعد انفصال الجنوب) 11 مركز حكومي بالإضافة الى 19 مركز تدريب مهنى يملكها القطاع الخاص او مراكز حكومية فئوية متخصصة مثل معهد التقوات المسلحة بضاحية (الكدرو) بالخرطوم بحرى .

الملاحظ ان معظم مراكز التدريب المهني الحكومية القائمة الان تم انشائها بمنح قدمتها دول صديقة للسودان مقابل عدم اهتمام امن الحكومة السودانية بالاستثمار فى هذا المجال. ربما لأسباب قد تكون ذات صلة بالقدرة المالية للحكومات او ضيق النظرة الاستراتيجية لمستقبل القوى العاملة، او اسوء التخطيط فى مجال التطور الصناعى و التقني. لذلك ظل التدريب المهني فى السودان يعانى من مشاكل جمة جعلته غير قادر على تلبية احتياجات سوق العمل او رفده بعمالة ماهرة قادرة على الانتاج و العمل فى بيئات تقنية و آلية اكثر تقدما، و يعود هذا للأسباب التالية.

عدم مواكبة مناهج التدريب المهنى و التلمذة الصناعية للتطور التقني و الصناعى العالمي، فنجد مثلا ان مناهج التدريب المهنى فى السودان لم يتم تطويرها منذ العام 1974 و خلال الاربعين عام الماضية شهد العالم طفرة صناعية و تقنية غاية فى التعقيد، فبتالي صار خريجو التدريب المهني غير قادرين على التعامل مع هذه التقنيات و الاليات الحديثة، ببساطة لان الآليات المستخدمة فى السوق تتقدم على المنهج السودانى بأربعين عام.

و لمزيد من التوضيح للفجوة ما بين المناهج الحالية و سوق العمل سوف اورد بعض الامثلة، مثلا معظم مصانع العالم و بعض من مصانع السودان تعمل بنظام التحكم الإلكتروني القابل للبرمجة (PLC)، ومن ضمن مميزات هذه التقنية استخدام الحاسب الآلي فى تشغيل و ضبط حركة الانتاج من خلال التحكم فى الماكنة او الآلة المنتجة. للأسف حتى الان لم تعتمد او تطور الجهات المسؤولة من التدريب المهني فى السودان أي منهج لتدريس هذه التقنية الحيوية لطلاب التدريب المهني و لا يوجد غير مركز حكومي واحد يقدم تدريب فى هذا المجال و هو المركز السودانى الكوري، اما المثال الاخر لتحلف التدريب المهنى عن حاجة الطلب هو مركز التدريب المهني بورتسودان (الميناء البحري الوحيد) لا يقدم تدريب فى مجال ما يسمى باللحام تحت الماء و هى تقنية لصيانة السفن الراسية فى البحر مما يجبر شركات الملاحة السودانية على تأسيس اطقم صيانة من فنيين اجانب او من سودانيين بعد ان تنفق عليهم كثير من المال لتدريبهم فى دول اخرى او ان تتعاقد مع شركات اجنبية للحصول على مثل هذه الخدمات التقنية.

و الجدير بالذكر ان المركز السودانى الكوري هو عبارة عن منحة من الحكومة الكورية الجنوبية التى تكفلت بإنشاء المباني و توفير المعدات مع تدريب كافي للمدربين على هذه المعدات. و فى العام 2012 وفرت الوكالة اليابانية للتعاون الدولى معمل تحكم الكتروني من عشرة وحدات لمركز الخرطوم 2 و بدأت فى دعم المجلس الاعلى التدريب المهنى فى تطوير المناهج و اعتماد التقنيات الجديدة من بينها التحكم الإلكتروني القابل للبرمجة. و قيس على ذلك فى المجالات الاخرى مثل النقل الاتوماتيكي لحركة السيارات، و نظام الحقن الإلكتروني للوقود، التكييف المركزي كل هذه المجالات لم يتم تطوير مناهج لها مع انها ظهرت على مستوى العالم و بدا استخدامها فى السودان قبل عشرات السنين .

تقادم و تهالك المعدات و النماذج التدريبية احد الاسباب التى اقعدت التدريب المهنى فى السودان, مثلا لا يعقل و فى العام 2013 حيث بدأت سيارات من انواع متطورة تغذو طرقات العاصمة السودانية ولا زال تدريب و تعليم طلاب قسم السيارات بالمراكز المهنية يتم على نماذج لسيارات من موديلات قديمة جدا. و مثلا تستخدم العديد من هذه المراكز اجهزة قطع المعادن التقليدية و العتيقة فى وقت تستخدم كثير من المصانع العالمية و السودانية تقنية القطع بأشعة الليزر. فكما ان مناهج التدريب المهني تحتاج الى تحديث مستمر لتواكب التكنولوجيا كذلك يجب ان يتم تحديث النماذج التعليمية بورش التدريب حتى تتمكن هذه المراكز من تخريج مهنيين لهم القدرة على المنافسة فى سوق العمل و تقليل نسبة العطالة بين الشباب السودانى و فى نفس الوقت تقلل حجم العمالة الوافدة.

هناك مشاكل تتعلق بالميزانيات التى ترصدها الدولة لتشغيل مؤسسات التدريب المهنى، كما هو معروف عالميا ان التدريب المهني من اغلى انواع التعليم، لان التطبيق العملي للدروس يحتاج لأدوات و معدات و معامل و ورش متطورة تمكن الطلبة من التعلم و ثقل مواهبهم عمليا، ايضا من الاسباب التى ترفع من تكلفة التدريب المهنى هى ان متطلبات العملية التدريبية و خاصة التطبيقية تحتاج الى المواد الخام بشكل مستمر، فأقسام مثل تشكيل المعادن او المنتجات الحديدية تحتاج الى مواد يتمرن عليها الطلبة فعدم توفر هذه المواد تحد من فرص الطلاب فى تجويد مهاراتهم.

بدائية الوسائط التعليمية، ان العملية التعلمية و التدريبية المهنية الحالية فى السودان تتم بوسائط فقيرة لا تمكن الاستاذة من نقل المعرفة و المهارات للطلاب بشكل سريع و بسيط كسبا للوقت و المواد. فمثلا عدم كفاية النماذج التدريبية التى تعرف بال Simulation مثل ان يكون هناك جهاز تمثيلي لنظام التبريد فى السيارات او نظام التكييف المركزي يتعلم منه الطلاب، بالإضافة لعدم وجود الوسائط السمعية و البصرية مثل اشرطة الفيديو، و اجهزة العرض مثل البروجكتر، لذلك لازال الاساتذة يستخدمون السبورة و الطباشير لرسم اجزاء الاجهزة او الدوائر الكهربائية المعقدة يوميا لتعليم الطلاب و هذا عمل شاق يبدد طاقة الاستاذة و يهدر وقت اكثر. الاسئلة التى تطرح نفسها هل هناك صعوبة فى ان توفر الدولة اجهزة عرض (بروجكتر) لمراكز التدريب المهني المحدودة حتى ترفع من كفاءتها. هل من الصعب ان تتصل الجهات المعنية بالتدريب المهنى بشركات السيارات او الاجهزة المنزلية….الخ مثلا لتحصل على أفلام تعليمية من تلك التى تنتجها هذه الشركات لتسهيل و تجويد خدمة عملائها.

الثقافة المجتمعية الخاطئة التى تصنف التدريب المهني على انه خيار الاغبياء الذين فشلوا فى إحراز مجاميع كبيرة تأهلهم لبلوغ الثانوي العالي. لا زالت كثير من الاسر السودانية تختار هذه الوجه لا بناءها من ذوى المردود الاكاديمي الاقل. بالإضافة الى نظرة المجتمع لخريج التدريب المهني التى تتسم بشيء من التحقير مما جعل كثير من الاشخاص يعزفون عن الانتساب لمثل هذه المعاهد ومن تخرجوا منها اضافوا لأسمائهم لقب مهندس تجنبا لهذا العار. هذا التقليل من شان التدريب ساهم في تفاقم ازماته بجعله حقل غير مرغوب فيه رغم ان هذه النظرة تنطلق من عقلية سطحية .

فألمانيا مثلا تشتهر بإنتاج افضل الماكينات على مستوى العالم بفضل العمال و الفنيين المهرة و ليس بفضل المهندسين، اما الصينيون الذين يعملون فى صناعة النفط و الانشاءات فى السودان منحونا دروسا مجانية، من بين هذه الدروس انك لا تستطيع التمييز ما بين العامل و الفني و المهندس تجدهم جميع فى مواقع الانتاج و يعملون بالتزام و جدية وبنفس الزى الموحد (ابرول) ليس كبعض المهندسين فى السودان الذين يفضلون الجلوس خلف المكاتب الكبيرة، اما اليابان تعتبر اروع مثال يضرب بشان اهمية الموارد البشرية.

تغول السلطات على مراكز التدريب بسبب نظرتها السطحية و الضيقة للتدريب المهني. مثلا لإرضاء ولاة بعض الولايات السودانية تم تحويل مراكز التدريب المهني بكل من نيالا، مدنى و بورتسودان الى كليات تقنية. تخرج هذه الكليات فنيين يسمون انفسهم مهندسين، فبدلا من ان تطور السلطات القومية او المحلية التدريب المهني فى هذه الولايات قامت بتحويلها الى مسوخ غير قادرة على رفد سوق العمل بعمال ماهرة. و لمزيد من التوضيح للفرق ما بين تخطيط الموارد البشرية فى السودان و الدول الاخرى، تمعنوا فى هذه المفارقة, قال مندوب السفارة الهولندية فى احدى المنتديات السودانية عام 2013ان 20% فقط من الطلاب الهولنديين الناجحين يتم قبولهم بالجامعات اما ال80% يذهبون الى مراكز و معاهد التدريب المهني و التقني، اما فى السودان تجد ان الطاقة الاستيعابية للمراكز التدريب المهني الحكومية لا تتجاوز 3 الف طالب فى العام.

كل هذه الاسباب و غيرها التى لم يتسع لنا الوقت لذكرها اقعدت عملية تطوير الصناعات الوطنية، و استنزفت العملة الصعبة فى استيراد سلع رديئة كان يمكن صناعتها فى السودان و بجودة عالية اذا ما اهتمت الدولة بالتدريب المهني. كذلك اقول للذين يتضجرون من استيلاء العمالة الاجنبية على سوق العمل، ان ما ذكر انفا هى بعض من مسببات هذا الغزو فلن يتحرر سوق العمل ما لم تعالج جزور هذه الازمة، و الى حين ذلك من الطبيعي ان نشاهد الاتراك يسيطرون على اعمال الستائر و الديكور، المصريون يحتكرون اعمال النقاشة و السيراميك، اللبنانيون على وظائف الطبخ و تجهيز الاغذية و المأكولات…الخ، و الشباب السودانى عاطل. فاذا كانت الدولة راغبة فى تقليل معدل العطالة و تقليل الضغط الأجنبي على سوق العمل يجب ان تعيد النظر فى سياساتها المتعلقة بالتعليم العالي و التدريب المهني لأنه ليس من الحكمة فى شيء ان يصبح اغلب افراد الشعب السودانى حملة شهادات جامعية.

و بما اننا تطرقنا للعمالة الاجنبية و لمزيد من التوضيح حتى نتعرف على بعض جوانب القصور التى ساهمت فى احتلال كبير لسوق العمل السودانى بواسطة العمال الاجانب. من بين هذه العوامل ان العامل او الفني السودانى لم يربى او يعلم على المسئولية و الانضباط، فالإهمال و عدم المبالاة الموجودة فى القطاع الحكومي امر غير مقبول فى القطاع الخاص الذى يرجو الربح، فلا يعقل ان تفرط شركة او مصنع و تسلم ماكينة او آلة تقدر قيمتها بمئات الالاف و الملايين من الدولارات لشخص غير مكترث و غير منضبط ليعطلها فى فترة وجيزة و يبرر ذلك بالقدر كما يحدث عند القطاع العام الفاقد للنظم المحاسبية و الرقابية.

نحن السودانيون لا نضع اعتبار و اهتمام للأمور الصغيرة و نهون من شأنها, ونستسهل التقصير و تفتقر المؤسسات العامة لنظم المحاسبة الفعالة. ايضا اننا شعب مشهور بإضاعة الوقت و هدر الزمن لذلك تفضل العديد الشركات الكبيرة العمال الاجانب الذين يعبدون عملهم و يحترمون النظم و اللوائح. لذلك العملية التعليمية او التدريبية لا تنحصر او تقتصر على اكتساب المعرفة او المهارات بل تذهب عميقا لأجل تهذيب و تقويم سلوك العمال لتصبح اكثر ايجابية و حساسة اتجاه البيئة و السلامة لان كثير من الكوارث و الخسائر الكبيرة فى العالم حدثت نتيجة لأخطاء بشرية فنية او سلوكية مثل كارثة محطة تشرنوبل النووية و كارثة حقل النفط البحري (الفا)…..الخ .

ان الدولة الصديقة للسودان و المنظمات الدولية بذلت جهود جبارة لانعاش التدريب المهني من الهلاك لكن بالمقابل الجانب السودانى لم يتعاون مع هذه الجهات بشكل يوازى هذه الجهود حتى تحقق هذه المنح الفائدة المرجوة منها، وفى اغلب الاحوال يشترط المانحين مساهمة مالية من الحكومة السودانية فى مثل هذه المشروعات لتأكيد الرغبة و الجدية و لضمان الاستمرارية و الملكية الوطنية للمشروع, لكن تجد كثير من هذه المشاريع لم تحقق اهدافها بسبب عدم ايفاء الحكومة بالتزاماتها فى توفير المكون المحلى او الكادر الوطني المناسب ليستفيد من عمليات نقل التقانة.

لكن مازالت الفرصة سانحة لان تعيد الدولة التدريب المهني فى السودان الى الطريق الصحيح و كخطوة اولى تبدا بتطوير المناهج لتواكب التقانة و التطور الذى يشهده العالم فى شتى المجالات، اعادة تأهيل مراكز التدريب الحالية من حيث المنشآت، المعدات، الادوات و انشاء مزيد من المراكز بمواصفات عالية الجودة، تنظيم و ادارة المهن و المهارات لدى سوق العمل و رفع قدرات المشتغلين بها، وفوق كل ذلك وضع ميزانيات مقدرة لإدارة و تشغيل مراكز التدريب المهني و من بين مقترحات معالجة المشاكل المالية هو السماح للمراكز بأنشاء وحدات انتاجية استثمارية لترفد خزائنها بمزيد من الاموال يوظف لصالح تحسين بيئة العمل و التعليم.

نشر المقال فى مايو 2013 بعدد من المواقع السودانية و هذه نسخة منقحة تلافت بعض الاخطاء.
محمد حسين

الصحافة القائمة على مفهوم حقوق الإنسان.

shutterstock_102143884إعداد

Gabrielle Beman

Daniel Calderbank

UNESCO Bangkok, 2008

ترجمة. محمد حسين

ما هي حقوق الإنسان؟

يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق و تعنى كل فرد، كإنسان، تحق له بعض الحقوق التي لا تعتمد على أساس الجنس أو العرق أو اللون أو العرق أو اللغة أو السن أو الدين أو السياسية أو غيرها من المعتقدات، أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو الوضع الاقتصادي أو الإعاقة أو المولد أو أي عوامل أخرى. كما ان حقوق الإنسان الفردية هذه غير قابلة للتصرف وذلك لأنها لا يمكن أن تصادر، أو تنتهك او التنازل عنها.

حقوق الإنسان هي بطبيعتها غير قابلة للتجزئة و الترتيب حسب الاولوية. وهي تشمل الحق في الحرية و النشاط و المشاركة ذات الممغزى، المساهمة، وكذلك التمتع بالتنمية المدنية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسي. تتداخل حقوق الإنسان في كثير من الأحيان فيما بينها على سبيل المثال، الحق في الصحة قد يكون معتمدا على حق الحصول على المعلومات، أو الحق فى التعليم الذى ينبغي الايفاء به على نحو كاف.

دور الصحفيين في مجال الاتصالات، والإعلام، وحقوق الإنسان.

اليوم، و بسبب عولمة الخدمات والمعلومات والعمل – تتحمل وسائل الإعلام دور مؤثر في التواصل . و يعتمد كثيرا في ساحة التواصل على الصحفيين الذين يعملون في الجهات الفاعلة الرئيسية في الإبلاغ عن الأحداث العالمية ونقل المعلومات القيمة. يمتلك الصحفيين سلطة تحديد ما هي الأخبار و بناء القصص واختيار الكلمات بالطرق التي تؤثر على الناس. وجهات نظرنا حول التاريخ يمكن أن تتأثر بشدة بواسطة الصحفيين. للصحفيين القدرة على إعلام الجمهور، و ربط عوالم نائية، وتشكيل معرفة و فهم الفرد للعالم الذى نعيش فيه. كما لديهم الفرصة لزيادة الوعي العام، و تثقيف الجمهور بحقوقهم، وقبل كل شيء المساعدة على مراقبة حقوق الانسان.

لماذا ينبغي أن يسهم الصحفيين فى حركة حقوق الإنسان؟

يمكن للصحفيين استخدام قدراتهم في التواصل و وصولهم إلى مصادر وسائل الإعلام، ليس فقط للإبلاغ عن الأحداث، ولكن أيضا لإضافة المزيد من التحليل المتعمق. من خلال تحليل والجمع بين وجهات نظر متعددة والصحفيين يشكلون مصدر للمعرفة الجماهرية الأكثر دراية، يمكن للوعي أن يؤدي إلى أيجاد مجتمع مدني قوي و أكثر نشاطا.

يمكن أن يتقفى اثر مفهوم حقوق الإنسان عبر التاريخ البشري على أنه يشير إلى“… الحقوق الأساسية أو الحرية التي تضمن لجميع البشر …” على الرغم من الجذور القديمة، فإن مصطلح حقوق الإنسانظهر على الاستعمال الشائع في القرن العشرين، كانعكاس لفكر القرن السابع عشر والثامن عشر الأوروبي ، وقدم هذا المصطلح بواسطة الفلاسفة اليونانيين والرومانيين القدماء الذين ربطوا الحقوق والحريات بالجذور التاريخية للديموقراطية. على الرغم من ان حقوق الإنسان بطبيعة الحال حق للجميع ، أصبح مصطلح مسيس للغاية و تم تغير التعريف ليشمل الحقوق الأساسية، خاصة تلك التى يعتقد انها تنتمي إلى الفرد، والتي لا تتدخل الحكومة فى ممارستها او التمتع بها، مثل الحق في الكلام، والتضامن، والعمل، الخ

كصحفيين نبلغ عن القضايا الاجتماعية، هناك العديد من العوامل التي ستؤثر على حقوق الناس في المنطقة التي يجري الإبلاغ عنها. وتشمل هذه القضايا؛ الأطر القانونية الدولية والوطنية لحقوق الإنسان، والسياق الثقافي الذي يبلغ عنه الصحفي، و الحالة الاجتماعية والاقتصادية للبلد أو المنطقة، البيئة والوضع السياسي. كل هذه القضايا لها تأثير على سواء كانوا أفرادا قادرين على ممارسة حقوقهم في أي حالة معينة. في حين أن عدد من العوامل تأثر على التعرف على حقوق الإنسان و هناك أيضا عدد من قضايا حقوق الإنسان الأساسية التي يجب أخذها في الاعتبار عند إعداد التقارير.

النــــــوع

النوعهو مصطلح يشير إلى الهيكلة الاجتماعية لأدوار الرجال والنساء. الادوار التى يمكن تحديدها من خلال المعتقدات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، والثقافية، و السياقات. في العديد من أنحاء العالم، وترتبط النساء بأدوار الأنثىوهي تنحصر على الفرص والمسؤوليات من اجل البيت و العائلةالذى يؤدى الى فقدان الفرص التعليمية، وغيرها من الحقوق الأساسية مثل حرية التعبير. و في هذه المثال يمكن اسكات أصوات النساء في الحياة العامة وغيرها من مجالات حياتهن.

مفهوم دور المرأةفي المجتمع يمكن أن يؤدي إلى انتهاكات كبيرة لحقوقهن بما في ذلك حقوق الإنسان البسيطة و الأساسية مثل الصحة، وعدم التمييز،المشاركة وتكافؤ الفرص. عندما يتم مصادرة صوت المرأة، يتم تقزيمها على الفور و وضعها  فى منزلة متدنية فى هياكل السلطة الاجتماعية. فقدان هذه السلطة او الحق يؤثر تأثيرا مباشرا على الحق العام على كسب العيش، والتعليم، وإلى التحرر من العنف، و يزيد بشكل كبير من فرص معيشتهن عند أو تحت مستوى الفقر. على الرغم من ان كل الحقوق التي يتناولها القانون الدولي هي نفسها للرجال والنساء، الا ان حقوق المرأة تعالج بشكل واضح في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “(سيداو) التى تم اعتمادها بواسطة الجمعية العمومية للامم المتحدة سنة ١٩٨٩.

ضمن هذه الاتفاقية، يتعين على الدول الاعضاء ضمان حصول النساء على : فرص عمل متساوية مع الرجل، حرية اختيار المهنة ونوع العمل، الأجر المتساوي عن العمل المتساوي، القدرة على اختيار الزوج بحرية و الموافقة الكاملة و البينة، حقوق ومسؤوليات متساوية مثل الرجل أثناء الزواج و الطلاق او الانفصال، المساواة في الحقوق لاتخاذ قرار بشأن عدد و الفترة الزمنية بين الولادات، المساواة في الحقوق سواء كانت متزوجة أو غير متزوجة، لاختيار المهنة و الحرفة.

كصحفيين، من المهم أن نلاحظ كيف يتأثر عدم المساواة على أساس النوع بعوامل أخرى. يمكن عدم المساواة التي تعاني منها النساء في كثير من الأحيان تكون أكثر شدة اعتمادا على السن أو الوضع الاقتصادي، والصحة والعرق من امرأة الى أخرى. مصدرة البيانات و تصنيفها حسب المعطيات مثل الجنس والعمر والعرق والوضع الاجتماعي والاقتصادي يمكن أن يساعد في تسليط الضوء على عدم المساواة وتوفير أداة قيمة للدفاع عن حقوق المرأة. وعلاوة على ذلك، توفر فرص للنساء ليتحدثن عن هذه القضايا إلى وسائل الإعلام (إذا ما تم بطريقة تراعى سلامتهن البدنية و احترام الأعراف الثقافية)، ويمكن أيضا تسهم إسهاما كبيرا في تعزيز حقوق الإنسان للمرأة .

الأطفال

تمنح حقوق الطفل أولوية وأهمية خاصة في القانون الدولي. تسلط اتفاقية حقوق الطفل ١٩٨٩ الضوء على الحقوق المدنية والسياسية، و الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للأطفال. بالإضافة إلى اتفاقية منع و القضاء علي أسوأ أشكال عمالة الأطفال الصادرة عن منظمة العمل الدولية تحت الرقم ١٨٢، والبروتوكول الاختياري الاول المتعلق بإشراك الأطفال في النزاعات المسلحة لعام ٢٠٠٠ والبروتوكول الاختياري الثاني الخاص بالاستغلال الجنسي، وبيع وبغاء الأطفال والمواد الإباحية سنة ٢٠٠٠م. و لأغراض اتفاقية حقوق الطفل، يعني الطفل اى إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة او كما يعرفه القانون الوطني ذو الصلة.

اتفاقية حقوق الطفل الدولية. فى المادة ).ضرورة احترام حقوق الأطفال وحمايتها بغض النظر عن الطفل أو والديه أو الوصي القانوني عليه العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، الرأى السياسي أو أى رأي آخر، القومي أو الإثني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو الإعاقة، أو المولد، أوآخر.

في جميع الإجراءات التي تتعلق بالأطفال يجب ايلاء ابتدائا المصلحة الفضلى للطفل و السلامة من الاذى و المشاركة و النماء انظر (المادة ٣). اما الحقوق الأخرى المدرجة في اتفاقية حقوق الطفل تشمل الحق في؛ حماية ورعاية، الحياة، المحافظة على هويته بما في ذلك جنسيته واسمه والأسرة، لا يمكن فصل الطفل عن والديه بالاكراه ،حرية التعبير، الوصول إلى المعلومات والمواد ،الحماية من جميع أشكال العنف البدني أو العقلي ،للأطفال اللاجئين الحق في تلقي الحماية والمساعدة الإنسانية المناسبة، المساعدة للتمتع بالحقوق . للأطفال المعاقين عقليا أو جسديا التمتع بحياة كاملة في ظروف تكفل لهم كرامتهم وتعزز اعتمادهم على انفسهم و تيسر مشاركتهم الفاعلية في المجتمع، التمتع بأعلى مستوى من الصحة يمكن بلوغه، مستوى معيشى كاف للمحافظة على النماء البدنى والعقلي والروحي للطفل، التنمية الأخلاقية والاجتماعية، التعليم، التمتع بثقافته الخاصة، وإعلان وممارسة دينه، أو استخدام لغته الخاصة، الراحة والترفيه والاستجمام. بالإضافة إلى ذلك تشير اتفاقية حقوق الطفل الدولية أن الأطفال يجب أن لا يتعرضوا للاستغلال الاقتصادي، و الأعمال الخطرة والعمل الذي يتداخل مع تعليمهم ، و الحماية من المخدرات، والاستغلال الجنسي، والاتجار فى البشر والتعذيب.

تسلط هذه الاتفاقيات الضوء على الهشاشة الخاصة باوضاع الأطفال والحاجة، عند الإبلاغ عن القضايا الاجتماعية ذات الصلة، على استخدام البيانات التي تختبر على وجه التحديد الوضع وآثاره على الأطفال. كما ينبغي إجراء مزيد من التحقيقات لدراسة تحديدا تأثير القضايا الاجتماعية والمخاوف على حقوق معظم الأطفال المعرضين للخطر، بما فيهم المعوقين، و أولئك الأطفال من الأعراق و الأقليات الدينية، والأطفال اللاجئين والأشخاص الذين يعيشون في فقر. أخيرا، تلسط اتفاقية حقوق الطفل الضوء على أن عند الإبلاغ عن قضايا الأطفال، للطفل الحق في الاستماع إليه،و يجب دائما أن تؤخذ المصلحة الفضلى للطفل بعين الاعتبار. وهذا يمكن أن تشمل؛ حقه أن يكون برفقة ولي الأمر، الحق في الحماية من الأذى (ضمان عدم الكشف عن هويته عند التعامل مع القضايا بالغة الحساسية)، وحقهم في حرية التعبير من غير اى ترهيب او تأثير.

الأشخاص ذوي الإعاقة

اعتمدت اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في عام ٢٠٠٦، و دخلت حيز النفاذ في عام ٢٠٠٨. وكانت واحدة من أكثر المعاهدات سرعة فى التفاوض في تاريخ الأمم المتحدة. تعزز المعاهدة المساواة بين جميع البشر، بما فيهم المعوقين، وفقا لغرض محدد تعزيز وحماية و ضمان التمتع الكامل وعلى قدم المساواة بجميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية لجميع الأشخاص ذوي الإعاقة، وتعزيز احترام كرامتهم المتأصلة “. تنص اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة على يجب أن يكون لهم حق الحصول او الوصول الى: العدالة، خدمات المعلومات والاتصالات ، التعليم ، الصحة. التأهيل وإعادة التأهيل ، العمل والتوظيف، سياسات الموارد البشرية والممارسات، مستوى المعيشة اللائق والحماية الاجتماعية، ويجب أن يكونوا قادرين على: العيش المستقل والإدماج في المجتمع و المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية،والمشاركة في الحياة الثقافية وأنشطة الترفيه والتسلية والرياضة.

تساعد هذه الاتفاقية على تعزيز حقيقة ان وضعية الأفراد ذوي الإعاقة هى على قدم المساواة مع جميع بنى البشر الأخرين والمساواة في الحقوق. و من المهم فى هذا الصدد منح الأفراد ذوي الإعاقة على انهم على قدم المساواة فرص متساوية خاصة فى المؤسسات العامة، مثل المدارس، لخلق وضع متكامل لجميع الفاعلين و المجتمعات حيث يمكن للصحفيين أن يلعبوا دورا في إيصال صوت الأفراد ذوي الإعاقة، وزيادة التغطية الإعلامية، وقبل كل شيء، التوعية بشان أي موقف ظالم قد يواجهه الأفرادمن ذوى الإعاقة.

فيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز

فيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز هو وباء عالمي يؤثر على ما يقدر بحوالى ٣٣ مليون شخص من بينهم ٣٣٠ ألف طفل في جميع أنحاء العالم. فيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز هو أكثر من مجرد قضية صحة عامة لأنه يؤثر على التمتع بحقوق الأفراد المتأثرين به. يمكن أن يؤثر فيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز على الحق في العمل، والحق في الذهاب إلى المدرسة، والحق في الحماية من سوء المعاملة أو العنف، فضلا عن الحق في عدم التعرض للتمييز.

الصحفي المهتم بقضية فيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز يحتاج إلى تعزيز الوعي بهذه القضية و ان يكون مدافعا عن حقوق المتضررين بالفعل. فضلا عن زيادة معرفة الجمهور باثار فيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز وتوفير المعلومات عن قضايا مثل الضمور، والأعراض، و التدابير الوقائية فضلا عن خدمات الدعم التى تسهم في تغيير السلوك. وعلاوة على ذلك، استكشاف القضايا التي تواجه المتاثرين ومنحهم صوت يمكن أن يؤثر في السياسة ويساعد على التقليل من الوصمة الاجتماعية التي قد يواجهونها. معالجة التمييز من اساسيات مفهوم قضية فيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز القائمة على الحقوق . تلصق الوصمة بفيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز التى يمكنها ان تخمد النقاش العام الذى يؤدى بدوره إلى ضعف التعليم والمعرفة بهذه المسألة. التى بدورها تؤدي الى الهلع، و الانتشار الأسرع.

خفضت الأعداد الكبيرة من الوفيات الناجمة عن فيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز بشكل كبير من فرص العمل والمهارات والمعرفة، وبالتالي الموازنة فى التقارير التى تثير قضية فيروس نقص المناعة لها القدرة على حشد الدعم السياسي والمجتمعي القوي وفق منهجية متعددة القطاعات لمعالجةالقضية.

التعليم

التعليم هو حق أساسي من حقوق الإنسان، ويسير جنبا إلى جنب مع العديد من حقوق الإنسان الأخرى، ولا سيما الحق في التنمية البشرية الكاملة. وفقا للقانون الدولي لحقوق الإنسان، تلتزم الحكومات إلى اتخاذ جميع التدابير التشريعية والإدارية الملائمة وغيرها لاحترام وحماية، والوفاء بحق الفرد في التعليم.

أعلن أيضا عن الحق في التعليم في اهداف الأمم المتحدة الإنمائية للألفية ، والتي تتضمن هدف توفير التعليم الإبتدائي للجميع على الصعيد العالمي، بحلول عام ٢٠١٥. وتم تناول الحق في التعليم في المادة ٢٦ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تنص على أن التعليم ليس فقط يجب أن يكون حرا، إلا أنه ينبغي ان يعزز التفاهم والمساعدة في الحفاظ على السلام، وتعزيز حقوق الإنسان.

المادة ٢٦ :(١) يجب أن يوفر التعليم مجانا، على الأقل في المرحلة الابتدائية والأساسية. ويكون التعليم الابتدائي إلزاميا. و يكون التعليم التقني والمهنى متاحا للعموم و ان يكون التعليم العالي متاحا للجميع على أساس الجدارة. (٢) يجب أن يستهدف التعليم التنمية الشخصية الشاملة للإنسان وإلى تعزيز احترام حقوق الإنسان و الحريات الأساسية. كما يجب أن يعزز التفاهم والتسامح و الصداقة بين جميع الشعوب والجماعات العرقية أو الدينية، وإلى تعزيز أنشطة الأمم المتحدة لحفظ السلام. (٣) للآباء الحق الأولى في اختيار نوع التعليم الذي يجب أن يحصل عليه أطفالهم .

للإبلاغ او اعداد التقارير عن الحقوق والتعليم يتطلب ليس فقط دراسة القضايا المتعلقة بالقبول والحصول على التعليم ولكن أيضا فحص جميع العوامل التي تحد من قدرة الطفل على التعلم مثل الصحة وحالة التغذية والرفاهية والسلامة والحماية من الإيذاء والعنف، لأن التعليم الجيد يعتمد على هذه العوامل. الإبلاغ او التقارير عن قضايا حقوق الإنسان في التعليم تتطلب فهم. جودة البنية التحتية التعليمية، ونوعية المناهج الدراسية (هل أنها لا تشجع حقوق الإنسان والتنمية الشخصية؟)، الأطفال الذين تمكنوا من الالتحاق بالمدرسة (هل هم امنيين في المدرسة؟ هل المدارس عمليا يمكن الوصول اليهم بواسطة جميع الأطفال في المناطق التي تتوفر فيها الخدمة؟ هل الكتب و المعدات متاحة بأسعار معقولة لجميع الاطفال؟ هل الأطفال المنحدرين من أعراق مختلفة مرحب بهم ؟ هل التعليم متاح للأطفال الذين لا يتمتعون بالمهارات اللغوية المنصوص عليها؟). فيما يتعلق بنوعية التدريس (هل جميع المدرسين مؤهلين بشكل مناسب؟) هل المعلمين مسؤولين عن عدد كبير من الأطفال في الصف الواحد وهل المعلمين على علم بقضايا حقوق الإنسان؟) بيانات حضور المدرسة ، التسرب من المدرسة و تصنيفها حسب الجنس والوضع الاجتماعي والاقتصادي واللاجئين و العرق يمكن أن تساعد في تحديد ما إذا كانت حقوق جميع الأطفال للحصول على تعليم الجيد قد تم الايفاء بها. وعلاوة على ذلك، صحة الطفل، وإحساسهم بالسعادة، وشعورهم بالسلامة والحماية من الإيذاء والعنف وغيرها من القضايا التي تتصل مباشرة بالحق في التعليم والتي تحتاج إلى الابلاغ عنها. و الأهم آراء الأطفال وتصوراتهم ينبغي اخذها فى الاعتبار عند تقييم ما إذا كان الحق في التعليم الجيد قد تم تنفيذه.

الصحة

الحق في الصحة يرتبط مباشرة بجميع حقوق الإنسان الأخرى، لأنه بدون حق الصحة سوف يكون الحق في الحياة فى خطر. الحق في الصحة يعني أن الحكومات يجب ان تنفذ سياسات وخطط من أجل توفير الرعاية الصحية و ان تكون في متناول الجميع في اقصر وقت ممكن. نص إعلان الأمم المتحدة العالمي لحقوق الإنسان على أن لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاه لنفسه [للشخص] وأسرته، بما في ذلك الغذاء والملبس والمسكن والعناية الطبية وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة. “

وفقا للمادة ١٢ من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، على الدولة الأطراف “.. الاعتراف بحق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى من الصحة البدنية والعقلية يمكن تحقيقه. الصحة القائمة على نهج حقوق الانسان تعني أن الحكومات ملزمة بحماية واحترام الحق في الصحة من خلال وضع معايير فعالة لتقديم الرعاية الصحية.

كصحفي عليك تحديد كيف فى الغالب و كم مرات تعانى فئات معينة من السكان من المرض لان ذلك قد يكشف عن توفير الرعاية الصحية غير العادلة. استخدام البيانات المصنفة من خلال المعطيات مثل العرق والجنس والعمر يمكن أن تساعد على تسليط الضوء على الفوارق في الصحة الناجمة عن الحرمان الاجتماعي ويمكن أن تساعد في رفع مستوى الوعي حول الرعاية الصحة الأولية وتوفير أداة قيمة للدفاع عن حقوق الإنسان.

البيئة

شهدت منطقة آسيا والمحيط الهادئ زيادة فى المشاكل البيئية المرتبطة بالعمران الحضرى والتصنيع، والفقر. تكلف البيئية تدهور شمل خفض الناتج في القطاعات القائمة على الإنتاج، واستمرار الخسارة في التنوع الحيوي، وتصاعد تكاليف الصحة و الوفيات بسبب نقص المياه النظيفة وزيادة التلوث. تحتاج التنمية المستدامة الى استراتيجية طويلة المدى مثل تلك التى تعالج قضايا مثل التلوث والهدر في استخدام الموارد الطبيعية. ليس هناك شك في أن الفقراء هم الذين يتأثرون بشكل غير متناسب من النتائج المترتبة على التنمية غير المستدامة. تدهور التربة وندرة المياه العذبة، الملوثات، الاستخدام غير الفعال للأرض، وعدم كفاية فرص الحصول على الموارد التكنولوجية كلها عوامل تساهم في خفض نوعية الحياة لأولئك الغالبية التى تتحمل وطأة سوء الإدارة البيئية. بل هم أيضا الفقراء الذين غالبا ما يعيشون على الأراضي الهامشية، مما يجعل تلك النظم الإيكولوجية أكثر هشاشة مع نضب الموارد وعلاوة على ذلك، فإنه ينبغي الاعتراف بأن سوء إدارة الموارد الطبيعية و البيئة لا تؤثر فقط على الفقراء من الجيل الحالي بل على الاجيال القادمة كذلك.

للإبلاغ عن حقوق الإنسان والبيئة يتطلب التحقق من قضايا البيئة وتأثيرها على الاستدامة والإنصاف. ينبغي أن يلتزم الإبلاغ بالمبادئ التي انبثقت عن مؤتمر ريو، وضمان مشاركة وسماع صوت أكثر المتضررين، أن استكشاف قضايا المساواة بين الأجيال (على سبيل المثال، إذا كانت الممارسات الزراعية تحدث الآن مدمرة هل يعنى عدم قدرة الأجيال المقبلة على زراعة الأرض؟). على التقارير ان تركز على الحق في الغذاء، على سبيل المثال، ليس استكشاف القضايا فقط مثل الحصول على الغذاء وأي تمييز في الحصول على الغذاء، ولكن ستدرس أيضا ما إذا كان الحق في بيئة آمنة ونظيفة لم ينتهك خلال هذه العملية.

يؤدى التدهور البيئي لا محالة ليس فقط الى نقص المياه النظيفة و الظروف المعيشية غير الصحية التي تؤثر سلبا على الفقراء، ولكنه أيضا بشكل سلبي يؤثر على الإنتاجية الزراعية والتي في كثير من الأحيان تؤدي إلى ليس نقص المعيشة المستدامة والأمن الغذائي للفقراء و حسب. بل من منظور حقوق الإنسان على الإبلاغ عن البيئة أيضا المطالبة بإجراء فحص لتأثير هذه القضايا على سبل العيش المستدامة. القوانين، بالإضافة الى خلق حوافز اقتصادية يجب ان تعمل على حماية موارد البلاد الطبيعية بناء على الاستغلال غير القانوني والاستخدام المفرط. على التشريعات الوطنية، و مجموعات العمل الوطنية ، التي تعمل على مناصرة و حماية الموارد الطبيعية للبلد عليها التاكد من ان استدامة الاستغلال و الادارة هما اساس البيئة القائمة على مفهوم حقوق الانسان و مصادر المعلومات القيمة.

مخدر الكابتاغون القاسم المشترك بين داعش و الجنجويد.

170261منذ بروز قضية حاويات المخدرات ال(كابتاغون) التى أستجلبت الى ميناء بورتسودان فى ابريل ٢٠١٤، و التى أثارت جدل كثيف. اجتهد العديد من الكتاب و المراقبين فى سبيل سبر غوار ذلكم اللغز المحير، و كشف المتورطين فيه ومعرفة المقصد الاخير لتلك السموم، و بدوري فكرت مليا و سألت نفسى مرارا، لماذا تتورط جهات حكومية فى إستيراد مخدرات و هى التى من المفترض ان تكافح تلك الأفة؟. ثم استدركت انهم أي الحكومة ما هى إلا عصابة و ليست حكومة بالمعنى المتعارف عليه، و حتى لا أظلم الطغمة الحاكمة قلت فى نفسى، ربما أستجلبت تلك السموم بواسطة بعض النافذين فى الحكومة لأغراض تجارية؟ لكن أستدركت مرة اخرى كيف تعمل جميع أجهزة الدولة المعنية من شرطة و أمن و قضاء للتستر علي أولئك المجرمين إذا لم تكن قيادة البلاد قد باركت تلك الخطوة؟ و سألت نفسى مجددا كيف يخاطر مجرم بشحن مخدرات تقدر قيمتها ب ١٣ مليون دولار عبر مسار بحرى تنشط فيه العديد من وكالات الاستخبارات و المراقبة الدولية ؟ و صارت تتوالد الأسئلة كما الاميبيا حتى كاد أن ينفجر رأسي من شدة التفكير .

و فى نهاية المطاف أجريت بحث لمعرفة علاقة المخدرات بالحروب و قارنت النتائج بطريقة ربما قد تساعد بشكل منطقي و معقول لمعرفة الدوافع وراء تلك الجريمة. لقد وصلت لإفتراض إن هناك علاقة بين الحرب فى السودان و تلك المخدرات من خلال أستبعاد أحتمال الربح، لأن هناك العديد من الطرق التى يمكن أن تحقق بها الجماعة الحاكمة المزيد من الأرباح خاصة و هى فئة معفية من الضرائب و الجمارك بل رخصوا بقوانين التحلل لأنفسهم حق نهب أموال الشعب من غير مساءلة. ثم أستبعدت التحليل الذى يقول إن الحكومة هدفت بإستجلاب تلك المخدرات تدمير الشباب و تثبيط همتهم من الإحتجاج على تردى الأوضاع الإقتصادية و السياسية فى البلاد. و سبب أستبعادي لهذا التحليل كما هو معروف إن أجهزة الأمن تملك القسوة و التفويض اللأزمين لقتل و قمع كل من يتظاهر ضد النظام، و إن تلك الأستراتيجية اى أستراتيجية تدمير الشباب سوف تفتك بالجميع بدون إستثناء بما فى ذلك أبناء و أهل المسؤولين الإنقاذين. بالإضافة الى إن تلك الفكرة تبدو غبية نوعا ما.

إتخاذ الحرب كأفتراض يمكن ان تقدم تفسير معقول لتلك الجريمة الفريدة من نوعها فى تاريخ السودان، خاصة إن للحروب سجل طويل و سيئ فى أستخدام طائفة من الأساليب غير المشروعة ليس ضد الأعداء و حسب بل ضد الجنود لدفعهم بمزيد من الطاقة و القدرة على تدمير الأعداء، و المخدرات واحدة من تلك الوسائل التى أستخدمت في كثير من الأحيان لأجل إعداد الجنود للقتال. و تسهيل عملية غسل أدمغتهم و للتغلب على الاثار البدنية والنفسية الناجمة عن فظائع الحرب. ومن بينها عقاقير محرمة دوليا إلا لأغراض طبية أستخدمت لأغراض عسكرية لأجل التغلب على الإرهاق الناجم عن السير على الاقدام لمسافات طويلة و ثقل العتاد الحربى على أجساد الجنود فضلا عن قدرة تلك المخدرات على التعامل مع مشاكل عدم النوم و ألام الإصابات .

لقد كشفت جمعية الأطباء الألمانية، التي أجرت أبحاثا طبية على الفيلق الثالث عن حقائق مروعة، عن ان نظام هتلر أجبر الجنود الألمان ابان الحرب العالمية الثانية على تعاطي المخدرات للحصول على النشاط و القدرة على التحمل، كان العقار الذى يسمى (الميثامفيتامين) المعروف باسم (سبيد) يعتبر سلاح هتلر السري. حيث ساعد الجنود الألمان على التغلب على السير على الأقدام فى البرد القارس و لمسافات طويلة و ساعدتهم فى السيطرة على أجزاء واسعة من اوروبا. بما فى ذلك بلوغ الأراضي الروسية تحت وطأة الثلوج و الجوع..

اما فيما يخص التعامل مع الأثار النفسية للحرب ثبت إن بعض الجيوش درجت على تزويد المقاتلين فى الأحراش بالمخدرات للسيطرة على شعورهم بالذنب و هو أحد العوامل التى تفسر السلوك الوحشي و المفرط لدى بعض الجنود و أستمرارهم فى أرتكاب المزيد من الأعمال المروعة من غير اى أحساس بالذنب لأن تلك المخدرات تأثر على الذاكرة و تساعدهم على النسيان و على تبرير تصرفاتهم الوحشية ضد الأعداء لدرجة التلذذ من أرتكاب تلك الأعمال غير الأنسانية، و تساعدهم ايضا على السيطرة على القلق و الخوف و التوتر الناتج من بيئة الحرب.

بعد انتهاء الحرب فى فيتنام واجهت الأسر الأمريكية صدمة بالغة عندما أكتشفت ان وكالة المخابرات الأمريكية كانت تزود أبنائهم بالمخدرات التى كانت توفر فى الحانات و المواخير فى القرى و المدن بالقرب من المعسكرات، كان (الكوكوين و الهروين) أبان الحرب فى فيتنام فى متناول الجنود الأمريكان و بأسعار زهيدة، و كان ذلك السبب وراء عودة حوالى 85 ألف جندي ما بين متعاطي و مدمن الى الولايات المتحدة الأمريكية بعد نهاية الحرب فى فيتنام.

الأستنتاج المستخلص من القصص أعلاها و هو التفسير المرجح إن تلك المخدرات التى أستجلبت الى السودان ربما مواد تموينية و عسكرية ضرورية لصمود مليشيات الحكومة و جيشها فى حملة الصيف الساخن ضد المتمردين فى كردفان و دارفور، لقد أفشلت قوات الجبهة الثورية الصيف الحكومي مرارا و تكرارا بل كبدت القوات و المليشيات الحكومية خسائر فادحة خلال الأعوام المنصرمة ، لكن فى الآونة الأخيرة تمكنت مليشيات الدعم السريع من السيطرة على ( فنقا) واحدة من أهم القواعد العسكرية التابعة للجماعات المسلحة الدرافورية بالقرب من جبل مرة . و كبدت حركة العدل و المساواة خسائر فادحة فى معركة (قوز دونقو) الأخيرة.

و هنا يجب ان نلأحظ بعناية الجرائم الأخيرة التى ارتكبت بواسطة الجنجويد من حرس الحدود و الجيش السودانى، مثل جريمة الإغتصاب التى أرتكبت فى حق نساء قرية تابت و حرق شخص على قيد الحياة فى ميدان عام بقرية (فنقا) فى جبل مرة، بل قال العديد من المراقبين ان الجرائم الجديدة التى أرتكبت بواسطة مليشيات الدعم السريع أكثر وحشية و تنظيما من الجرائم التى أرتكبت أبان بداية الحرب فى دارفور الشيء الذى يلمح على أن تلك الوحشية ربما كانت تحت تأثير المخدرات. و هى وحشية تشابه تلك التى يتمتع بها اعضاء تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) التى كشف تقرير ل(مونت كارلو)ان المخدر المسمى (كابتاغون) هو ايضا وراء شراستهم و وحشيتهم غير المعهودة و نهمهم الجنسي الغريب.

لقد برزت قضية المخدرات فى وقت كانت قد زودت الحكومة تلك المليشيات بمعدات عسكرية حديثة و تمكنت من تجنيد الالاف من المخدوعين فى صفوف الدعم السريع ، لكن الجنجويد الذين يبتغون أموالا كما يؤكد تاريخهم الطويل فى الاغارة على المدنيين و النهب و السلب يفتقرون للعقيدة القتالية التى تمكنهم من الصمود امام استبسال عدوهم، خاصة انها المرة الأولى التى يواجهون فيها جنود الجبهة الثورية و ليس مدنيين عزل كما تعودوا سابقا. فى وقت كانت تسعى الحكومة جاهدة تبديد الخوف من أمكانية نسف المتمردين للأنتخابات .

كانت المخدرات المحلية التى تعرف ب(البنقو) تستخدم على نطاق واسع فى أوساط الجنود السودانيين أبان الحرب الاهلية فى الجنوب، لكن على ما يبدو إن المرتزقة من الجنجويد المخدوعين يحتاجون الى جرعات أقوى من (البنقو)، التى ربما تضع لهم فى الأكل او ماء الشرب من غير علمهم او بعلمهم لتبدد خوفهم و تمكنهم من تحمل شراسة القتال و نسيان أمالهم و عدم التفكير فى مصائرهم، فكانت منجزات العلوم العسكرية التى تمكنت من أنتاج انواع معينة من المخدرات تستخدم خصيصا لرفع كفاءة و عزيمة الجنود ربما هى الحل الذى لجئ إليه القادة العسكريين فى السودان.

و اذا صدق هذا التحليل سوف تكون كل الإجراءات الأمنية و القضائية التى أتخذت فى مواجهة تلك القضية بما فى ذلك إدعاء إبادة تلك المخدرات مجرد تمثيلية لتضليل الراي العام و التغطية على تلك الفضيحة المدوية، و فى الجانب الأخر تكشف الثقة المفرطة التى تظهر فى تصريحات قادة الإنقاذ حول إنهاء التمرد و فرض السلام بالقوة خلال هذا العام تكشف إن تلك المخدرات ربما قد حققت فاعلية عززت من الوضع العسكري لجنود الحكومة فى ميادين القتال.

محمد حسين

8 يوليو 2015

كيف تحبطى جريمة اغتصاب محتملة

r-scare1الدافع الأساسي وراء هذا المقال، هو صدمتي من قصص محاولات اغتصاب سيدات تربطني بهن صلات مختلفة، لقد جرت احداث تلك القصص المفجعة فى مدينة الخرطوم و ليس فى اقليم دارفور حيث يتم اغتصاب العشرات يوميا، و لولا المقاومة الشرسة التى ابدينها هؤلاء النسوة لكن الان ضحيات مثلهن مثل الالاف من اللائي فضلن الصمت تجنبا للوصمة فى مجتمع يجنح فى الغالب الى تجريم النساء، لذلك يأتي هذا المقال كمساهمة اضافية لجهود الأخرين الرامية الى الحد من العنف الجنسي ضد النساء، و هو أي المقال عبارة عن بعض النصائح العملية التى قد تساعد السيدات على احباط محاولات الاغتصاب العدواني. و كلمة عدواني هذه ضرورية لان هناك اغتصاب يحدث تحت التخدير او الاعتقال ..الخ. ما يعنيني فى هذا المقال هو الاغتصاب الذى يستخدم فيه الجناة العنف البدني للسيطرة على ضحاياهم.

و قبل الخوض فى هذا الموضوع الشائك و الحساس، يجب على الضحايا اللائي لم يحالفهن الحظ على النجاة من وحشية الجناة ان لا يحملن انفسهن مسؤولية وقوع تلك الجريمة النكراء، هي جناية قذرة مهما كان بالطبع ليست نتاج خطأكن او اهمالكن، اقول هذا و في ذهني العديد من التبريرات الفجة التى تحمل ضحايا الاغتصاب مسؤولية الاعتداء عليهن، بناء على حج قبيحة مثل اللبس الذى يسمى فاضح او الخلوة التى تسمى غير شرعية، و فى جميع الاحوال على اى ضحية اغتصاب التحدث الى الأقرباء او الاصدقاء للحصول على الدعم النفسي الضروري العاجل و الإبلاغ الفوري عن الجريمة بغض النظر عن العواقب الاجتماعية، لان إفلات ذلك المجرم من العقاب يعنى ان هناك ضحية اخرى تنتظر دورها فى التعاسة، ورغم ان اغلب ضحايا الاغتصاب من الإناث حسب الواقع الوحشي الا ان الذكور ايضا عرضة للاغتصاب خاصة الاطفال و تلك قصة اخرى..

يعتقد العديد من الناس ان الذين يرتكبون جريمة الاغتصاب هم فى الغالب أشخاص غرباء. لكن العديد من الدراسات التى اجريت فى العالم الاولى اكدت ان حوالى 60- 70% من مرتكبي جريمة الإغتصاب هم من المعارف سوى كانوا زملاء او أصدقاء او أقرباء. و السبب ان أغلب الذين يرتكبون جريمة الاغتصاب دائما ما يبحثون عن ضحايا بمعايير معينة. ضحية تثق بهم و لا تتوقع منهم الإعتداء عليها او ضحية ضعيفة، و ضعيفة هذه ليس بالضرورة بالمعايير البدنية، بل يشمل الضعف ايضا تدهور الوضع الاجتماعي و القانوني و الاقتصادي.

اذن لماذا المعارف هم الأكثر نسبة بين الذين يرتكبون جريمة الاغتصاب؟. يرجع السبب الى ان المعارف على الدوام محل ثقة توفر لهم فرصة التواجد فى الامكنة و الازمنة المناسبة. و اذا اخذنا السكن المشترك كمثال نجده يوفر للجناة شرطي المباغتة و المغافلة الذين يجعلان من الضحايا فرائس ضعيفة لا تقوى على المقاومة. لذلك تجد فى السودان ان اكثر الفئات عرضة للاغتصاب فى الحضر هن العاملات المنزليات و يختلف مستوى العنف ضدهن باختلاف ال( vulnerability ) حسب خلفيتهن الاجتماعية و وضعهن القانوني فمثلا. الأجنبيات اكثر عرضة للاغتصاب من السودانيات و هكذا. فقط على سبيل المثال، لكن فى الواقع يمكن يصادف ان يكون المغتصب او المتحرش حبيب، صديق.، أستاذ، مدير او أبن خال لان المغتصب شخص عادى ليست له خصائص مميزة.

الضحايا اللائي شاركنني قصصهن كن قد تعرضن لتلك المحاولات الصادمة من معارف و ان عامل الثقة كان حاسم فى ان يكن فى تلك الأمكنة و الأزمنة.، و غالبا ما تحدث مثل هذه الاعتداءات عندما يذهب الضحايا بثقة و حسن نية مع اشخاص من معارفهن للحصول على مساعدة، مثلا استئجار مسكن او مقر عمل جديد الشيء الذى يتطلب مشاهدة ميدانية للعقار قبل التعاقد، او زيارة هؤلاء المعارف فى أماكن عملهم بغية الحصول الى خدمة ما، وهنا التجريم المجتمعي المسبق للنساء فى السودان يوفر للجاني امتياز امكانية الافلات من العقاب لأن فى الغالب ان تصمت المغتصبة لأجل تجنب الإجابة على الأسئلة التجريمية، من شاكلة لماذا ذهبت الى ذلك المكان وحدك؟ و لماذا فى هذا التوقيت بالذات؟ و لماذا بهذا اللبس؟ ….الخ .

و اخطر تلك الأمكنة المكاتب الخاصة المحصنة بأبواب و جدران قد لا تتمكن معها الضحية المحتملة من الهرب، لذلك على السيدات فى مثل هذه الحالات مراقبة لغة جسد المجرم المحتمل،. قيل انهم دائما ما ينظرون الى المفاتن بشكل مفضوح، و يسيطر عليهم فى تلك اللحظات بعض التوتر و فقدان التركيز، كان يقول كلام غير مفهوم او كلام لا ينسجم و طبيعة العلاقة، و بعض منهم يدعى عطف و حنان مصطنعين خاصة اذا لديهم سابقة معرفة بان لتلك السيدة علاقات جنسية خارج النظام المتعارف عليه فى مجتمعاتنا، او على علم بمعاناتها النفسية الناجمة عن انهيار علاقة عاطفية او اى نوع من الازمات التى تحتاج الى نوع من السلوى و المواساة التى ربما تمنح ذلك العطف المصطنع تقدير من قبل الضحية المحتملة، او يحاولون ممارسة اساليب اخرى تساعد فى صناعة جو من السلام و الطمأنينة لكسب ثقة الضحية المحتملة و تبديد مخاوفها..

و هنا يجب عليك ايتها السيدة عندما تجدين نفسك فى وضع اجتماعي مماثل ان تكوني يقظة و فطنة بالإجابة دائما على سؤالين هما. هل يمكن ان يشكل هذا الشخص تهديد؟ و هل يمكن ان يكون هذا الموقع مسرح لجريمة اغتصاب محتملة؟، للإجابة على السؤال الأول يحب ان تستمرى فى النظر مباشرة فى عيون المجرم المحتمل لأن ذلك كما قال بعض الخبراء النفسيين يزيد من خوفهم و توترهم. فضلا ان النظر فى عيونهم مع التحكم فى لغة جسدك يمكنك من فضح اى محاولة منهم للتفرس فى مفاتنك او اتخاذ اى وضع هجومي و ان ذلك يجعلهم يغرقون فى التردد حول ما اذا يقدمون على ذلك اما لا.، و اذا شعرتي بعدم الأمان عليك ان تجرى مسح بصرى سريع للمكان و تحددي المنفذ الأنسب للهرب أذا ما حاول الانقضاض عليك و فى جميع الاحوال حاولى ان تكملي مهمتك و مغادرة ذلك المكان على عجل..

فى أحيانا كثيرة يساء فهم النساء.، حيث يعتبر بعض الرجال الغنج الأنثوي نوع من الاشتهاء الجنسي المشتعل الذى يبحث عن من يطفئه، و يعتبر البعض الدلال الناعم نوع من الإغراء اما المهووسين بالدين يعتبرون الملابس الفاتنة ابتذال و دعارة على قارعة الطريق. و هنا لا ارغب فى قمعكن سيداتي بحجة الحماية من الاذى كما يفعل ادعياء الحجاب بقولهم المشهور ( لا يحط الذباب إلا على الطعام المكشوف).. لا تنصتي لتلك الترهات و تغييري طريقة لبسك او نمط مظهرك بحجة تفادى الاغتصاب و مع ذلك كونى حريصة. لقد وجد فى الولايات المتحدة ان مظهر النساء عامل حاسم فى انتقائهن كضحايا محتملات.، مثلا وجد إن نسبة كبيرة من الضحايا هناك هن من ذوات الشعر الطويل المسدل على الاكتاف و السبب ان شعرهن يساعد الجناة فى السيطرة عليهن اثناء الاعتداء. و اللائي يرتدين الفساتين القصيرة أكثرهن استهدافا مقارنة باللائي يرتدين السراويل (البنطلون) إذن من الواضح فى المثالين السابقين إن تلك الاعتداءات ليست ذات علاقة بالفتنة (attraction ) كما يظن البعض بل لأسباب ترجع الى تقديرات الجناة الذين يعتبرون انواع معينة من الملابس و الاشكال تسهل عليهم اغتصاب الضحايا بمخاطر و جهد و زمن أقل.

يفهم العديد من الرجال تجاهل محاولاتهم لإغرائك او لفت انتباهك نوع من القبول الضمني لذلك يجب عليك صد اى اغراء غير مرغوب فيه مبكرا و بشكل حاسم لأن العديد من الجناة كانوا لا ينوون ارتكاب جريمة الاغتصاب فى البداية لكن رفض عروضهم فى وقت متأخر يجعلهم يبدوا كمتحرشين جنسيا و ان ذلك يصيبهم بالإحراج الشديد الذى ربما يدفعهم للانتقام منكى. كذلك هناك قطاع واسع من الرجال فى الخرطوم يفهمون ان البنت المنفردة التى تطلب من قائدي السيارات توصيلها فى طريقهم هي عاملة جنس، فالعديد من السيدات يتعرضن للتحرش الجنسي بسبب ذلك التعميم غير الكريم فى حق النساء. إياكن و إياكن و العلاقات العابرة مع الغرباء، هل سمعتن بالفتة، الفتة هى اغتصاب سيدة بواسطة مجموعة من الرجال، بعد استدراج السيدة و موافقتها على ممارسة الحب الرضائي مع احدهم تتفاجأ ان هناك اخرين يرغبون فيها، يستغل هؤلاء الجناة مفاهيم العار و الوصمة و الشرف السائدة فى المجتمع للإفلات من العقاب من خلال معرفتهم بتفضيل  الضحايا للصمت خاصة ان هذا المجتمع و انطلاق من تلك المفاهيم يجرم النساء تلقائيا حيث لا مجال لهن للحصول على الإنصاف.

اما اذا فشلت جميع التدابير و قدر لك ان تتعرضي لمحاولة اغتصاب و ليس هناك اى سبيل للهروب، دافعي اولا عن نفسك سلميا، ليكون العنف خيارك الأخير، أولا جربى الكذب كوسيلة ثبت نجاعتها بتخليص بعض النساء من مغبة الاغتصاب. مثلا كأن تبدى عدم ممانعة لكنك لست مستعدة لممارسة الحب الان بسبب الطمث او إنك على استعداد لممارسة الحب لكن فى ظروف أفضل من الوضع الحالي او اى شيء يبدو مقنعا. فى حال فشلت الوسائل السلمية هنا يمكنك المقاومة كالكلب المسعور أستخدمى كل قواكى.، أصرخى بصوت عالي، أضربى و أركلى بالتركيز على استهداف المواضع الحساسة فى الجسد مثل العيون و الوجه، جانب الكليتين، تنفيذ حركة كسر الأصابع او حركة الإخصاء و غيرها من الحركات القتالية البسيطة التى قد تنجيك من الذئاب.

لقد طورت العديد من البلدان و الهيئات و الاشخاص المهتمين بالحد من جرائم الاغتصاب طائفة من الأساليب الدفاعية النفسية و البدنية التى قد تمكن الضحايا المحتملين من إحباط اى محاولة اغتصاب. و من بين تلك الوسائل أدوات دفاع أمنة و سهلة الإستخدام و فعالة، مثل بخاخ الرذاذ الذى يفقد القدرة على البصر مؤقتا.، او الصاعق الكهربائي الذى يشل الحركة مؤقتا او تطوير مهارات النساء الدفاعية . لكن للأسف جميعها غير متاحة فى السودان فى الوقت الحالي، لذلك يمكن للنساء السودانيات ان يستخدمن ما يجدنه مناسب من أدوات بشرط ان تكون سهلة الحمل و الإستخدام و غير مسببة للأذى الجسيم و المفرط.، و الأهم من ذلك إجادة و إتقان استخدام ذلك السلاح، لان فشلك فى استخدامه ربما يتمكن الجاني من السيطرة عليه ومن ثم استخدامه ضدك.، فالمشكلة ليست فى اقتناء أداة دفاعية و انما فى استخدامها بفعالية.

من المؤسف يلاحظ فراغ رسمي و مدنى كبيرين فى السودان فيما يخص جهود الحد من العنف الموجة ضد النساء لعوامل عديدة لا ارغب فى اثارتها هنا، لكن الواقع يفرض على المجتمع المدنى ضرورة تطوير برامج فعالة و واسعة الانتشار تساهم فى الحد من العنف القائم على ساس النوع خاصة الاعتداءات الجنسية.، برامج مثل إكساب النساء المهارات الدفاعية الضرورية.، الدعم النفسي و الاجتماعي و الاستشارات القانونية خاصة ان العديد من النساء ضحايا الاغتصاب يفضلن الصمت تجنبا للعار و ان اغلبهن غير مدركات بحقهن فى اجهاض الجنين ثمار الاغتصاب حسب القانون.

لا يجب عليك السير مع القطيع

You don’t have to go with the crowd

قصة عارضة الازياء العالمية اليك ويك من دولة جنوب السودان._46443189_alekwek_getty766

نشر فى صحيفة الغارديان البريطانية فى. ٢٨ مارس ٢٠١٤.

الجزء الاول.

ترجمة محمد حسين.

كان عمر إليك ويك ١٩ عاما عندما تم اكتشافها بواسطة احدى افضل الوكالات فى لندن في معرض في كريستال بالاس بارك. تتذكر والدتها، كان امر مرعب، عندما كانت تفكر فى ان ابنتها على وشك أن تصبح فتاة الصفحة الثالثة. تضحك بصوت عالى: “كان علي أن أذكر أنني لم يتم تنشأتى لأجل ذلك“. ويك واحدة من أكثر العارضات الناجحات خلال العقدين الماضيين، وقد ورثت طول والدها وأطرافه الطويلة للغاية، و عظام الخد من والدتها و ارداف صغيرة وابتسامة عريضة، لكنها لم تكن حقا تمتلك خامة الفتاة البراقة . و رغم ذلك استمرت الوكالة فى تبنيها، وأخيرا أقنعوا والدة ويك بأن هناك وكالة ذات سمعة ترغب فى توظيف ابنتها، وان ابنتها سوف تبدأ حياة مهنية حافلة.

ذهبت إلى نيويورك، مكثت هناك بالكاد أسبوع واحد، حجز (رالف لورين) لها لتفتح وتختم المعرض الذى عادة ما يفتح و يختم بواسطة عارضة ازياء كبيرة و ليس مبتدئة. عارضات امثال كالفين كلاين، إيزاك مزراحي، تود أولدهام وآنا سوي. لقد تم إعتماد ويك كنجمة في معرض العين الذهبية و اختيرت موديل العام من قبل مجلة الهوية، و في عام ١٩٩٧ و بعد أقل من سنة من بادية مشاورها المهني، أصبحت أول موديل أفريقية تظهر على غلاف مجلة ايل..

ولدت ويك في جنوب السودان، و عندما وصلت إلى لندن كان عمرها ١٤ عاما، وكانت واعية انها مختلفة عن عارضات الازياء البارزات فى ذلك الوقت، سيدات امثال كيت موس، كلوديا شيفر ، وإيفا حريكوفا. وقالت اليك عندما كانت فى السودان كانت لا تعرف امثال إيمان وغريس جونز. “لم يكن فى مسقط رأسي أدنى حد  من المعرفة بالموضة و معارض الازياء ، وتقول ويك. “لم تكن هناك مجلات. لم أرى أبدا نساء يضعن المكياج، أو يصففن شعرهن فى قصات مختلفة. قطعا لا.” الآن، كما تقول، هناك العديد من الفتيات القادمات من جنوب السودان يعملن كعارضات و ان ذلك لم يعد امر ذى شان كبير .

في أواخر التسعينات كانت اليك واحدة من بين العارضات الافريقيات القليلات اللائي كتب لهن النجاح. ” كان هناك عارضات سوداوات، ولكن لم تكن واحدة منهن من ذوات البشرة الداكنة مثلى، و قطعا لا يملكن صفات الدينكا، وهذا أمر مؤكد“. و مع ذلك، كنت دائما مخطئة بشان نوومي كامبل، وهى عارضة مختلفة المظهر تماما من استريتهام” امها جامايكية المولد. تضحك على هذا السخف : “إن المرأة السوداء ليست نموذج، لم تكن لدى رغبة فى تقلد الوظائف التي تطلب خصيصا فتيات سوداوات، ماذا بحق الجحيم، هل تشعر بالراحة عندما تقول ارغب فقط فى توظيف فتيات بيضاوات، أو..؟ لاتينيات؟ هل تمزح معي؟ انا محتارة “.

في الوقت الذي كانت تعتبر العارضة السوداء تجاريا أكثر قابلية للاستمرار إذا كان شعرها مسدل، و فاتحة البشرة، اما بشرة ويك داكنة جدا، وقصة شعرها طبيعية ، كانت اليك واثقة من ذاتها. لقد قابلت العديد من العارضات الناجحات، وعندما أسالهن عما اذا كن يعرفن سلفا انهن جميلات، كانت اى واحدة منهن ترمقني بنظرة رعب وهمية قبل ان تعدد صفاتها القبيحة فى سن الطفولة، قدمين كبيرتين ، قامة طويلة جدا، و غيرها من الصفات الخرقاء، ولكن عندما طلبت من ويك، أجابت على الفور: “أوه نعم، بالطبع انا جميلة.

UNITED STATES - SEPTEMBER 20:  Model Alek Wek sports an outfit from the new Peter Som collection during show at the Metropolitan Pavilion on W. 18th St. as part of Spring Fashion Week 2003.  (Photo by Pat Carroll/NY Daily News Archive via Getty Images)هناك جدل بشان ثقتك فى نفسك، يقال انها نتاج لتنشئتك فى بيئة معتمة اعلاميا، حصلنا على الثقة من والدتي كما تقول اليك، اليك واحدة من بين تسعة اطفال، قالت لنا والدتي ان الاحتفال بجمالك كونك امرأة … هذا ما يجعلك رائعة. يتعرضن عارضات الموضة للانتقاد بشان مظهرهن اكثر من الاخرين، يركز الوكلاء و المحررين و المصورين على انتقاد صفات العارضات الخلقية علنا. “يمكنك أن تشعر بقوة أن أحدهم لا يحبك. وأعتقد أن أي عارضة موضة من اللائي ليست لديهن نفس نوعية تنشأتى سوف يجدن الامر صعب جدا، رغم معرفتي بانني مستهدفة، لكن لم افكر ابدا فى أنني قبيحة لم يخطر في ذهني “.

منذ البداية، جذبت آخر صيحات الموضة والأزياء الراقية اهتمام اليك بحماس وليس الاتجاه الموضة السائدة تبنى خط صيحات الموضة كانت الخطوة الاكثر شجاعة، كما تقول. “عندما بدأت، كنت أسمع الناس يقولون :” الله، ان مظهرها مختلف جدا، لأنني لا ابدو كمثل بنت الجيران، ولكن كنت فقط عادية. كنت مثل بنت الجيران. كان هناك اناس في حياة آخر صيحات الموضة يمكن أن انتمى اليهم، اولئك الذين يفعلون شيئا أكثر إثارة للاهتمام وليس تلك الاحاديث القذرة “.

كانت طفولتها المبكرة سعيدة، و امنة. “كانت حياتنا بسيطة للغاية. لا مياه جارية ولا كهرباء. كنا نجلب مياه الشرب من البئر ، وكان الحمام عبارة عن حفرة. كانت أمي تدبر شئون المنزل، ولكن إذا حدث أشتكينا من شيء ما، كانت تطلب أمى ان ننظفه ، تضحك. ” كانت بلدة صغيرة، حيث الجميع يعرفون بعضهم. لم تكن لدينا أي فكرة عن اننا فقراء ، لأننا كنا أغنياء جدا في ثقافتنا و  وعينا. كنت أحب الذهاب إلى المدرسة، و اعرج فى طريق العودة الى أشجار المانجو لأتناول منها وجبة خفيفة“.

عندما كانت في الخامسة من عمرها، اندلعت الحرب الأهلية. في البداية أخفى والديها خبر الحرب عنها. “كانا يحاولان حمايتنا، ولكن تصاعدت الأمور إلى درجة أن الميليشيا بدأت تعتدى على الشرطة. وفجأة اختفي الجيران في ظروف غامضة . عندما تذهب لجلب الماء تشاهد الجثث على طول الطريق. كان قد فرض علينا حظر التجول، كانت توجه لنا صافرات الانذار التحذيرية باستمرار وكانت موارد و ذخيرة الشرطة قد نفدت، وأخيرا، قالوا يجب علينا اخلاء المنطقة. لم تكن هناك اى مساءلة. لقد كانت حالة من الفوضى و الرعب. “

أسرة ويك، جنبا إلى جنب مع الآلاف من المدنيين من قبيلة الدينكا، بداوا رحلة طويلة سيرا على الاقدام في عمق الأدغال بحثا عن الأمان. والدها الذي كان مريض و كان بالكاد قادر على المشي، كان محمولا ابان ذلك الهروب. لقد صادف موسم الأمطار و ان الجسر على النهر كان قد تم تدميره، و لذلك سافرنا على متن قوارب بدائية الصنع، وكان كل فرد من أفراد الأسرة يحمل شيء من متاعهم المنزلي : زجاجة ماء، قدر، وبعض المفارش. كانت ويك لا تقوى على السباحة، كان مرعب. “لقد كان أمرا مروعا، كما تتذكر. “كنا ناوى الى الأكواخ التى غادرها الآخرين، لتجنب الثعابين“. والديها، كانا من الجيل الأول في عائلتهم الذى ذهب إلى المدرسة، كانا قادرين على تحديد نوعية الأغذية البرية القليلة الصالحة للأكل من بين الغالبية السامة.

تمكنت ويك في نهاية المطاف من مقادرة الخرطوم لأن والدتها كانت تتاجر، كانت قد باعت كميات من الملح للناس في الأدغال. شيئا فشيئا، سخرت اموال الملح لاستخراج جوازات سفر لجميع أفراد الأسرة. اقترضت والدتها أيضا قطعا صغيرة من الأرض زرعت فيها الفول السوداني، كانت تحمصه وتطحنه بنفسها لتكسب مزيد من المال لتدفع ثمن هروبنا. كل يوم، كان صوت طائرات المساعدات الانسانية ترعب إليك و الأطفال الآخرين كانوا يهربون الى بيوتهم المؤقتة، حزموا أمتعتهم على عجل، و ذهبوا الى محبط الطائرة لتوسل المسؤول العسكري ليمنحهم مقعد. لقد سافر اولا والدها الذى كان في حالة صحية حرجة ، أملا في الحصول على العلاج في الخرطوم. و تمكنت أليك من الوصول إلى العاصمة بعد بضعة أشهر ، بعد ان اتفقت مع والدتها على ان تتظاهر بانها ابنة خال، كانت عائلة ويك كبيرة جدا للهروب الجماعى. وكانت قد بلغت الثانية عشر من العمر ،لحقت بهم والدتها بعد ثلاثة أشهر. بسبب ان والدها كان قد عانى من المرض، وتوفي قبل أن يتمكن من السفر الى خارج السودان.

وصلت ويك الى لندن بعد عامين، للعيش مع أخواتها في منطقة (هاكني) و لحقت بهم والدتها عندما كانت فى السادسة عشر. التحقت بالمدرسة الثانوية، على الرغم من أنها تحدث فقط العربية و لغة الدينكا. قالت انها لم تتعرف من قبل على مثل هذا الطقس البارد. كانت بالفعل فترة مربكة. “لقد كان حقا صعبا. الأطفال في مثل تلك السن يكونون متنمرين، خلال تلك الفترة، قبل ان اتعود على ذلك كنت أتحدث و ابدو مختلفة جدا، ولكن بعد أن تختبر جميع تلك الاشياء، حيث لا شيء كنت متيقنة منه من أي وقت مضى، أننى كنت ربما قد اقتل، كنت حرة وسعيدة جدا أن احصل على تعليم. لقد ركزت على ذلك كثيرا “. لقد تم تعينها فى وظيفة معلم للأشخاص من ذوى الاحتياجات الخاصة، وكانت فصيحة جدا فى اللغة الإنجليزية.

سالى هوكيس.

ترقبوا الجزء الثانى قريبا.

إكتساب المال من جرائم الإبادة الجماعية فى السودان

كيمبرلي هولينجسورث،image

ترجمة. محمد حسين و نجدة منصور.

حدث هذا قبل عام تقريبا عندما قال لى أحدهم: ” أشعر بالملل مع السودان إنه ليس المشروع الذى يدر المال كما توقعت له أن يكون، ولكن إذا رغبتي فى مساعدةأنا سوف اساعدك، فقط إذا كان بالإمكان أن نعمل معا بشكل وثيق و نلعب معا. و هذا بالضرورة في حالة تغاضيت عن تحرشه الجنسي، لقد حاول أن يقبلني عندما غادرت المقهى في منتصف النهار.

لم أتحدثت معه مرة أخرى ولم أحضر أى برنامج آخر نظم برعاية المؤسسة التعليمية التي إستخدمته. الشيء الوحيد الذي يبقي أن أقول : “أعتقد أن الدالاي لاما إرتكب خطأ عندما إختارك ك كمستشار لسنوات عديدة.”

لقد تعلمت أشياء قليلة جدا خلال الأربعة سنوات الماضية تقريبا بعد أن تركت وظيفتي المرموقة والأمن الشخصي الذى توفره لي لم أكن أعتقد أنه سوف يستغرق وقتا طويلا لإنهاء الإبادة الجماعية خلال حياتي وحشد الدعم لإنفاذ أوامر المحكمة الجنائية الدولية التى أصدرت أمر إعتقال الرئيس السوداني عمر البشير بتهمة إرتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وجريمة الإبادة الجماعية . ولكن يبدو أن هناك مقاومة قوية من صناع القرار داخل المجتمع الدولي.

بعض الأشياء التي تعلمتها

حاول الأمين العام السابق للأمم المتحدة، كوفي عنان، إسكات موكيش كابيلا، رئيس الأمم المتحدة في السودان، عندما طلب منه كابيلا أن يفعل شيئا حيال الإبادة الجماعية التي تحدث في دارفور. لحسن الحظ، أن كابيلا متمرد قليلا فأطلق الصافرة في عام 2004.

و أنقذوا دارفور كانت أكبر تحالف امريكي يكافح من أجل إنهاء الإبادة الجماعية؛ جمعوا الكثير من المال بإسم دارفور، ولكن أين ذهبت تلك الأموال؟ هل قدمت مساعدة مباشرة للنازحين في السودان؟ أم، سخرت التبرعات بصفة رئيسية لتمويل حملات المناصرة و دفع الرواتب؟ و، أين هم الآن بينما العديد من سكان دارفور ما زالوا يعيشون في مخيمات اللاجئين لأكثر من عقد من الزمان؟

عندما كان الرئيس الأمريكي أوباما يتنافس لأجل ولاية ثانية، قال لي العديد من الناس بأن أوباما أوعز على جورج كلوني بالتوقف عن الحديث عن السودان، أنت تحرجنى.” و لازالت الإبادة الجماعية ضد الشعب في جبال النوبة وجنوب كردفان، وضد الشعوب في ولاية النيل الأزرق مستمرة لسنوات أين كلوني الآن؟

إذا كان ندم بيل كلينتون الكبير هو عدم التتدخل أبان أحداث الإبادة الجماعية في رواندا التي راح ضحيتها مليون شخص في 100 يوما، كيف لباراك أوباما أن يتمكن من أن ينام هادئ البال عندما تنتهي فترة رئاسته؟ سوف تكون ثماني سنوات من إمتلاك السلطة للإيفاء بالوعود التي وعد بها عندما كان عضو بمجلس الشيوخ الأمريكي. و في وقت لاحق رئيس الولايات المتحدة. لقد سألنى العديد من الفئات السودانية المهمشة لماذا أوباما صامت جدا بشأن السودان. لدي بعض الأفكار، و لكن الثابت أن هنالك أرواحا فقدت بالفعل في عهده.

و في أكتوبر عام 2014، أكثر من 200 من النساء والفتيات تعرضن للاغتصاب الجماعي من قبل جنود الحكومة السودانية في هجوم منظم علي تابت، وهي قرية في شمال دارفور، و لقد قامت اليوناميد بما ظلت تفعله لسنوات و هو التلاعب بالتقارير الرسمية المقدمة إلى العامة لحسن الحظ قبل جريمة الاغتصاب فى تابت ، في أبريل عام 2014،كانت قد كشفت عائشة البصري عن دليل اثبات للعلاقة بين اليوناميد و الخرطوم و صناعة الأكاذيب.

حاولنا الدفع بإجراء تحقيق مستقل في اليوناميد و إدارة عمليات حفظ السلام، لكن مجلس الأمن الدولي أفشل جهودنا في ديسمبر عام 2014، تماما كما فشل بان كي مون سابقا بشأن دارفور، وتحديدا أبان قضية النساء والفتيات في تابت، كان بان كى مون مشغولا بتعزيز حملة الأمين العام للأمم المتحدة ، إتحدوا لإنهاء العنف ضد المرأة“. اذا كان بان كي مون قد سمح بإجراء تحقيق مستقل بدلا من تحقيق اليوناميد الداخلي الضعيف في الصيف الماضي، لكان ربما حال دون وقوع جريمة الإغتصاب فى تابت.

و في الآونة الأخيرة، قررت الولايات المتحدة تطبيع العلاقاتمع الخرطوم، و كانت هناك دلائل علي ذلك والتي تتمثل في: دعوات وتأشيرات غير مقيدة لأعضاء نظام البشير لحضور صلاة الإفطار الوطني،و جدولة إجتماعات مع وزارة الخارجية، و رفع العقوبات من قبل وزارة الخزانة الأمريكية، وآخر المواقف الصادمة ظهور وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في صورة جماعية تم إلتقاطها في مصر وهو يرسم علي وجههة إبتسامة عريضة و يقف مباشرة خلف الرئيس السوداني البشير. المتهم من قبل المحكمة الجنائية الدولية.

وقد أشيد بالبشير لجهوده في تسهيل محادثات السلام بين رئيس جنوب السودان سلفاكير ونائب الرئيس السابق له، رياك مشار، بينما يعلم الجميع في دائرة المنظمات غير الحكومية أن البشير كان قد قدم الأسلحة لكلا الطرفين.

إرتكب البشير أول إبادة جماعية في القرن ال21، و فيما يتصل بالوضع في دارفور. يستخدم البشير الرصاص والقنابل والحرائق، والاغتصاب كأسلحة حرب، و هي تستخدم حقا كأسلحة إبادة جماعية، إضافة لنقص الغذاء والماء والتعليم والعلاج، والأمن.

العديد من الناشطين الذين كانت تركز جهودهم على إنهاء الإبادة الجماعية أوقفوا نشاطهم في حركة إنهاء الإباة الجماعية و توجهوا للعمل في قضايا أخرى مثل حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين، والإتجار بالبشر، و السيطرة على السلاح، وحماية المدنيين العزل، لقد سألني مرارا تكرارا السودانيون في الشتات، واللاجئين والمشردين داخليا في المخيمات عن لماذا مازلت موجودة مع القلة المتبقية من الناشطين غير السودانيين في المسيرات و النضال معهم لإنهاء المعاناة في السودان.

فأجبت بأن: “هناك الكثير من هؤلاء النشطاء و قد ظلوا يعملون لسنوات، ولكن استنفدت طاقتهم. و هذه واحدة من أسوأ الأشياء التي يمكن أن تحدث لناشط، هو أن تشعر بأنك غير فعال. وسوف تكون العودة عندما يتمكنوا من المشاركة في اعمال فعلية تمثل جزء من استراتيجية طويلة المدى “.

بدلا من التركيز على ما لا أستطيع فعله أركز علي تمكين المجتمع السوداني. فأنا أعمل مع الشتات على أنشطة خطاب جماهيري، وأقوم بتدريب مجموعات من الناس على كيفية إستخدام وسائل الإعلام الإجتماعية. وإنه لمن المثير حقا أننا نستخدم التكنولوجيا للتواصل مع الناس الذين يعيشون في معسكرات النازحين في السوان.

ليس أسوأ من أن يقال لكي، أنت إمرأة بيضاء غبية أنت تهدرين وقتك!” على الرغم من الصدمة و تسبب ذلك في إنهاء أحد صداقاتي، لكنني أدرك أنه لا بد من المحاولة. هنالك أوقات أشعر فيها برغبة في التخلي عن ذلك و التوقف عن فعل كل شيئولكن، لا أستطيع. ببساطة، الإبادة الجماعية امر غير اخلاقى و جميعنا يعلم ذلك.

نحن الذين ما زالت لديهم القدرة علي الأستمرار في الصمود، لأنه هو الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله. و أنا شخصيا أطلق علينا (الصامدون في ساحة المعركة)، ما زالوا يموتون، لا يزال يتم إغتصاب النساء والفتيات، و لا يزال يرمي بالاطفال الرضع في النيران المشتعلة. والرجال يقتلون ويحول الأولاد الى أطفال مجندين.

الإبادة الجماعية ما زالت مستمرة و هنالك ما يمكنك القيام به حيال ذلك.

كيمبرلي هولينجسورث، هى مؤسسة منظمة الإنسانية هى نحن“.التى تنشر التوعية حول الجرائم التى ترتكب ضد الإنسانية و توفر موارد يمكن الإعتماد عليها لحماية الانسانية. و تغطي نشاطاتها مجالات الإبادة الجماعية و العنف ضد الرجال و النساء و الإعتداء على الأطفال و اﻹتجار بالبشر.

Making Money Off Genocides in Sudan 

26 يناير 2015

الجنس الأكثر أماناً شرط تنموى

1362199527_condom2محمد حسين

تعمل جميع الحكومات الرشيدة على تعزيز الرعاية الصحية من خلال تطوير استراتيجيات الوقاية من الامراض لضمان الحق فى الحياة و صيانة المورد البشرى، و تهتم تلك التدابير الوقائية بتحسين البيئة و الخدمات لتقليل الحوادث و مخاطر تفشى الامراض، من خلال اجراءات عديدة تشمل أيضاً تغيير السلوك عن طريق التشريعات او التوعية.و تاتى الوقاية من الامراض خاصة المنقولة جنسيا فى مقدمة اولويات تلك الحكومات، باعتبار الجنس واحد من اقوى الغرائز البشرية فضلا عن كونه حاجة انسانية ملحة و ان ذلك جعله سبب مباشر فى تفاقم العديد من المشاكل المرتبطة بصحة الانسان.

و على الرغم من ان ممارسة الجنس خارج الاطر الاسلامية يعتبر حرام، الا ان ذلك لم يمنع المسلمين السودانيين من ممارسة الحب خارج الروابط الشرعية, ومع ذلك من الصعب الحصول على احصائيات دقيقة عن هذا السلوك الانسانى، الشىء الذى جعل البعض يستشهد بتزايد اعداد الاطفال الفاقدين للسند الوافدين الى دور الايواء مثل المايقوما فى الخرطوم، او بالاحصائيات التى قدمت مؤخرا بواسطة جمعية حماية المستهلك التى ذكرت ان هناك تقريبا نصف مليون عاملة جنس و مئة و خمسين مثلى الجنس فى السودان، و رغم عدم دقة هذه الأرقام الا انها ربما تصلح كمؤشرات لقراءة حجم الاثار الناجمة عن ممارسة الجنس بطرق اقل أماناً .

كما اننا لا نستطيع انكار ان هناك نسبة مقدرة من السودانيين و السودانيات المسلمين يمارسون الجنس خارج الروابط الشرعية سواء كان لاجل المتعة او البغاء، و المؤسف ان اغلب تلك العلاقات اقل أماناً، نتيجة للجهل بالوسائل الامنة او عدم توفرها بسبب السياسات الحكومية السلبية، رغم ان الوعي بتلك الوسائل و اماكنية الحصول عليه أفضل نوعا ما فى الأوساط الاكثر مدنية و معرفة.

و بالنظر الى معدلات الاصابة بالامراض المنقولة جنسيا مثل الايدز الذى سجل تقريبا اكثر من ٧٠ الف حالة فى السودان  حسب منظمة الصحة العالمية. ٢٠١٣، من بينهم حوالى ثلاثة الف سيدة حامل و اكثر من خمسة الف طفل. و بالرغم من ان هذه الاحصائيات اعتمدت على الكشف الطوعى و العرضى (الصدفة)، الا انها تظهر عن كارثة تنهش ببطء فى عظم الاقتصاد و المجتمع. و يرجع السبب فى ذلك الى توجهات حكومية اسلامية زائفة و وعى مجتمعى ضعيف بحجم تلك المخاطر.

و لتقريب الصورة للقارىء اكثر، زرت قبل سبعة اعوام مدرسة أساس مختلطة فى أطراف جنوب الخرطوم، كان اول ما لاحظت هو شبه خلو الفصول العليا (الثامن، السابع و السادس) من الفتيات، سالت احد الاساتذة عن السبب، قال يعود السبب الى ان اغلب فتيات المنطقة بما فى ذلك الطالبات يتعرضن للحمل بسبب نشاطهن الجنسى المبكر او الزواج فيضطرن على ترك المدرسة، حقيقة لم اتفاجأ من ذلك طالما الحكومة ترفض تضمين التوعية الجنسية فى المناهج الدراسية و تمنع توزيع اى مواد للجنس الأكثر  أماناً بين البالغين بناء على حجج سخيفة منها  ان ذلك بمثابة دعوة للاباحة.

حسنا، لن اتحدث هنا عن خطل تلك الاسانيد الحكومية و فى ذهنى ان الدين علاقة بين العبد و الرب لن يستطيع اى كان ان يتحكم فى تلك العلاقة، كذلك لن اتحدث عن حقوق الافراد فى ان يفعلوا باجسادهم ما يحلوا لهم بشرط ان لا يضروا احدا بذلك، و لكن الحقيقة ان السودانيين و السودانيات سوف يواصلون فى تلبية نداء أجسادهم رضيت الحكومة ام أبت، رغم ان ذلك النداء الجسدى يقتل الالاف منهم، و اذا كان الامر كذلك ما هى الغاية الاسمى من الحفاظ على حياة الانسان.

لا يوجد جرم اعظم من ان تترك المرض ينتشر فى وقت تمتلك فيه امكانية السيطرة عليه، لتضيع حيوات و مستقبل الالاف من الشباب من الجنسين، و يتعرض بذلك المجتمع الى خسائر كبيرة بالموت او المرض او الوصمة، و اقصد بالوصمة هنا الالاف من الفتيات النابغات اللائى يضطرن على مغادرة فصول الدراسة كثمن لعلاقة حميمة و ربما يدفع الحمل العديدات من اللائى خزلهن احبابهن على التخلص من تلك الثمار و فى احسن الاوحال ايداع موالديهن فى دور الايواء، ليتحول الحب الى جريمة مزدوجة تشمل الاجهاض او القتل او التخلى عن المولود.

دعونا نتخيل الخسائر الناجمة عن ممارسة الجنس الأقل أمانا، و هنا امنح القارىء فرصة ممارسة التخمين، كم عدد الذين معرضون للاصابة بالايدز و غيرها من الأمراض المنقولة جنسيا بسبب تلك السياسات الحكومية، و كم عدد الفتيات اللائى قد يتعرضن للحمل و يدفعن اثمان باهظة مقابل كارثة يمكن تجنبها باقل تكلفة، و كم حجم الانفاق على العلاج و اثر ذلك على دخل الاسرة و المجتمع و الدولة.

قد يقول البعض يجب ان ان يدفع المسلم العاصي ثمن عصيانه، نعم العفة شىء جيد و الاخلاص لشريك واحد امر فى غاية الاهمية، الا ان السودانيين و السودانيات ليسوا ملائكة و السودان ليس مدينة فاضلة. و من ناحية اخرى ان العلاج حق فبتالى الوقاية من المرض ايضا حق اصيل لا ينفصل عن حزمة الحقوق التى تبتغى صون حياة و كرامة الانسان.

التمييز الممنهج ضد النازحين فى الخرطوم

011gf

محمد حسين

التمييز هو المعاملة غير العادلة أو الضارة لفئة مختلفة من الناس، خصوصا على أساس العرق أو العمر أو الجنس او النوع او الخلفية الاجتماعية….الخو بناء على هذا المفهوم سوف اناقش السياسات الحكومية ضد المواطنين السودانيين الذين أرغموا على ترك مواطنهم الاصلية بسبب الحروب الاهلية، و العيش فى الخرطوم، وان اختيارى لمدينة الخرطوم جاء بوصفها مصنع السياسات الحكومية من جهة و انها المنطقة الاكثر جذبا للمشردين داخليا، لامتيازاتها العديدة دون المدن لعوامل تتعلق بالخلل التنموى و الخدمى كاحد افرازات الهيمنة المركزية المزمنة التى هى أيضاً احدى مظاهر التمييز القومى، والمسبب الرئيسى فى الحروب، و الفوارق المعيشية و الاقتصادية و الاجتماعية الشاسعة بين المواطنين من جهة و بين الاقاليم السودانية من جهة اخرى.

لقد تسببت الحرب الأهلية الأولى التى اندلعت فى جنوب السودان في نزوح ما يزيد على مليون سوداني جنوبي نزوحا داخليا، و أن نسبة قليلة منهم قررت حينها الهجرة إلى الشمال، مقارنة بما حدث في الحرب الثانية، التى تجاوزت باثراها المدمرة حدود الاقليم الجنوبي الى اجزاء من شرق السودان و النيل الازرق و جبال النوبة و زادت من اضرار تلك الحرب تزامنها مع ضربات القحط والجفاف فى منتصف الثمانينيات، فى وقت ضاعفت الحكومة من اعمال العنف في الجنوب متعمدة تشريد السكان الريفيين و تدمير اقتصادهم التقليدى، و مع توقيع اتفاقية السلام الشامل كان قد وصل عدد السودانيين الجنوبيين النازحين الى اربعة مليون نسمة، و حوالى نصف مليون عبروا الحدود الى دول الجوار كلاجئين فى كل من كينيا و يوغندا و اثيوبيا.

 وان اكبر موجات نزوح الدارفوريين نحو الإقليم الأوسط بعد الثورة المهدية كانت لاجل البحث عن حياة افضل بسبب اثار المجاعات و الانفلات الامنى الناتج عن عجز الحكومة المركزية فى بسط الامن و ان اغلب اولئك النازحين كانوا قد اشتغلوا كعمال فى المشاريع الزراعية او عمالة هامشية فى المدن، بما فى ذلك الخرطوم، الا ان اعدادهم ازدات بشكل مضطرد بعد ان اعلنت جماعات دارفورية تمردها على الحكومة المركزية قبل اكثر من عشرة أعوام، و بسبب اتخاذ الحكومة ذلك التمرد ذريعة لترتكب جرائم منظمة ضد المدنيين الافارقة قل ما تمارسها دولة ضد مواطنيها، فاستشرى عنف لازال يمارس على نطاق واسع فى دارفور اجبر فى نهاية المطاف المدنيين على الهرب من قراهم، فوصل عدد النازحين 2,5 مليون، و عدد اللاجئين بدولة تشاد فاق 260 الف حسب تقديرات الامم المتحدة فى سنة 2005.

ونتيجة لتلك الصراعات المسلحة و موجات القحط و اختلال التنمية أصبح لدى السودان تجمع من أكبر تجمعات النازحين داخليا في العالم بالتزامن مع توقيع اتفاقية نيفاشا، لقد قدّر مركز رصد النزوح الداخلي التابع لمجلس اللاجئين النرويجي وجود ما يقرب 5.8 مليون نازح داخلي في السودان في عام 2006، ومن بين هؤلاء، فى نفس العام قدرت منظمة الهجرة الدولية بأن نحو مليوني نازح داخليا يقطنون ولاية الخرطوم قبل وصول المشردين داخلين بسبب الحروب الجديدة فى جنوب كردفان و جنوب النيل الازرق..

يعتقد العديد من المراقبين ان الحروب السودانية هى حروب ذات جذور عنصرية، بالنظر الى هيمنة الأقلية على نظام الحكم منذ الاستقلال، و اختلال موازين التنمية بين الاقاليم التى منحت الجماعات المتمردة مشروعية القتال لأجل إنهاء التهميش و الاقصاء على اسس عرقية و مناطقية، او بالنظر الى انماط الحكومة فى شن تلك الحروب التى لم تستهدف المتمردين و حسب بل تعدتها لتستهدف الجماعات العرقية التى ينحدر منها قادة المتمردين بما فى ذلك تصدير العنف اليهم بعد ان هربوا الى دول الجوار و ان اولئك الذين احتموا بعرين النظام فى الخرطوم لم تشفع لهم سودانيتهم فى كبح جماح التمييز الرسمي ضدهم.

و باتت الاجراءات القمعية ضد النازحين الجنوبيين فى الخرطوم اكثر وضوحا فى عهد الانقاذ التى اعلنت الجهاد ضد المتمردين المسيحيين بالتزامن مع اعلان المشروع الحضاري، و هو مشروع ايديولوجى يهدف الى الغاء الحيز المعنوى و المادى للوجود غير الإسلامي و غير العربي فى العاصمة و اعادة صياغة السودانيين بشكل عام، لقد عبر عن المشروع الذى غرس بذرة تدمير السودان نخبة من العصبة كشفت عن خوف خبيث من الوجود الزنجي الطاغى في الخرطوم التى تحولت الى نيروبي او كمبالا اخرى فى اعتقادهم و سموا تلك الافريقية الطاغية على اطراف الخرطوم بالحزام الاسود، لقد انعكست تلك المخاوف فى شكل سياسات و تدابير جدية لاعادة انتاج سكان الحزام الزنجى او اضعافهم اقتصاديا و اجتماعيا و سياسيا، و كانت معظم تلك الاجراءات قامت على تمييز مفضوح مورس ضد النازحين من خلال انتهاك حقوقهم الاساسية  كمواطنين.

و لتوضيح الطابع المنظم لتلك الإجراءات غير المشروعة التى اتخذت فى مواجهة المهجرين قسريا فى الخرطوم سوف اتناولها من منظور المعايير الاساسية لحقوق الانسان التى نص عليها الدستور و طائفة من الاتفاقيات الدولية التى وقع و صادق السودان على العديد منها، و رغم ان التزام السودان بتلك الصكوك كان و لازال التزاما صوريا، الا ان ذلك لا يمنع من الكشف عن كيفية ارتكاب تلك الانتهاكات على اسس من التمييز الممنهج و الاجراءات المنظمة.

و فيما يخص انتهاك الحق فى السكن و الكرامة الانسانية. واجه النازحون فى الخرطوم سياسات مجحفة صنفتهم ضمن الفئة غير المؤهلة لتملك الأراضي وجعلت حق الحصول على قطعة سكنية حق حصري للذين سجلوا أنفسهم قبل عام 1996، كانت معظم الأراضي التي استقرت فيها الموجات الأولى من النازحين الجنوبيين قد اكتسبت قيمة تجارية كبيرة وارتفعت أثمانها و بحجة اعادة التخطيط و تحديد مواقع معينة للنازحين قامت السلطات بهدم الاف المنازل فى انجولا 1994، الحاج يوسف 1998، وسوبا 2010 و بعد ان حددت السلطات رسميا مخيمات للنازحين بولاية الخرطوم فى كل من مايو و جبل اولياء و سوبا جنوبي الخرطوم و دار السلام غرب امدرمان قامت السلطات للمرة الثانية بهدمها و نزعها بعد ان ارتفعت قيمتها السوقية بسبب تنامى المدى الحضري.

تسببت هذه السياسات الحكومية فى مواجهات دامية بين النازحين و القوات الامنية راح ضحيتها عدد كبير من النازحين و تعرضوا لمعاملة سيئة و تعذيب و عنف اشهرها تلك الحادثة التى وقعت بضاحية سوبا بعدما حاولت السلطات ترحيل سكان المنطقة و هدم منازلهم لصالح بعض الرأسمالية التى اغرت السلطات بأموال طائلة للحصول على اراضي البؤساء، تفجرت احداث سوبا يوم 19 مايو 2005، عندما قاوم السكان ومعظمهم من النازحين من الجنوب والغرب اجراءات الترحيل القسري و قتل فى تلك المواجهات 14 مواطن و لازال العشرات فى أعداد المفقودين بعد موجة الاعتقالات الواسعة، ان عنصرية و جشع الحكومة جعلت معظم النازحين فى الخرطوم الان يعيشون فى مساكن اضطرارية يتوقعون من الحكومة ان تتخذ ضدهم اجراءات قمعية فى اى وقت.

كما لوحظ ان الحكومة تتعامل بانتقائية فى تقديم الخدمات الاساسية مثل الكهرباء، المياة، التعليم و المرافق الصحية لبعض المناطق العشوائية بولاية الخرطوم بينما تحرم مخيمات النازحين من هذه الخدمات بحجة عدم التخطيط العمرانى و فى نفس الوقت نجد مناطق مثل الصالحة فى جنوب امدرمان او الكلاكلة المنورة و غيرها من الاحياء التى لم تخطط و لم يمتلك سكانها شهادات بحث مصدقة من سلطات الأراضي و رغم ذلك لم تهدم بحجة التخطيط كما هدمت مناطق اخرى مثل سوبا الأراضي و القرية و عد بابكر..الخ.

و لاجل احكام الضغط على هذه الفئات بغرض اجبارهم على الهجرة العكسية، طورت الحكومة اليات اخرى الغرض منها اضعاف تلك المجتمعات اقتصاديا او بالاحرى افقارهم، و من بين تلك الاستراتجيات الحرمان من الحق فى العمل و بطبيعة الحال يفتقر النازحون لجميع الشروط الضرورية للمنافسة فى سوق العمل ومع تجاهل السلطات لاحتياجاتهم كمواطين سودانيين اضطر اغلبهم على امتهان اى اعمال بما فى ذلك الاعمال غير الشرعية بحسب القانون المحلى، ليوفروا الحد الادنى من احتياجاتهم المعيشة، فاستقطبت صناعة الخمور البلدية والدعارة و التسول بعضهم لكن فى كل الاحوال كانت السلطات لهم بالمرصاد بدعاوى تطبيق الشريعة و محاربة المظاهر السالبة التى عرضت هؤلاء البؤساء لحملات من القمع و العقوبات المهينة و المذلة للكرامة الانسانية بما فى ذلك السجن فى ظروف قاسية مع الاعمال الشاقة.

و لتجنب مكر قوانين الحكومة و توفير حياة كريمة امتهن بعض المشردين داخلين فى الخرطوم انواع مختلفة من المهن الهامشية و الاعمال الشاقة و الانشطة الصغيرة المدرة للدخل، امثال الباعة المتجولين، بائعات الشاى، اطفال الورنيش، غسالين العربات و الفريشة، و رغم مشروعية تلك الاعمال الا انهم على الدوام مستهدفين ب(كشات) البلدية و ارهاق الجبايات تحت مبررات الارتقاء بالمظهر الحضاري او اعادة تنظيم و تخطيط الاسواق و المواقف العامة، اما الذين نجحوا فى الحصول على وظيفة لم تحميهم القوانيين من الاستغلال الذى دائما ما يكون بعلم السلطات التى تغض الطرف عمدا عن تجاوزات اصحاب الاعمال، مثلا يتعرضن النازحات فى ولاية الاخرطوم للسخرة كخادمات في المنازل و أن معظمهن يعملن بدون عقود أو من غير حماية قانونية من العمالة القسرية، و بعض هؤلاء النساء والفتيات تم استغلالهن جنسيا بما فى ذلك الجنس التجاري، اما الذين يعملون فى مجال اعمال النظافة او كعمال فى المصانع يحصلون على اجور اقل بكثير من الحد الادنى للاجور حسب القانون فضلا لتعرضهم باستمرار للإذلال و التقليل من شانهم بواسطة مرؤوسيهم.

يفرض العهد الدولى الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية و الثقافية، و اهداف الالفية التزامات على السودان من بينها مكافحة الفقر و خفض حدته و تمكين المواطنين من العيش الكريم و اللائق ….الخ، و رغم ذلك حرمت حكومة ولاية الخرطوم عن عمد سكان المحاجر فى كل من مانديلا و جبرونا و التعويضات الخ من البرامج الحكومية مثل دعم الاسر الفقيرة و التمويل الاصغر و مشروعات الأسر المنتجة و التامين الصحي المجاني او انهم لم يتمكنوا من الحصول عليها بسبب الاجراءات المعقدة و الضمانات العديدة و المستندات التى لم يتمكن فى الغالب هؤلاء البؤساء من الحصول عليها..

ان جميع تلك الممارسات التى يتعرض لها سكان الخرطوم غير المرغوب فيهم من قبل الحكام، هى بالاساس تدابير و اجراءات الغرض منها اضعافهم اجتماعيا و اقتصاديا لتحقيق الهدف الاكبر هو تفريغ العاصمة، خاصة بعد تنامى التوجسات الأمنية لدى الحكومة، بسبب الاحداث التى تلت مقتل الدكتور جون قرنق و هجوم حركة العدل المساواة على امدرمان و هبة سبتمبر، لقد اشار عبد الرحمن الخضر حاكم ولاية الخرطوم الى ذلك صراحة ذات مرة فى ثنايا رده على مواطني ولاية الخرطوم الذين اشتكوا من شظف العيش، فقال فيما معناه من لم يستطيع ان يدبر معاشه فى الخرطوم عليه العودة الى المكان الذى اتى منهاى عودوا الى حيث ينتظركم الجنجويد.

لازالت القردة الصغيرة لم تدخل لسانها!

I am slaveمحمد حسين

انا عبدة، عندما اصطف الرقيق المستجلب للتو امام السيدات الخرطوميات لانتقاء ما يناسبهن، نظرت اول سيدة الى السبايا اليافعات و امرت إحداهن، افتحى فمك! اخرجى لسانك! فتحت ماليافمها، فتراجعت السيدة الى الخلف و اشارت الى النخاس بما يفهم انها ترغب فى شراء مالياالتى لا زالت تفتح فمها، و بنبرة يملؤها كبرياء الاسياد قالت السيدة لصديقاتها، لازالت القردة الصغيرة لم تدخل لسانها. (the little monkey still got her tongue out ).قامت باداء شخصية ماليا فى الفلم التى هى مندى ناظر فى الحقيقة، الممثلة ونمى موساكوالبريطانية من اصل نجيري.

فى يوم 30 اغسطس 2010 راى النور فى العاصمة البريطانية لندن، فلم انا عبدةالذى استند على قصة حياة مندى ناظرالحقيقة . تكشف قصة الفلم عن مأساة فتاة سودانية فى الثانى عشرة من عمرها، تعرضت للاختطاف من قريتها في جبال النوبة فى السودان، بواسطة المليشيات العربية الموالية للحكومة، التى باعتها كخادمة منزلية لسيدة فى الخرطوم، وبعد ست اعوام من العبودية و سوء المعاملة ارسلت الفتاة الى لندن لخدمة احد اقارب السيدة. بعد ان اخذ منها جواز سفرها و هددت اذا ما ذهبت الى السلطات، انهم سوف يقتلون والدها المصارع باهالملقب بجاموس، و بالصدفة شاهدت “مندى” رجل اسود يمر من امام المنزل فى لندن، تحدثت اليه و فى نهاية المطاف تعاطف معها و ساعدها على الهرب.و تحدثت فى الهاتف الى والدها الذى عاد الى موطنه بعد ان اعياه البحث عنها فى الخرطوم .

على الرغم من جهد المدير قبريال رانج و المنتج اندروا و المؤلف جريمى بروك الجبار، لكن من المؤسف ان الفلم الذى لاقى رواجا فى بريطانيا لم يجد ادنى اهتمام من قبل منظمات المجتمع المدنى السودانية التى تملا الدنيا ضجيجا و تشدقا باسم حقوق الانسان. خاصة ان قصة الفلم تعكس واحدة من ابشع انواع انتهاكات حقوق الانسان التى ظلت ترتكب فى السودان على مدى اربعة عقود مضت، ابان الحرب الاهلية الثانية فى جنوب السودان و جبال النوبة، و كانت الفتاة مندىواحده من تسعة الف حالة (ص 14) موثقة من النساء و الاطفال الذين تم اختطافهم بواسطة مليشيات المراحيل و الفرسان، قبل ان تتمكن لجنة مشتركة من قبيلة الدينكا ولجنة القضاء على ظاهرة اختطاف الاطفال و النساء ( سيواك) من اعادة لم شمل ثلاثة الف فقط باسرهم بينما لا يزال مصير البقية مجهول .

و رغم اختفاء الرق التقليدى قبل وقت قريب فى السودان الا ان انماط جديدة من الاتجار فى البشر و العبودية المعاصرة استشرت بشكل اقرب الى الظاهرة. لقد تضافرت عوامل عديدة جعلت من السودان مصدر و معبر لعمليات الاتجار فى البشر، من غير حصر تشمل العوامل الناجمة عن تشرد المواطنين بسبب الحرب و العنف المنظم و انتهاكات القانون الانسانى الدولى بواسطة القوات الحكومية، او بسبب تفشى الفقر كاحد افرازت اختلال موازين العدالة الاجتماعية و الاقصاء المنظم فى السودان و عدم سيادة القانون فضلا عن تدفق اللاجئين من دول الجوار .

و على ذكر اللاجئين، لقد نشطت فى السنوات الاخيرة عصابات فى شرق السودان تقوم بخطف اللاجئين القادمين من شرق افريقيا الطامحين فى بلوغ اسرائيل عبر مصر او اوربا عبر ليبيا او الخليج عبر البحر الاحمر، و مطالبتهم بدفع مبالغ طائلة لفداء انفسهم او بيع اعضائهم . لقد ازدهرت التجارة فى البشر فى شرق السودان بعد ان تمكنت المنظمات الدولية من وقف استغلال المئات من اطفال الرشايدة كجوكيةفى مهرجانات سباق الهجن فى قطر و الامارات 369 طفل (ص1). التى كانت واحدة من ابشع صور الرق المعاصر. كان النخاسة من عربان الخليج يحرمون اولئك العبيد اليافعين من الاكل لتخف اوزانهم حتى لا تؤثر على سرعة الابل المتسابقة، و فى الوقت الذى كانت تقدر فيه قيمة جوائز سباق الهجن بملايين الدولارات كان الجوكية العبيد يتضورون من الجوع، لاجل الترفيه عن تلك القلوب القاسية التى تبتهح بمشاهدة طفل نحيف مربوط على ظهر جمل. فى منظر اعاد الى الاذهان ماضى جاهليتهم التى على ما يبدو لم يخلصهم منها تمدنهم الشكلى.

و الحقيقة الساطعة ان العديد من الوافدين و المواطنيين فى السودان هم ضحايا لممارسات تصنف من ضروب الرق المعاصر التى تشمل ايضا تجنيد الاطفال، فى العام 2004  كان هناك حوالى 17 الف (ص 320) طفل تم تجنيدهم فى صفوف جميع الجماعات و القوات المسلحة النشطة فى السودان بما فى ذلك قوات الشعب المسلحة و شرطة الاحتياط المركزى، و مليشيات الجنجويد، و جيش الرب للمقاومة الذى قاتل فى صف الجيش الحكومى بحوالى اثنين الف طفل ضد المتمردين فى الجنوب. جميعهم قاموا بتجنيد الاطفال واستخدموهم فى الاعمال القتالية المباشرة او فى ادوار مساعدة. و رغم ان عدد الاطفال المجندين انخفض الى 8 الف فى السودان بحلول عام 2008 كنتاج مباشر لاتفاقيات السلام التى وقعت فى نيفاشا و ابوجا و اسمرا الا ان تفجر الحرب مرة اخرى فى جبال النوبة و النيل الازرق. ربما زاد من وتيرة تجنيد الاطفال مجددا.

و المؤسف ان العمل القسرى او الإلزامي كما تعرفه منظمة العمل الدولية العمل هو اى أعمال أو خدمات تفرض عنوة على أي شخص تحت التهديد بالعقاب والتي لم يعرضها الشخص بنفسه طوعاً” تنطبق معاييره على العديد من السيدات النازحات او القادمات من شرق افريقيا اللائى يجبرن على اعمال الجنس التجارى داخل و خارج السودان، و الاخف بؤسا منهن يعملن خدم فى المنازل و المطاعم من غير عقود عمل او ضمان اجتماعى او تامين صحى او وصف وظيفى محدد او اجازات رسمية كما يشترط قانون خدم المنازل لسنة 1955 الذى هو نفسه فى حاجة الى تفعيل و تعديل حتى يلبى المعايير الاساسية لشروط العمل كما تنص اتفاقيات منظمة العمل الدولية .

ان اسوء انواع ممارسات العبودية تلك المرتبطة بالدين, لازال الالاف من اطفال الخلاوى فى السودان يعيشون فى ظروف صحية و غذاية غاية فى السوء و مع ذلك يتم استخدامهم بواسطة الشيوخ كعمال سخرة فى الزراعة بحجة توفير الغذاء للخلاوى التى تتلقى دعم سخى من دول الخليج، وفوق كل تلك الماسى العديد منهم يتعرضون للاستغلال الجنسى و الاغتصاب، و قصة الطفل ادمالذى انتحر فى احدى حرسات الشرطة فى الخرطوم قبل شهور ليست ببعيدة و حالات عديدة مماثلة لم تخرج للعلن، و يشمل كذلك زواج القاصرات تحت الدفوعات الدينية ابشع صور الاستغلال و السخرة الجنسية التى تنشا تحت غطاء عقد شرعى تفتقر الزوجة القاصر للاهلية الكاملة لابداء القبول او الايجاب بشكل مستنير و كامل الادارك .

وبالعودة لقصة مندى ربما لم يهتم الناشطين السودانين بفلم انا عبدةاعتمادا على نظرية المؤامرة او ربما هى الاخرى ترفع شعارات جوفاء، و هنا اقول لمن يقلل او ينكر حقيقة و حجم القضية التى اثارها الفلم، ان الرق موجود بيننا، نعم ربما ليس على نمط رواية الجذور و قصص التاريخ, لذلك سوف لن يجد احدكم فرصة مشاهدة رقيق مقيدين بالسلاسل و الاصفاد محشورين فى زرائب و حظائر من ثم يعترف، لان النخاسين الجدد طوروا اساليب مستحدثة للسيطرة على ضحاياهم، فحل اخذ الجوازات و الأوراق الثبوتية محل الاغلال، و التهديد بالقتل و الاغتصاب محل السلاسل، و الحرمان من الاكل او الاجر محل الاصفاد و الزرائب، و الكفالة محل مروض العبيد.

محمد حسين

الثانى من مارس 2015

البيضة و الحجر

reed-danceمحمد حسين

بعض من الذى فهمته من ميثولوجيا ادم و حواء هو ان انكشاف سوءاتهما كان اساس مسار المعرفة التجريبية لوظائف الاعضاء الحميمة فى جسد الانسان . و التى شكلت فيما بعد مدخل لنشوء الحميمية التى. اثمرت عن سلالات ورثت من اول زوجين بشريين فى الارض ذات المفهوم المرتبط بالعورة. و مع تطور انماط حيواتهم و لعوامل تتعلق بالبيئة و المناخ ابتكروا اساليب عديدة لمدارات كل الجسد او بعض الاعضاء الحميمة. استخدموا لاجل ذلك اوراق الاشجار و جلود الحيوانات و انتهت الى صيغة الملابس الحالية. و مع ذلك و رغم التمدن الذى نعيشه الان نحن السلالة الاكثر تطورا ما زالت العديد من الشعوب حتى الان لم يكتشفوا اى قيمة سلبية فى اجسادهم.

و مثال لهم اولئك العراة على نهر الامزون فى امريكا الجنوبية من شعوب “كامايورا و “يانومامى” الذين يعيشون فى سلام اجتماعي من غير ان يشعروا باى حرج ذو صلة بأجسادهم. تشاطرهم فى تلك الخصائص شعوب شبة عارية مثل “الحيبمافى شمال ناميبيا و “الزولا ” فى جنوب افريقيا و “الفولا” فى غرب افريقيا, وفى جنوب السودان حتى وقت قريب تعتبر بعض القبائل الملابس نوع من النفاق الاجتماعي و قناع لمدارة عيب بالجسم و بحسب ثقافات تلك القبائل يجب ان يكون بعض الجسد مكشوفا كنوع من الاعتزاز بكماله و جماله. بينما حتى الان نجد بعض القبائل الافريقية المسلمة فى النيل الازق و دارفور تكشف الامهات اثدائهن التى هى مصدر لغذاء الاطفال بما فى ذلك امام العامة حتى ينعم الاطفال المربوطين على ظهورهن برضاعة متواصلة اثناء الهجرات و الرحلات الطويلة. و ان ذلك لا يعد سفورا كما ينص قانون النظام العام فى مدن السودان.

و بالرغم من نمط حياتهم العاري جزئيا او كليا كجزء من هويتهم الثقافية تمكنت الشعوب المذكورة انفا من تحقيق امن اجتماعى و تسامح بين النوع مدهشين , تكاد تصل جرائم الاغتصاب و التحرش لديهم الى معدل اقرب الى الصفر، و يعود الفضل فى ذلك لوعيهم الراسخ. بانهم ليسوا بحاجة الى تبنى معايير مستجلبة تفرض عليهم النظر الى اجسادهم على انها سوأت. جنبا الى جنب مع عدم تمييز المرأة او التقليل من شانها، لان روابطهم الاجتماعية قائمة على صون النساء و الرجال معا من خلال تعزيز الثقة بين جميع افراد المجتمع.

00 yanomami-tz-01و بالنظر الى مجتمعات اكثر تحضرا نلاحظ بوضوح سيادة الروح التصالحية مع جسد المرأة. مثلا يلاحظ ان الرجل المتردد على شواطئ ريدو جانيرو فى البرازيل او ميامي فى امريكا لا تدفعه ملابس السباحة النسائية للتوحش كما تفعل الملابس النسائية الفاتنة برجال الشرق الاوسط. وهنا قد يقول البعض ان رجال الغرب يعانون من البرود الجنسي او ربما العجز بسبب مشاهد العرى المتكررة حسب الاعتقاد النمطي السائد بين بعض المسلمين عن الرجل الابيض او الغربي عموما. الا ان الواقع الماثل فى بلدان المسلمين يدحض هذا الادعاء خاصة بعد ان سجل الشرق الاوسط مؤخرا ازدهارا كبيرا فى سوق المحفزات الجنسية و احتلت العديد من بلدانه مراتب متقدمة فى قائمة المناطق الاكثر بحثا عن الجنس عبر وسائط الانترنت حسب جهات مستقلة.

اذن من الواضح ان مفهوم الحشمة او العورة تحدده المعايير الثقافية للمجتمعات. الشىئ الذى يجعل تلك الشعوب المتصالحة مع النوع تقاوم بشراسة اى محاولات تفرض عليهم  ثقافة تختزل مفهوم الشرف في جسد المرأة وتصور الانثى رمز لعفة متوهمة يجلب المساس بها عار ينسحب باثاره الاجتماعية المدمرة على العائلة و القبيلة ؟ .لذلك يصاب العديدين بالصدمة  و الحيرة من دعوات فرض معيار موحد لازياء النساء المسلمات فى مختلف بقاء الارض لان ذلك ببساطة يتعارض لديهم مع واقع التباين الثقافي و الاجتماعي و فروق الانماط الحياتية بين جميع شعوب العالم.

يعتقد المسلمون ان الحكمة وراء فرض الحجاب هى حفظ الاعراض و حماية المجتمع من التفسخ و التبذل و ان الستر طهارة للبدن و الروح و مظهر من مظاهر الايمان و ان تدابير وقائية مثل الالتزام بالزي المحتشم او الحجاب او الشرعى و منع الاختلاط و غض البصر و غيرها من اجراءات سد الذرائع و تدابير الوقاية بالمفهوم الإسلامي تعتبر ضرورية لتحقيق غايات السمو الروحي بالمجتمعات المسلمة. الا ان المراقب لواقع البلدان ذات الاكثرية المسلمة يلاحظ تنامى مطرد لممارسات تتعارض مع قيم و روح الاسلام. و ان ذلك النمو العكسى يحدث رغم القمع الفاشى و الوصاية العائلية. و هى نفسها تصلح للتدليل على فشل التدابير الدينية فى تحقيق مقاصدها، و يعود ذلك لسبب بسيط هو ان العفة و الاخلاق و الطهر قيم كامنة فى النفس البشرية كما ان مظهر الانسان ليس بالضرورة ان يكون انعكاس للنقاء و الايمان الساكنين فى دواخله .

و اذا كان الامر كذلك هل من المعقول ان يطلب من شعوب امنة اجتماعيا مثل “الحيبا” ان تتبنى ثقافة البيضة و الحجر اذا ما اشهروا اسلامهم. مثلا. اعتقد ان الاجابة لا، لان الغاية من الاسلام ليست تدمير قيم الرفقة الامنة و المتسامحة بين الرجل و المرأة فى جميع المجتمعات. كما ليست من غايات الايمان سحق الثناية الانسانية التى لا تختزل المرأة فى الجسد و لا تعتبر طبيعتها الفيسولوجية اثم او مسبة، لان السمو الانسانى الذى ينشده اى دين تحقق لدى تلك المجتمعات بمستوى اعلى مما لدى الرهبان و الكهنة.

.وبالرغم من اختلاف العديد من طوائف المسلمين حول اصول وفروع دينهم وصل بهم مبلغ تكفير و قتل بعضهم البعض. و لكن بطريقة مدهشة تجد اغلبهم يتشددون فيما يتعلق بمظهر المرأة كأنما الحكمة من الدين ان يتمسك الناس بالحجاب ظاهريا و يتجاهلوا سمو الوجدان الانسانى، الشىء الذى يعتبره دعاة تحرير المرأة اختزال مخل لمقاصد الشريعة. و هى ايضا  اى اختزال الدين فى المظهر محفز لتفشى انماط هشة من التدين تقوم على النفاق و الادعاء. لان العديد من المسلمين بسبب ذلك اغفلوا بداهة ان صلاح النفس البشرية يكمن فى وعيها و ضميرها ليس فى مقدار و طول التنورة او الخمار.

 

لوبيتا نيونج. الوردة لم تنقذنى لكنها ازدهرت فى دواخلى

لوبيتا نيونج تلقى خطبة القبول و الانضمام الى جمعية النساء السوداوات في هوليوود.

ترجمة. محمد حسين

lupita-nyong-o-academy-awards-208448_w1000ولدت الممثلة لوبيتا نيونج (Lupita Nyong’o) فى المكسيك فى الاول من مارس 1983 لابوين من كينيا. والدها البروفيسور و النائب البرلمانى بيتر نيونج كان قد عمل وزيرا للصحة. فى بلاده. و الدتها دورثىادارية مرموقة. تربت لوبيتا مع اخوتها الخمسة في كينيا و درست السنما و المسرح فى كلية هامبشير و حصلت على ماجستير فى الدراما فى جامعة ييلفي الولايات المتحدة . فى28 فبراير 2014، لوبيتا الحائزة على جائزة اوسكار لافضل دور مساعد عن دورها فى الفيلم المثير عبد لاثنى عشرعاما القت خطابا مؤثرا ، عندما تم تكريمها و الاحتفاء بها في حفل الغداء السنوى السابع لجمعية النساء السوداوات في هوليوود. لقد نشرت كلمة قبول عضوية لوبيتا على الموقع الرسمى لمجلة (ESSENCE) بالعنوان الثانى الموسوم اعلاه.المترجم

متن الخطبة.

كتبت هذا الخطاب الا اننى لم يكن لدي الوقت للتمرن عليه. لذلك ستكون هذه السانحة التى سوف اتمرن فيها. شكرا لك الفرى، لهذا التقديم و الاحتفاء المذهلين. وشكرا جزيلا لك على دعوتي لأكون جزءا من هذا المجتمع غير العادي. إنني محاطة من قبل الناس الذين ألهمونى، والنساء على وجه الخصوص، اللائى ظهورهن على الشاشة أشعرنى على نحو ما اننى مرئية و مسموعة و مفهومة. انها اسنسالتي نظمت هذه المناسبة للاحتفال بانجازاتنا المهنية خلال العام. مجلة الجمال التى تتعرف على الجمال ليس الذى نمتلكه و حسب، بل ايضا الجمال الذى ننتجه.

وأود أن أغتنم هذه الفرصة للحديث عن الجمال، الجمال الأسود، الجمال الداكن. وصلتني رسالة من فتاة و أود أن اشاركن جزء صغير منها: “عزيزتى لوبيتا، أعتقد انك محظوظة حقا أن تكونى بهذا السواد، الا ان خلال نجاحك هذا بين عشية وضحاها في هوليوود، كنت على وشك شراء كريم (Whitenicious Dencia ) لتفتيح بشرتى، عندما ظهرتى على خريطة العالم أنقذتينى“. لقد نزف قلبي قليلا عندما قرأت هذه الكلمات. لم يخطر على بالى أن وظيفتي الأولى بعد التخرج ستكون قوية جدا لهذا الحد على و على الاخرين، وأنها سوف تدفعنى لأن أكون صورة الأمل بنفس الطريقة التي مثلنها نساء اللون الأرجواني بالنسبة لي. ( The Color Purple اللون الأرجواني هى واحدة من اشهر الروايات الامريكية، حولت الرواية الى فلم عام 1985، تحكى معاناة النساء السوداوات فى الثلاثينيات ابان حقبة العبودية فى جورجيا بالولايات المتحدة) المترجم.

اتذكر مرة، كنت قد شعرت اننى لست جميلة. عندما اشغل التلفاز ارى فقط البشرة الفاتحة. تعرضت للاغاظة و السخرية بسبب لون بشرتى الليلى القامق. و كانت صلاتى الوحيدة لله و صانع المعجزات، هى اود أن استيقظ ذات صباح و انا من أصحاب البشرة الفاتحة، يشرق الصباح و أكون سعيدة للغاية بشان رؤية لون جلدى الجديد، كنت أرفض أن انظر إلى نفسي قبل ان اقف أمام المرآة ، لأنني أردت أن أرى وجهي الجميل أولا، وكل يوم واجهت نفس خيبة الأمل من كونى داكنة كما كنت عليه في اليوم السابق، حاولت ان اتفاوض مع الله، قلت له سوف اتوقف عن سرقة مكعبات السكر في الليل إذا أعطيتني ما أردت، و سوف اسمع كل كلمة تقولها والدتي، ولن أفقد سترتى المدرسية مرة أخرى، إذا ما جعلتنى فاتحة اللون قليلا. لكنى اعتقد ان كروت مساومتى لم تثير اهتمام الله، لانه لم يجيب دعواتى.

وعندما كنت في سن المراهقة، تفاقمت كراهيتى لذاتى نحو الاسوأ، كما يمكنك أن تتخيل ما يحدث فى فترة المراهقة، قالت لى والدتي في كثير من الأحيان انها تعتقد أنني كنت جميلة، الا ان ذلك لم يواسينى، لانها أمي، وبطبيعة الحال أنها من المفترض أن تعتقد أنني جميلة، ثم ظهرت اليك ويك” فى الساحة الدولية. (Alek Wek واحدة من اشهر عارضات الازياء من ذوات البشرة الداكنة و هى تنحدر من قبيلة الدينكا فى جنوب السودان) المترجم. عارضة ازياء مشهورة، و انها كانت داكنة كالليل، وكانت تظهر فى جميع مهرجانات العرض وفي كل مجلة والجميع كان يتحدث عن كيف أنها كانت جميلة.حتى أن أوبرا وينفرى” وصفتها بالجميلة الشىء الذى جعل منه امرا واقعيا.لم أستطع أن أصدق أن الناس كانوا يحتفون بامرأة تبدو كثيرا مثلي على انها جميلة. لون بشرتى كان دائما عقبة في طريقى. و كان غير متوقع التغلب علي ذلك!

أوبرا وينفرىكانت تقول لى لم يكن كذلك، كانت فقط حيرة، اردت ان ارفضها الا اننى بدات استمتع باغواء عدم الرضا، الا ان الوردة لم تنقذنى لكنها ازدهرت فى دواخلى، عندما شاهدت اليك ويك،من غير قصد رايت انعكاس نفسى، الشىء الذى لا يمكن ان انكره، الان ، لقد حصلت على الربيع، لاننى شعرت اننى مرئية اكثر، واكثر تقديرا من قبل حراس الجمال، لكن السائد هو من هم حولى كانوا يفضلون البشرة الفاتحة، اعتقد انها مهمة بالنسبة للناظرين، لازلت غير جميلة، والدتى مرة اخرى تقول لى، لا يمكن ان تاكلى الجمال، و كذلك هو لن يشبعك، كانت هذه الكلمات قد اقلقتنى و ازعجتنى، لم اكن افهمها، الا مؤخرا ادركت ان الجمال شىء لا يمكن اكتسابه او استهلاكه، كان الشىء الذى فقط وددت ان يكون كذلك.

و ماذا كانت تعنى والدتى عندما تقول لا يمكنك اكل الجمال­?. كانت تقصد لا يمكنك الاعتماد على منظرك لعتزيز ذاتك. الذى يقوينا هو الجمال الحقيقى الذى هو رحمة لنا و لمن هم حولنا. ذلك النوع من الجمال الذى يلهب القلب و يفتن الروح. هو الذى جعل (باتسىتتورط فى العديد من المتاعب مع سيدها (Patsey) هو اسم العبدة التى مثلت لوبيتا دورها فى فلم عبد لاثنتى عشرة سنة “) المترجم. و كذلك هو الذى جعل قصة حياتها حية حتى الان، علينا ان نتذكر جمال روحها حتى بعد ان تلاش جسدها بعيدا.

و ايضا اتمنى ان ظهورى على تلفازك و مجلاتك يقودك ايتها الفتاة الصغيرة فى رحلة مماثلة تشعرك بقيمة جمالك الخارجى. كما ايضا يغوص عميقا فيما يعنى كونك جميلة من داخلك، ليس هنالك قتامة فى الجمال..

محمد حسين

الثامن من فبراير 2015

هامش.

المعلومات الواردة فى المقدمة مصدرها بروفايل لوبيتا فى (IMDb) وبروفايل والدها فى (LinkedIn), و اسم المجلة اسنس (ESSENCE ) تعنى الجوهر او النواة و هو الاساس الذى يشكل الجسم او المادة و يحدد ما هيتها و يمنحها حتمية الوجود. عنوان الموقع الرسمى http://www.essence.com , وفى 24 ابريل 2014 اختارت مجلة بيبول” (People) لوبيتا كاجمل امرأة فى العالم .

ايمانويل جال. من قاع الجحيم الى رحاب الانسانية

قصة طفل الحرب و النجم العالمى السودانى الجنوبى ايمانويل جال.

تجميع و ترجمة. محمد حسين

Emmanuel-Jal ولد ايمانويل جال في عائلة من قبيلة النوير في قرية تونج بولاية واراب بجنوب السودان فى مطلع الثمانينيات كما يعتقد، و كان والده جال سايمون الشرطى السابق من اوائل المقاتلين الذين انضموا الى صفوف الجيش الشعبي لتحرير السودان بعيد اندلاع الحرب الأهلية السودانية الثانية، و عندما قتلت والدته المعاونة الصحية فى احدى غارات الجنود التابعين للحكومة السودانية كان ايمانويل قد اكمل سبع عاما، فقرر الطفل الصغير الانضمام إلى الآلاف من الأطفال المسافرين إلى إثيوبيا سيرا على الاقدام تفاديا للعنف, و خلال الرحلة الطويلة و الشاقة الى اثيوبيا تم تجنيد العديد منهم بما فى ذلك ايمانويل بواسطة الجيش الشعبي لتحرير السودان ،واقتيد مع اخرين إلى معسكر للتدريب العسكري في الأدغال في (ايواز)،و هو مركز تدريب عسكرى يتنكر في شكل مدرسة امام وكالات المعونة الدولية ، ولكن فى الواقع كان الأطفال هناك يتلقون تدريبات عسكرية جنبا الى جنب الفصول الدراسية.

قضى ايمانويل خمسة سنوات كجندى فى صفوف الجيش الشعبي لتحرير السودان في إثيوبيا، و فى اعقاب اندلاع الحرب هناك ، اضطر الالاف من الاطفال المجندين العودة مرة أخرى إلى السودان و انخرطوا مع الجيش الشعبي لتحرير السودان فى حرب شرسة لاجل صد هجمات جيش الحكومة السودانية ، و فى هذا الصدد. قال ايمانويل لبلوزاندسول كان العديد من الاطفال هناك يشعرون بالمرارة و كانوا يرغبون فى معرفة ما يحدث لهم. وجميعنا كنا نريد الانتقام“. لقد شكل اولئك الاطفال المجندين الفرقة المشهورة فى الجيش الشعبى لتحرير السودان ب(جيش احمرات) اى الجيش الاحمر.

و عندما أصبح القتال لا يطاق قرر ايمانويل مع بعض الأطفال الهرب لقد استمرت تلك الرحلة مدة ثلاثة أشهر، كان العديد من الاطفال ماتوا فى الطريق حتى وصلنا إلى بلدة واط، التي كانت مقر لمجموعة صغيرة ممن نأوا بأنفسهم عن الجيش الشعبي لتحرير السودان“. كما قال ايمانويل لبلوزاندسول. الذى كان واحد من ستة عشر طفل فقط نجوا طوال تلك الرحلة من بين اربعمائة شخص، و في منطقة واط  التقى ايمانويل بإيما ماكوين و هى عاملة اغاثة بريطانية متزوجة من رياك مشار احد القادة البارزين فى الجيش الشعبي لتحرير السودان، أصرت إيما ماكوين أن لا ينبغي لايمانويل جال ابن الحادى عشرة أن يكون جندي،و لاجل انقاذه تبنته ونقلته معها إلى كينيا و في نيروبي التحق ايمانويل بالمدرسة الا ان بعد بضعة أشهر توفت إيما ماكوين في حادث حركة مؤسف سنة ١٩٩٣، لكن اصدقاء ماكوين و هما مادلين بونتنك و انا ليدكرد ساعدا ايمانويل لمواصلة دراسته، و قبل ان يفيق من صدمة فقده لايما ماكوين تعرض لصدمة اخرى عندم رفض رياك مشار زوج ماكوين بقاء ايمانويل معه فى المنزل، مما اضطر للعيش في الأحياء الفقيرة فى نيروبى قبل ان يستقر فى معسكر (كليلشوا) للاجئين، وفى مطلع الالفية تم اعادة توطين حوالى اربعة الف من الاطفال الجنوبيين المشردين فى الولايات المتحدة الامريكية، ضمن عملية كبيرة و منظمة لاجل وضع لحد لمعاناة ما عرفوا فى دوائر الاغاثة باطفال السودان الضائعين ،  بينما استقر المقام بايمانويل فى كندا التى حصل بالفعل على جنسيتها.

كيف وظف ايمانويل الموسيقى لاجل التغيير

عانى ايمانويل العديد من الويلات و الماسى قبل ان يعثر في نهاية المطاف على الهيب هوب. “لقد اكتشفت فى هذا النوع من الموسيقى قوة لا تصدق، سواء كانت روحية او سياسية”.كما قال ايمانويل لبلوزاندسول، و بينما كان يدرس في كينيا بدا الغناء لتخفيف آلامه رغم انه لم يكن من ذوي الخبرة، و مع ذلك أصبح أيضا نشطا جدا في المجتمع. حيث جمع الأموال للأطفال المشردين. وبتشجيع من المحيطين به ، أصبح ايمانويل يشارك على نحو متزايد في الموسيقى و فى العديد من الانشطة المجتمعية و كانت اول اغنياته كل ما نحتاجه هو يسوع كانت قد لاقت نجاح و استحسان كبيرين في كينيا وحصلت على بث اذاعى في المملكة المتحدة.

عمل ايمانويل الذى وضع سلاحه جانبا فى توظيف موسيقاه لاجل توحيد المواطنين السودانيين، للتغلب على الانقسام العرقي والديني وتحفيز الشباب على تحدى واقع البؤس، قال بعد هروبى إلى كينيا وقعت في حب موسيقى الهيب هوب وفقا للنمط الذى يتناول القضايا التي يواجهها السكان المحيليين، تلك التي كان الهيب هوب قادر على تناولها بطريقة فريدة من نوعها”. وعلى الرغم من أنه كان يفتقر إلى أي خلفية او معرفة بالموسيقي الا انه يرى أن الهيب هوب يمكن أن يوفر له وسيلة أسهل وأكثر فعالية للتعبير عن قضاياه والضغط من أجل التغيير السياسي فى السودان و العالم اجمع..

إنتج ايمانويل البومه الأول، قوة وهو مزيج من الراب باللغات العربية والإنجليزية والسواحيلية و الدينكا والنوير، و يحمل العنوان رمزية عميقة لمفهوم الوحدة ، وتعني (قوة) على حد سواء السلام في لغة النوير و السلطة في اللغة العربية السودانية.وتوضح أغانيه تطلعات الشعب السوداني فى العودة إلى وطن مستقل و امن، و على الرغم من أن موسيقى الهيب هوب الوحيدة التى كان ايمانويل قد استمع اليها فى وقت مضى بينما كان في كينيا كانت موسيقى الهيب هب الأمريكية. لكن قوةليست مثل الهيب هوب الأمريكي المعتاد وإنما هى أفريقية جدا، وكانت رقم واحد في كينيا وظهرت على دليل الموسيقى لاجل مساعدة السودان مع اغنية ( يوم في الحياة) التى كانت احد افضل الاغنيات فى بريطانيا و التي دمجت مع قوة فى اسطوانة واحدة لمساعدة الأطفال في مناطق النزاعات برعاية منظمة طفل الحرب..

اما اغنيته التالية طفل الحرب هى مزيج من موسيقى الراب و السول التى كان الهدف منها إنتاج موسيقى عالمية .يخبر فيها قصته من خلال كلماته القوية أنا طفل الحرب، اعتقد اننى نجوت لسبب، لأحكي قصتي، لالمس الحيواتويتابع فى الأغنية سرد حياته والآلام التي لحقت به. كتبت الاغنية بالانجليزية اللغة الثانية لايمانويل و ربما تفتقر الأغنية الجديدة طفل الحربإلى السلاسة الشعرية للنجوم الأكثر طلاقة فى الهيب هوب، لكن رزانة الكلمات المنطوقة جزئيا مع الإفراط في مزج الهيب هوب بنكهة الايقعات الأفريقية مع التركيز على القصة بكلماته القوية تمكن من نشر ما عاناه و الذى مازال الكثيرون يقاسونه الآن.كما يقول

أطلق ايمانويل سراح ألبومه الثاني وقف إطلاق النار في سبتمبر ٥ ٠ ٠ ٢ ، وضم إعادة تسجيل لاغنية قوة“. و فى هذا الألبوم تعاون جال مع الموسيقار السودانى المسلم المعروف عبد القادر سالم وقدم الاثنين معا رفض للصراع المسلح فى السودان و وظفا تقاليدهما الموسيقية المختلفة لخلق أرضية مشتركة من الرغبة في احلال السلام في السودان. و يمثل التعاون بينهما رؤية للمستقبل بواسطة رجلين سودانيين، مسيحي ومسلم توحدا لتمهيد الطريق لتجاوز الخلافات سلميا. و شكل توحيد الاختلافات بينهما وبين الأنماط الموسيقية الخاص بهما فى عمل واحد رمزا للتعايش. لقد قدم الألبوم في أربع لغات دمجت كل نوع من أنواع الموسيقى في عمل احد في محاولة لتقديم صوت الأمل فى قالب موسيقي. وقف إطلاق النار ليس فقط صوت رجلين تعاونا على مشروع موسيقي، بل بات أكثر رمزية لنصفين لأمة مقسمة تحاولان ان تكسبا الثقة فى بعضهما البعض. وقد بثت نسخة الأغنية قوةفى المسلسل الامريكى لا توجد ملائكة هنا.

اصبح ايمانويل صاحب اللونية الفريدة فى الهيب هوب الممزوجة بطبقات الايقاعات الأفريقية واحدا من المع النجوم الصاعدة في المشهد الموسيقي العالمي.و فى حفلة في كورنوال حصل ايمانويل على جائزة الموسيقى الأمريكية في صيف عام ٥ ٠ ٠ ٢ . لأفضل فنان عالمى. كما غنى جنبا إلى جنب مع نجوم مثل ايمي واينهاوس و إيدي غرانت و ويل سميث وغيرهم في حفل ميلاد المناضل نيلسون مانديلا التسعين في لندن في ٧ ٢ يونيو عام ٨ ٠ ٠ ٢ . كما دمجت موسيقاه فى فلم الماس الدموى و الفلم الوثائقى الرب سئم منا. كما نشرت صورته فى اغلفة العديد من المجلات و الصحف العالمية امثال واشنطون بوست . نيوزويك . امريكا اليوم و اجرت معه لقاءات فى اكبر محطات التلفزة العالمية

تعرض ايمانويل لانتقادات بسبب تبنيه نمط غنائى يصنف على انه ضمن نطاق الهيب هوب، ويقول إيمانويل أنا لا ابتعد عن جمهور عالم الموسيقى الذى دعمنى“. ويواصل القول.” لا يزال هناك تأثير أفريقى في موسيقاى أنا لا أحاول أن أبدو امريكيا. اغنى الراب كشخص أفريقي لأن هذا هو ما أنا عليه الآن. مثلا في أغنية طفل الحرب، أقول نجوت لسبب لأحكي قصتي، أعتقد أننى أشعر بمسؤولية لاداء هذه الأغاني و انقل للعالم ما يحدث في بلدي“. لقد صدر أحدث ألبوم لإيمانويل جال باسم انظرى الي امى في اغسطس ٢ ١ ٠ ٢

ايمانويل جال الذي سرقت منه طفولته عمل على حماية طفولة الآخرين من خلال التوعية و التبصير بقضاياهم بواسطة الموسيقى. و يقول الموسيقى هى الشيء الوحيد الذي يستطيع أن يتحدث إلى عقلك، وقلبك وروحك من دون إذن منك..” وردا على سؤال هل يجب ربط السياسة بالفن. يجيب جال: “عندما يكون هناك حاجة ينبغي المزج بينهما مثلا في أوقات الحرب و المجاعة والجوع والظلم، يمكن أن تثار هذه المأساى من خلال الموسيقى والسينما والرقص، ويمكن أن تستخدم لتوصيل رسائل الى الجماهير وخلق الوعي والتأثير على الناس بشكل إيجابي وخير مثال هو الفنان بوب مارلي الذى لا تزال رسالته تسمع حتى اليوم من خلال أغانيه القلبية، وقال ايمانويل انه يفتح العالم ليتعرف إلى الفساد والجشع فى الحكومة السودانية و ان مركز موضوعات أغانيه هى حملة من أجل السلام فى شقى السودان ورسالة واضحة بأن الأطفال لا مكان لها في الحروب.

خسر ايمانويل لتربح الانسانية

عمل ايمانويل كمتحدث رسمى باسم منظمة العفو الدولية و اكسفام و حملة جعل الفقر من التاريخ و ائتلاف من أجل وقف استخدام الاطفال الجنود وحملة الحد من الأسلحة.و في عام ٨ ٠ ٠ ٢ انخرط أيضا في الحركة الموسيقية لنشر الوعي حول العبودية المعاصرة والاتجار بالبشر كما انتج فلم وثائقي عن مسيرة حياته باسم طفل الحرب قدم لاول مرة في مهرجان برلين السينمائي و فاز بجائزة جمهور كاديلاك في مهرجان تريبيكا السينمائي ٨ ٠ ٠ ٢ كما فاز بجائزة افضل فلم وثائقى فى مهرجان ماوى السينمائى الدولى فى نفس العام .و جائزة جمعية التوثيق الدولية الامريكية كما نال ايمانويل العديد من الجوائز فى مجالى الموسيقى و العمل من اجل السلام. وفى فبراير ٠ ١ ٠ ٢ تمكن مارتن كريفن من توثيق قصة ايمانويل فى كتاب حمل اسم طفل الحرب قصة طفل جندى.

و بالرغم من إنجازاته في مجال الموسيقى الا ان أكبر انجازات ايمانويل هي قوة أفريقيا، وهي مؤسسة خيرية أسسها لتعمل فى مجال التعليم من خلال بناء المدارس و توفير منح دراسية للناجين من الحرب من السودانيين في مخيمات اللاجئين، و مؤسسة قوة أفريقيا هي أيضا واحدة من ثلاث جمعيات خيرية تستفيد من تحدى إيمانويل جال الذى سمى بافقد لتربح مع الجمعيات الخيرية الأخرى و هما مشروع يوغا أفريقيا و مشروع بدايتى. و كموسيقي و ناشط وشخصية عامة ملهمة دخل ايمانويل فى تحدى مع الآخرين سمى بافقد شيئا لمساعدة الآخرين الأقل حظا لتربح“. حيث تخلى طواعيا عن منزله ليعيش كرحالة خلال فترة التحدي و.نجح بنهاية المطاف ان يكمل ١ ٦ ٦ يوما ضمن تحدى اخسر لتربح لبناء مدرسة في منطقة لير بجنوب السودان تكريما لإيما ماكوين. و طوال فترة التحدى من ديسمبر ٨ ٠ ٠ ٢ إلى أكتوبر ٠ ١ ٠ ٢, كان ياكل وجبة واحدة في اليوم بعد ان تخلى عن وجبتى الإفطار والغداء لجمع الأموال وحشد الدعم للمدرسة التى منحها اسم اكاديمية إيما .

و كان مشروع إيمانويل جال الاخير هو حملة السلام العالمي التى تسمى نريد السلام عام ٢ ١ ٠ ٢, والمشروع هو عبارة عن جهد ثابت لإبلاغ العالم بأن السلام يمكن تحقيقة كما يمكن الوقاية من الإبادة الجماعية من خلال قوة الموسيقى والنشاط. وبذكاء يجري الترويج لرسالة السلام جنبا إلى جنب مع ألبومه الثاني انظر لي ماما“. وبالطبع يمكن استخدام نسبة من ارباح الألبوم لدعم الجمعيات الخيرية التى يرعاها ايمانويل. كما كان إيمانويل جال المتحدث الرئيسي في الدروس المستفادة من حركة برمنغهام و هى ندوة حول الشباب و النشطاء و المنضالين من أجل حقوق الإنسان، استضافها معهد برمنغهام للحقوق المدنية في أبريل ١٣ ٠ ٢

خسر امانويل طفولته لتربح الانسانية واحد من اشجع و اصدق النشطاء على الاطلاق. لقد هيأت لى الصدفة فرصة الالتقاء بايمانويل فى يونيو ٠ ١ ٠ ٢ فى العاصمة التشادية انجمينا ابان فعاليات المؤتمر الاقليمى لاجل انهاء تجنيد الاطفال فى المنطقة التى تشمل تشاد و السودان و النيجر و الكنغو و افريقيا الوسطى, و بينما كان ايمانويل يلقى خطابا مؤثرا على مسامع الحضور شردت افكر بعيدا فى مصير الالف من الاطفال السودانيين الذين كانوا و لازالوا يتعرضون للتجنيد القسرى والقتل فى مناطق عديدة  من السودان المنقسم.

محمد حسين

31 يناير 2015

References.1 ,2 ,3 ,4 ,5

 

الفلاتة سودانيون … من الذي يحدد شروط المواطنة؟

محمد حسين

تربطني علاقة صداقة راسخة بشخص رائع، ينحدر من قومية الفلاتة العريقة و القديمة قدم كل القبائل السودانية. وفى واحد من ايام دراسته الجامعية حجز صديقي العزيز كعادته مقعد فى الصف الامامي من قاعة المحاضرات، كان ضمن المئات من طلاب العلم يتابعون بشغف المحاضر المنهمك. فجأة قاطع تركيزهم صوت طرق على الباب، كانت طالبة متأخرة تستأذن الدخول، امتعض الأستاذ و انزعج حتى فقد وقاره كقدوة وبأسلوب عنصري بغيض لا يليق بالعلماء قال للفتاة ادخلى عاملة كدا ذي بت الفلاتة “.

للأسف تعامل جميع الطلاب داخل القاعة مع هذه الجملة الفجة بنوع من عدم المبالاة، لكن صديقي الجالس فى الصفوف الامامية تصدى الموقف و بصوت عالي قال للأستاذ احترم نفسك و تأدب انت فى مؤسسة تعليميةجملة غير متوقعة لجلج على اثرها العالم المفترض و ارتبك بشكل مثير للشفقة مما اضطره على الخروج مهرولا لعله يدارى شعوره بالحرج، اثار صديقي الموضوع مع ادارة الجامعة و التنظيمات الطلابية السياسية داخل الحرم الجامعي لكن كعادة السودانيين المشجعة للإفلات من العقاب تم احتواء الموقف من غير ان تقدم الجامعة او الاستاذ اى اعتذار رسمي عن هذا السلوك.

اتخذت هذه القصة كمدخل لمناقشة احدى كبريات القضايا الاجتماعية التى استفحلت فى معظم ربوع السودان بدرجات متفاوتة الا ان العاصمة الخرطوم نالت النصيب الاكبر، هى قضية اجتماعية و سياسية شائكة و مسكوت عنها ,لكنها تنهش ببطء نسيج الروابط الاجتماعية بين الشعوب السودانية و تفصل بين افراد المجتمع بمعايير ترتيبية عرقية مقيتة و تلصق وصمة و عار متوهم ببعض الاجناس، انه وباء عضال يندرج تحت قائمة العنصرية و التمييز اللتان تسببتا فى تهميش و اقصاء اجتماعي و سيأسى مزدوج لفئات عريضة من مكونات الشعب السودانى اغلبهم من السودانيين الذين تعود جذورهم الى غرب افريقيا.

و حتى لا يحدث اى التباس للقارئ يعزز من المفاهيم المغلوطة السائدة بشان هذه القوميات اود ان اوضح ان دراسات علم الاجناس الأفريقية المبذولة تفرق ما بين الفلات، الهوسا، التكارنة، التكرور، البرنو، الامبرورو و الايبو وغيرهم من شعوب غرب افريقية الذين تفاوتت هجرة بعضهم الى السودان نسبيا. ورغم التداخل الثقافي و الاجتماعي الكبيرين بين هذه الاثنيات الا انه من الخطأ تسميتهم جميعا بالفلاتة التى تعنى شعب أفريقي له ميزات و خصائص تختلف عن الهوسا و التكارنة مثلا. و مثال لهم فى السودان أولئك الذين يعيشون فى تلس بجنوب دارفور و الابيض و الجدير بالذكر ان تاريخ سلطنات دارفور ذكر فيه ان الفلاتة و الهوسا و البرنو كانوا ضمن شعوب تلك الممالك. اى ان بعضهم كان يعيش فى السودان قبل قرون من الان.

ان تهميش هذه المجموعات التى تسمى خطأ بالفلاتة فى السودان، عززتها ثلاثة اسباب. الاول مرتبط ارتباط وثيق بثقافة بعض هذه المجموعات نفسها. و الثاني بسبب القيم المجتمعية السودانية المحطة من قدر بعض الاثنيات و ادعاء النقاء و الاستعلاء العرقي كأحد افرازات مازق الهوية السودانية. اما السبب الثالث ايضا مرتبط بمأزق الهوية فى ثوبه الرسمي الذى تمثله الدولة السودانية العربية التى تعامل سلطاتها بمختلف انظمتها اعضاء هذه القوميات على انهم ليسوا سودانيون وحرمتهم عن عمد من حقوقهم فى الحصول على الجنسية اما اذا اعترفت بهم كمواطنين تجدها تبتزهم لأغراض سياسية مثل الانتخابات.

سوف نورد بعض الشواهد بشكل مختصر و غير مخل لإثبات فرضية ان بعض ثقافات هذه المجموعات كرست معاناتهم وزادت من تهميشهم. اجد فى حى (دار النعيم) احد احياء (مايو) جنوبي الخرطوم المثال الجيد. باعتباره التجمع السكاني الرئيسي لهذه المجموعات بالعاصمة القومية. سكان دار النعيم مجتمع مسلم و متدين تسود بينهم ثقافة مناهضة للنظام التعليمي المتعارف عليه (المدرسة). و كانوا فى السابق يمجدون التعليم الديني التقليدي الخلوةلكن هامش التمدن اجبرهم على التخلي عن التعليم الديني و الاستعاضة عنه بامتهان الحرف و الاعمال الهامشية التى لا تحتاج الى مهارات او تعليم على عكس سكان نفس المجموعات فى (سنار, كسلا, نيالا) التى ما زالت تتمسك بالتعليم الديني رغم انحساره نسبيا بشكل عام وهى ذات الثقافة الدينية الشعبية السائدة فى مجتمعات شمال نيجريا. ان ظاهرة حرمان اطفالهم من التمتع بحقهم فى التعليم الحديث سواء كان لأجل الخلوة او العمل تعاظم اكثر بسبب عجز الحكومة السودانية عن توفير التعليم الأساسي الإلزامي و المجاني كأحد التزامات اى حكومة محترمة و راشدة.

كذلك يتجنب بعض اعضاء هذه المجموعات عدم توثيق واقعات ميلاد اطفالهم لدى السلطات تفاديا للأسئلة المتعلقة بإثبات هوية الوالدين خاصة ان الاعتقاد السائد لدى معظم المسؤولين الحكوميين ان هؤلاء (الفلاتة) اجانب و القليل من اعضاء هذه المجموعات لا يرون فى شهادة الميلاد اهمية. ان الممارسات او الانتهاكات الثلاثة ان صحت التسمية التى تتمثل فى حرمان اطفالهم من التعليم وعدم استصدار شهادات ميلاد لهم بالإضافة الى الدفع بهم كعمالة انطوت عليها سلسلة من النتائج العكسية، اولها تفشى الامية التى حصرت اغلب انماط انتاجهم فى الجهد العضلي المعروف بمحدودية الدخل و تعدد المخاطر الصحية منها و الاجتماعية حيث تجعلهم على الدوام عرضة للسخرة و الاستغلال. و يلاحظ ايضا ان معظم سكان التجمعات البشرية المحيطة بالخرطوم (الحزام الاسود) تشاركهم نفس الإشكالية. وان عدم تسجيلهم للمواليد سواء كان بسبب خوفهم من تحقيق السلطات او لعدم ادراكهم باهميتها افقدتهم بشكل جماعي حقهم فى الحصول على وثائق رسمية تثبت هوياتهم كسودانيين.

يعتبر سوق (ستة) القديم بمدينة (مايو) و المجاور لحى دار النعيم واحد من اكبر محطات العاصمة القومية المفرخة للعمالة اليدوية الهامشية بكل انواعه، الشباب يتوجهون نحو المنطقة الصناعية، والاطفال الذكور يقصدون مثلث الخرطوم حيث يعملون فى غسيل العربات او نظافة الأحذية، اما الفتيات فهن الاكثر عرضة للاستغلال بسبب طبيعة الاعمال المنزلية التى ياديهن بالأحياء الخرطومية الراقية فى اوقات سابقة قبل ان تسيطر الاثيوبيات و الأسيويات على سوق عملهن، ليضطررن على الانخراط مع اخواتهن المهمشات فى تجارة المكسرات و الشاي والاطعمة البلدية فى الاماكن العامة، الا ان هذه الاعمال المكشوفة ايضا لم تجنبنهن سخط السلطات (الكشة) ,او التحرش و المعاكسات العامة.

اما الشق المجتمعي كسبب ثاني ادى الى تعزيز عزلة و اضطهاد القوميات السودانية من اصول غرب افريقية و تهميشها اجتماعيا هى نزعة بعض السودانيين التى تميل الى وصم بعض القوميات او الشعوب بصفات محطة من قدرهم كبشر، مثلا يستخدم على نطاق واسع فى شرق السودان لفظ نص مكنة لإنكار سودانية بعض المجموعات فى شرق السودان او حبشيكدلالة على العهر اذا كان الموصوف سيدة و التخلف اذا كان الموصوف ذكر، و حلبىفى اشارة الى البخل او التسول و على ذات النسق احتلت فلاتيموقع متقدم فى القاموس الشعبي كإشارة الى انبتات الاصل او الجهل لا تقل فظاعة فى سياقها العنصري عن كلمة عبد او فريخ او جنقاى.

صار الوصف بفلاتى نعت ممعن فى الاقصاء و التحقير يصنف الموصوف فى خانة الاشخاص غير المرغوب فيهم اجتماعيا باعتباره اقل انسانية من بقية البشر. و هكذا يحقر و يصد المجتمع بوعى او غير وعى كل الجماعات المنحدرة من اصول غرب افريقية باعتبارهم اجانب، و يضعهم بذلك فى درجة متدنية من الترتيب الطبقي المجتمعي، مما فاقم من عزلتهم كسودانيين و اعاق عملية اندماجهم و استيعابهم كأعضاء فاعلين فى المجتمع، فاجبروا على تفضيل السكن مع بعض فى مستوطنات بشرية منعزلة، و حرموا من انشاء علاقات اجتماعية مثل الزواج او الصداقة خارج نطاقهم العرقي و الاجتماعي، فدفع هذا الازدراء الرسمي و الشعبي بعضهم قسرا، خاصة اصحاب البشرة الاكثر اشراقا على انكار اصولهم لاعتقادهم ان ذلك سوف يسهل عملية قبولهم اجتماعيا و يجنبهم الوصف بالأجانب.

اما على الصعيد الرسمي نستطيع ان نستشهد بعشرات الامثلة لكن دعونا نكتفى بثلاثة امثلة تجسد كل انواع الاضطهاد الرسمي الذى يتعرض له هؤلاء السودانيين من قبل مختلف مستويات الدولة كسياسة رسمية، و هنا نمنح المثال الاول لرئيس الجمهورية الذى تعتبر اقواله تعبير صريح عن السياسات الحكومية العليا ,فى اكتوبر 2008 نسب الي الرئيس البشير تصريح يشكك فى سودانية الهوسا، خرج على اثره شعب الهوسا فى كل من القضارف و كسلا فى مظاهرات سلمية نددت بتصريح الرئيس الا ان السلطات واجهت المتظاهرين بقمع عنيف استشهد فيها سبعة اشخاص و جرح اكثر من مئة شخص .

و على مستوى اقل من رئيس الجمهورية نجد فى نموذج السيد احمد عباس والى سنار دلالات لا تقل فى وضوحها عن تعليق الرئيس و تعكس بشكل سافر السياسة التى تنتهجها الدولة فى عدم احترام التنوع و التقليل من شان السودانيين غير الناطقين بالعربية، فى ابريل 2013 صرح والي سنار بان سبب تدنى التعليم فى ولايته يعود الى وجود قوميات غير ناطقة بالعربية مثل الفلاتة و بعض قبائل غرب السودان واصر بشكل غريب على تصريحه رافضا الاعتذار وقال الداير يشتكى يشتكى، وهنا يقفز سؤال مهم لماذا تفرض الدولة على ابناء هذه الشعوب السودانية التعلم بلغة لا يطيقونها و لا يفهمونها .

سنة 2009 ذهبت فى زيارة رسمية لمدينة الجنينة بغرب دارفور و اثناء فترة إقامتي هناك و بالصدفة التقيت فى مناسبة اجتماعية بضابط امنى رفيع كان قد احيل الى التقاعد بعد مفاصلة رمضان الشهيرة، و اثناء نقاش على هامش المناسبة صدمني الرجل بمعلومات مثيرة و مدهشة، قال ابان خدمته كمدير لمكتب امن الجنينة فى بواكير الانقاذ ,طلب منه رئيسه المباشر تنفيذ حملة تفتيش على المعابر الحدودية المؤدية الى تشاد، و مصادرة اى اوراق ثبوتية سودانية بما فيها الجنسية من الاشخاص الذين سوف يعبرون تلك الحدود، التى تعتبر الطريق الوحيد الذى يربط هذه الشعوب بأصولها فى غرب افريقيا، وقال ان الجهود التى بذلها فريق عمله لبضعة اشهر اسفرت عن جمع اكثر من اثنين جوال خيشمعبأة بالجنسيات السودانية، فى مخالفة صريحة للقانون السودانى الذي يحظر نزع الجنسية بالميلاد، ويعرف السودانى بالميلاد بشكل صريح لا يمكن التحايل عليه او تفسيره ضد هذه القوميات و ان نفس القانون لا يصادر حق اى مواطن فى التمتع بجنسيتين.

ويتجسد النموذج الثالث فى الحملة الشرسة القائمة على التمييز و التى تشنها الدولة حاليا للقبض على مواطنين سودانيين لا يملكون وثائق تثبت سودانيتهم و تقوم بترحيلهم الى بلدان افريقية اخرى تحت غطاء ما يسمى بمحاربة التسول و الظواهر السالبة بالعاصمة القومية كما صرحت بذلك وزارة الرعاية الضمان الاجتماعي اكثر من مرة، وكذلك صرحت الشرطة السودانية فى العام 2013 بانها ضبطت اكثر من 12 الف متسول في الخرطوم خلال الخمسة أعوام الماضية كنتيجة للحملة التى تجرم التسول، و ان هذه الحملة بنيت على اساس اعتقاد رسمي ان المتسولين الذين يملؤون شوارع الخرطوم تم استجلابهم بشكل منظم من دول غرب افريقية .

تتخذ الحكومة هذا الادعاء كتبرير و غطاء لشرعنة هذه الحملات و تضليل المواطن بان هؤلاء اجانب، بالرغم من عدم امكانية استبعاد بان من بينهم ربما بعض الاجانب الا ان الشواهد الماثلة تشير الى ان سياسة الافقار الممنهج التى اتبعتها الانقاذ لمدة 25 عام لم تستثنى الا الفئة الباغية و ان التسول فى السودان اصبح الوسيلة الوحيدة للنجاة بالنسبة لشرائح عديدة، وهل شكل السودانى المتسول الذى تميل ملامحه الى شعوب غرب افريقية او اجادته للغات تلك الشعوب دليل على انه غير سوداني و يجب طرده بشكل مهين و مذل لكرامته مع انه قد يكون ولد فى السودان او مقيم فى السودان لأكثر من خمسة سنوات و حرم بسبب السياسات الرسمية من الحصول على وثيقة هوية.

قد يثير البعض سؤال استنكاري يشكك فى زعمي، على شاكلة كيف تقبل الدول الافريقية عودة اشخاص لا يحملون ما يثبت انهم من رعاياها، و هنا اقول ان الامر يتعلق بالفساد، كل الحكام الافارقة و انظمتهم فاسدين مع بعض الاستثناءات، و الا كيف قبل منقستو و نميري صفقة نقل الاف من المواطنين الأثيوبيين عبر السودان الى اسرائيل (الفلاشا) ؟، و كيف قبلت حكومة النيجر ترحيل عدد من القبائل العربية المزعجة للسودان بغرض ضمهم على مليشيات الحكومة من الجنجويد الذين يعيثون قتلا و حرقا فى دارفور؟، و حسب ما اخبرني صديقي الإرتيري، ان نظام اسياسى افورقى فى ارتيريا باع اكثر من 5 الف وثيقة سفر ل(بدون) الكويت كحل مؤقت لسياسة الحكومة الكويتية التى تحرمهم من حقهم فى الحصول على الجنسية و وثائق السفر الكويتية ؟، واذا ما صحت التسريبات الاخيرة سوف يتساءل الناس، كيف وافقت الانقاذ و بجرأة تحسد عليها قبول مجرد فكرة توطين بعض بدون الكويت فى شرق السودان؟.

جميع شعوب القارة الافريقية كانوا مثل الشعب الواحد من حيث التداخل و المصاهرة و الهجرات الجماعية تم فصلهم عن بعض لتسهيل ادارتهم و نهب ثرواتهم من قبل المستعمر الأوربي الذى رسم حدود من خياله فصل بها بين القبائل و الاسر ورسم حدود سياسية وهمية لا تعترف بها العديد من الشعوب التى تربطها اواصر الدم و المصاهرة و الثقافة، و السودان كنموذج لأفريقيا مصغرة يحتضن اناس يتباينون بشكل كبير فى الالوان و السحنات و الاصول لكنهم يطمحون ان تتم معاملتهم جميعا كرعايا لدولة حديثة لا تعتمد العرق ضمن المعايير الاساسية لتحديد و تعريف المواطنة حتى يتمتعوا بحقوقهم الدستورية كاملة غير منقوصة، و بذلك سوف لن يروا ضيرا فى ان يكون من بينهم سوداني من اصل سكسونى و اخر هاشمي او فولانى او حبشي او قبطي, و انهم جميعا سودانيون سواء كانوا بالميلاد او بالإقامة او الزواج المختلط و ان اختلفت اصولهم، فمن الواجب علينا كشعوب و حكومات ان لا نساوم على سودانية الفلاتة و غيرهم، و ننفض عن اذهاننا افكار الجاهلية التى تعيق تقدمنا نحو الافضل.

محمد حسين

27 ابريل 2014

الفتة وجبة الذئاب الجامحة !!! .

 

7569_10202236671590729_289279000_n

 محمد حسين

تأسفت اشد ما اسف على الجريمة المزدوجة التى ارتكبت فى حق حفيدة النجاشي اغتصاب جماعي و تشهير. و كما هو معروف ان الاغتصاب واحد من ابشع انواع الجرائم فى مختلف النظم و الشرائع . لكن بقدر بشاعة هذه الحادثة ,بدأ بعض الاشخاص فى ترديد عبارات مبطنة تحمل معاني تبريرية . و اخرون تعاملوا مع الفيديو كفلم إباحي و بعضهم اعتبر سكون الفتاة و عدم مقاومتها للجريمة نوع من علامات الرضاء و القبول و بعض اخر اعتبرها حادثة دخيلة لا تشبه سماحة و اخلاق السودانيين .ان معظم هذه العبارات تجدها بطريقة مباشرة او غير مباشرة موغلة فىى الانكار لواقعنا المرير و اصرار على تغبيش الوعى و البصيرة عن العديد من مظاهر التردي الأخلاقي . و باستثناء فئة قليلة ادانت و استنكرت الحادثة بشدة لكن هى الاخرى اكتفت بالتعاطف تجنبا لعناء البحث و النظر الى ما وراء الواقعة,.وبغض النظر عن هذه الآراء المتباينة , يستطيع المراقب للتحولات السلوكية السالبة و العنيفة و النزعة الاجرامية التى اجتاحت مؤخرا فئة ليست ضئيلة من الشباب ان يصنف هذه الحادثة فى خانة ما يعرف عند الشباب با الفتة” .و هى مكيدة اجرامية يتفق على تنفيذها مجموعة من الشباب يلعب فيها احدهم دور بطل ماجن يستدرج اى بنت,سودانية كانت او اجنبية بغرض ممارسة الحب بمقابل او غير مقابل . وعندما تدخل البنت فى علاقة مع شريكها الذى اغواها , فجأة يظهر لها بقية الوقحاء , فيخلق الاقتحام المفاجئ للحظة العرى و النشوة حالة من الرهبة و الفزع لدى الفتاة و يزيد من وطأته موقفها المحرج و غير الاخلاقي حسب القيم السائدة . فيسهل ابتزازها و استغلاها و توظيف خوفها بطريقة حقيرة يضطرها على تلبية رغبتهم المخزية و تمكينهم من نفسها تجنبا للعار الذى قد يلحق بها و اسرتها اذا ما مانعت. “الفتةهى حالة منتشرة فى واساط بعض الشباب بدرجات متفاوتة ,و انا شخصيا منحتني الصدفة فرصة الاستماع و بذهول لقصص عديدة مماثلة استخدم فيها الجناة اساليب مختلفة مثل التخدير و التهديد و الاختطاف . فاختزال هذه الحادثة و اعتبارها حدث معزول ظهر للرأي العام بالصدفة قد يزيد من تعقيد المشكلة و استمرارها و لا يقدم حلول ناجعة حتى لو وقع على الجناة اقصى درجات العقاب. ببساطة لان القضية مرتبطة ارتباط وثيق بتحولات كبيرة عصفت بمجتمعاتنا . وهذه الممارسة هى واحدة من قضايا عديدة يعانى منها بعض الشباب مثلها مثل المخدرات و العصابات و الهمبتة ,.و يلاحظ بوضوح ان المترددين على ارتكاب جريمة الفتةعلى حد وصفهم انتجوا تكتيكات عديدة تساعدهم فى التنفيس عن رغباتهم الحيوانية . منها استسهال جريمة الاغتصاب وتهوينها او تبسيطيها فى لفظ لا يصف فظاعة الجرم و يمكن الجاني من تجنب الشعور بالذنب جراء فعلته . كذلك مثل هؤلاء الشباب يروجون فيما بينهم لمفهوم ان الداعرة او الانثى التى تمارس الحب خارج المنظومة المتعارف عليها لا تمانع فى الحصول على المزيد كرها ابتغاء المتعة كما يعتقدون .بالإضافة الى عوامل اخرى مثل البطالة , المخدرات , التفكك الاسرى , الحرمان , الجهل و غيرها من الظروف التى توفر بيئة نفسية و سلوكية خصبة للتمادي. ايضا هى ليست بمعزل عن الدور السلبى للمجتمع الذى يقول عنه البعض سمح و أخلاقي . هذا المجتمع يتبنى مفاهيم تحفز بل تجبر المغتصبة على التكتم و اعتصار احزانها تجنبا للوصمة . و لولا تسرب هذا الفيديو ما تمكن احد من اكتشاف هذه الجريمة. لان الضحية تكون قد فضلت الصمت كمثيلاتها من الضحايا الاخريات صونا لسمعتها حسب مفهوم المجتمع للشرف الذى تم تضخيمه ليشمل بشكل مطاطي ايضا الجنس تحت الاكراه و العنف الجنسي بشكل عام ليساهم بدوره فى تفشى مثل هذه الجرائم من خلال منح المجرمين فرصة الافلات من العقاب و فى نفس الوقت حرمان الضحية من الحصول على الانصاف و الدعم النفسي مما يفاقم من شعورها/ه بالظلم ثلاثة مرات . مرة بالاغتصاب و مرة بالحرمان من السند و مرة اخيرة بغياب القصاص. ايضا من بين العوامل المحفزة لهذا النوع من الجرائم , هى سياسة الدولة التى تتمثل فى استخدام الاغتصاب كسلاح فى مناطق النزاعات و اذلال المعارضين و الذى اوجد ضحايا كثر من غير سند و جناة طلقاء لم يدفعوا الثمن و من كثرة تواتر اخبار جرائم الاغتصاب خاصة فى مناطق النزاعات امتلك الرأي العام مناعة ضد الصدمة و الدهشة . كذلك لعب اعلى هرم السلطة دور سالب قتل فى نفوس البعض ما تبقى من قيم رافضة لهذا النوع من الجرائم . وحدث ذلك فى مناسبتين مشهورتين . العفو عن مغتصب ادانته المحكمة و حديث الغراباوية. عليه تكمن بعض حلول هذه الروح الاجرامية الجامحة فى محاصرة محفزاتها ,و اولها , يجب على المجتمع ادراك ان تمسكه الاعمى بمفاهيم ذكورية مؤذية مثل ربط الشرف بالمرأة و لصق العار بالأنثى و ان كانت مجنى عليها كانت و لا زالت تتسبب فى اثار وخيمة و تحدث نتائج عكسية لذلك عليه التخلي عن مثل هذه المفاهيم المغلوطة لصالح قيم مساندة تحض الضحايا على التبليغ من غير اى وصمة او عواقب اجتماعية . كذلك علينا تغيير النظرة الشعبية التحقيرية التى تصنف اللاجئات اللائي دفعتهن ظروف قاهرة على مغادرة اوطانهن على انهن مومسات رخيصات مستباحات او انهن بشريات اقل كرامة . و انهاء حالة الافلات من العقاب كمسئولية مجتمعية . اما عن المسئولية الحكومية, اجد نفسى غير متحمس لمناقشتها طالما مؤسسات الدولة لا زالت تستخدم الاغتصاب كسياسة ممنهجة و سلاح فعال . و فى كل الاحوال ان هذا النظام سوف يخلف تركة ثقيلة بعد سقوطه خاصة على الصعيد الاجتماعي.

17 يناير 2014

غازى العتبانى ومفهوم الوطن و المواطنة.

ghaziمحمد حسين

كشفت المقابلة التى أجراها غازى صلاح الدين العتبانى مع صحيفة المصري اليوم فى الرابع من يناير و التى نشرت على موقع “الراكوبة”، كشفت عورة ادعياء الإصلاح من الاسلاميين وضعف حجتهم، لقد اظهر العتبانى المنبوذ من الطاغوت الذى صنعه بنفسه عن عقلية تؤكد استحقاقه هو و مجموعته  عدم القبول من المعارضة و الشارع العام باعتباره شريك فى هندسة و تنفيذ سياسات الإنقاذ لمدة قاربة الربع قرن استبيح فيها الوطن و المواطن، كذلك ان ما ذكره غازي منشد الاصلاح شكلا لا جوهرا و مدعى التغير السطحي فى مقابلته يدعم فرضية استحالة تقويم المشاريع السياسية المرتبطة بالدين، وان تجربة الاسلام السياسي الانقاذى الماثلة تبرهن كل يوم عدم امكانية نجاح اى مشروع ديني فى مخاطبة قضايا المواطنة و القومية و ان فكرة اصلاح هذه النظرية الفاشلة ما هو الا محاولة لتسويق نفس البضاعة فى اغلفة جديدة .

و هذا ما اثبته لنا غازى فى تصريحه لصحيفة المصرى الذى قال فيه، ان أهم الأسباب التى دفعته ومجموعته للتوقيع على ما يسمى «مذكرة الإصلاحيين»، التى كانت سبباً رئيسياً لفصلهم من الحزب الحاكم فى أكتوبر الماضى.” هى صُدمتنا من الطريقة التى تعاملت بها الحكومة مع مواطنين يطالبون بحقوقهم الدستورية، و ساءنا أكثر أن ترتبط تلك الممارسات بدعوى عريضة بالاحتكام إلى الشريعة الإسلامية، فكان لابد من صيحة ضمير وقد أطلقناها فى وقت كان يُطاح فيه بالرؤوس”

غازى كان اعمى و اصم و ابكم طوال ربع قرن، لم تثير حفيظته الجرائم التى ارتكبت فى جنوب السودان قبل ان ينال استقلاله و لم تستفز مشاعره فظائع دارفور و لم يحرك سكون ضميره سلاح التجويع الذى يستخدم فى جنوب كردفان و النيل الازرق و مجزرة بورتسودان و كجبار، لكن حرك قلبه المتحجر مجزرة سبتمبر، لقد سقط فى سبتمبر 200 من الشهداء الاماجد فى الخرطوم ، كان هذا العدد كافى ليعلن غازى عصيانه على ولى نعمته فى حين ان هذا العدد يعتبر صغير مقارنة بأرقام ضحايا الانقاذ فى بقاع اخرى من السودان، ملايين الانفس البريئة قتلت بطرق ابشع من ما شهدناه فى الخرطوم و الاف النساء اغتصبن باسم الشريعة و المشروع الحضاري فى وقت كان غازى متنفذا فى السلطة .

لقد حمل تصريح الرجل اهانة و استفزاز لمشاعر ذوى ضحايا الانقاذ من خارج ولاية الخرطوم الذين يقدم لهم غازى نفسه كمصلح مخادع يبتغى الظفر بالسلطة ليس الا، و يستشف من تصريحه بجلاء انهم بالنسبة له فى مستوى البهائم النافقة لا تستحق ادنى اهتمام الا بقدر تجنب عفونتها و نتانتها، و يبين انه يتخذ معيار غير أخلاقي وربما عنصري فى تقسيم المواطنين السودانيين على فئة تستحق تعاطفه و اخرى اقل مرتبة فى سلم الانسانية، و الا ما هو المبرر الذى جعل غازى يسكت بل يشارك فى ازهاق ارواحهم طوال هذه المدة و فجأة من غير مقدمات صحى ضميره بسبب مجزرة سبتمبر التى كما قلنا لم تتجاوز مجمل حصيلتها من الضحايا عدد من يقتلهم الجنجويد و القوات الحكومية فى يوم واحد فى دارفور .

الم يسمع غازى بما حدث يوم 27 فبراير 2004 فى مدينة طويلة بشمال دارفور المدينة الامنة الغنية المأهولة بالسكان و التى حولها مليشياته وقتها بين ليلة وضحاها الى خرابة تسكنها القطط و الكلاب الضالة الان، هل يعرف غازى كم نفسا قتلت فى ذلك الهجوم؟ اكثر من 200 شخص من طويلة و ضواحيها، و كم امرأة اغتصبت ؟ عشرات، و كم من الاموال و المقتنيات نهبت ؟ (50) شاحنة وسيارة، و كم بيتا حرق؟ مئات، و تشرد 35 الف بعد ان فقدوا مدخرات العمر، ببساطة ياغازى ما حدث فى طويلة من فظائع لو تعلم تفوت بألاف المرات ما حدث فى الخرطوم فى هبة سبتمبر.

ربما هناك عذر يتعلل به غازى لحجب تعاطفه مع هؤلاء البشر، مثلا عدم مشاهدته  لتلك الفظائع، او انه كان مشغول بنعيم السلطة و المال بحيث لم يقرأ التقارير التى تحدثت عن قتل 400 الف مواطن سوداني دارفورى او ربما اطلع عليها لكنه صنفها فى خانة المؤامرة الامبريالية الصهيونية المعادية للإسلام او اعتبر الضحايا متمردين رفعوا السلاح ضد الخلافة الاسلامية و امير المؤمنين، و لو سلمنا جدلا بهذه الحجج الافتراضية، ماذا يا غازى عن مجزرة طلاب الجزيرة بود مدنى الذين اغتيلوا بدم بارد فقط لانهم طالبوا و بطريقة سلمية بحقهم فى العلم و المعرفة، طالبوا بتنفيذ اتفاق سلام منحهم شروط تفضيلية كان غازى احد الذين هندسوا نصوصه، لقد شهد الكل بان تلك المجزرة كانت عنصرية صرفة بتدبير و اصرار منظم من الاجهزة الامنية و حتى يومنا هذا لم يقدم فيها احد للعدالة رغم اللجان التى شكلت، هل بلغتنا يا صحاب صحوة الضمير ما هو المعيار الذى تبنى عليه مواقفك من القضايا الوطنية.

ليس مستغرب ان يخرج علينا غازى بهذا التبرير الفج و هو ابن نظام و حزب قلص و لا زال يقلص من مساحة الوطن، كيف لا و غازى كان جزء من منظومة تنظر للوطن بعيون رجال الاعمال الذين وصلت بهم الجراءة حد ان يرسموا له خارطة للاستثمار السياسي فى ما عرف بمثلث حمدي، الا ان صدر غازى اصبح اكثر ضيقا من اخوه حمدي حيث اختزل الوطن فى الخرطوم و بتعبير ادق الوطن بالنسبة له المنصة التى تنتصب عليها قدميه و ان الموطنين الذين يستحقون تعاطفه هم فئة قليلة من سكان ولاية الخرطوم، و بذلك لا اجد فرق بين تعريف غازى للمواطنين الذين يجب ان لا تراق دمائهم و بين مفهوم من يناهضه مثل البشير الذى يستبيح سفك دماء بعض المواطنين بشكل انتقائي.

ربما كان السيد غازى يتربص و يتصيد الفرص ليقفز من سفينة الانقاذ الغارقة لا محالة ، و المثل الشعبي بقول المتسبل تبكيه الريشة“، فكانت ريشة سبتمبر السانحة التى استغلها غازى من غير حرج ليبكي بحرقة و يغسل بدموعه اياديه الملطخة بدماء الابرياء من كل بقاع السودان، و هذا ما يفسر عقليته القديمة التى لا تزال تظهر بوضوح فى حواراته، و تؤكد ان الرجل لم يخضع مشروعه لمراجعات و لم يغير من منهج تفكيره، اذن ما فائدة الاصلاح اذا كان غازى لا زال يفكر بنفس الطريقة و يحلل بذات الادوات القديمة و يتبنى المشروع ذاته بإضافة شوية رتوشكلامية، الاصلاح الاصلاح الاصلاح ، ما معنى هذه الكلمة ياغازى هل تعنى تبديل الجلد السياسي اما تعنى التلون بطريقة انتهازية لاجل كسب مزيد من الفرص فى المستقبل، هل الاصلاح تكتيك جديد للالتفاف على خاصرة الوطن مرة اخرى .

على اى حال ياغازى السودان بشكله الحالي هو الوطن رغم عنصرية البعض، و سكانه من كل الشعوب السودانية التى لا زالت تقاوم من اجل البقاء و تتفادى بإصرار عنيد آلة الابادة الانقاذية هم مواطنون فى نفس درجة و مرتبة اخوانهم من سكان مثلث حمدى و تحيزاتك الاكثر انحسارا، فاى شخص لا ينظر الى السودانيين بمعيار المساواة فى الكرامة و الانسانية و المواطنة و يفاضل ما بين دمائهم و يقيم ارواحهم على نحو مناطقي عنصري هو شخص غير مؤهل اخلاقيا لتولى شؤونهم. و كذلك السياسي العاجز عن التعبير عن قضايا شعبه بشكل عادل فى الاوقات الصعبة يفقد اخلاقيا مشروعية تمثيلهم فى وقت لاحق . كما ان اى مشروع سياسى لازمه الفشل لمدة 25 عام يكون قد استنفد كل الفرص بما فيها الكفاية للحكم عليه بالبوار باعتباره مشروع فاشل فاقد للكفاءة و الاهلية .

8 يناير 2014

اليسار السوداني ورقيص العروس.

 B8nYPIrCAAAZrGrعماد الدين عيدروس.

تشخيص

السلفية هى ماضٍ مجيد متخيل كان فيه لكل مشكلة سياسية/ثقافية/إجتماعية/إقتصادية حل بالغ السهولة والفائدة والجذرية. القيم والاخلاق تتشكل من رحم الصراع في المجتمع ولكن حين تقوم (السلطات) بتثبيت وتابيد القيم والأخلاق السلفية كقيم وأخلاق نهائية (بالقانون مثلاً) فغرضها (ليس تمجيد هذه القيم والأخلاق) ، ولكن سجن المجتمعات وتقييدها من التحرك والصراع للأمام.المجتمعات في أزمان نكوصها وعجزها أمام التحديات تستجيب للقمع الناعم (عن طريق التربية والمدرسة والمجتمع والقانون) للسلطات، وبل ربما تصير أكثر سلفية بما يهدد السلطات نفسها. الحالة السلفية لطريقة التفكير السائد في السودان لا تنسحب فقط على الثقافة العربية الإسلامية، بل تنسحب على كل الثقافات السودانية بما فيها الثقافة العربية الإسلامية كثقافة مهيمنة

طريقة التفكير السائدة عند جماعات الثقافة العربية الإسلامية المهيمنة في السودان تُغيب الإرث والتاريخ السوداني الضارب جذوره في ألأعماق السحيقة للتاريخ، وتستبدله بأرث وتاريخ العروبة والإسلام (العربي وليس السوداني)، وليتها وقفت عند ذلك فقط، ولكنها ومع الحراك الشديد لباقي الجماعات وصراعهم لإيجاد مؤطئ قدم في الساحة السياسية الثقافية والإجتماعية الإقتصادية،ولشعورها بالتهديد من هذا الحراك تستلف طريقة التفكير السائدة والوجه الأكثر سلفية للتراث والثقافة العربية الإسلامية، لا تعيد قراءته من صراعها وتاريخها في السودان وإنما تستلفه من إرث وتاريخ هذه الثقافة في الجزيرة العربية ومصر وباقي الدول العربية.

رد الفعل على هذه (السلفنة) من قبل طريقة التفكير السائدة والثقافة العربية الإسلامة المهيمنة يختلف حسب الموقع السياسي الثقافي الإجتماعي الإقتصادي. غالباً الجماعات ذات اللغات المختلفة والثقافات ذات الجذور الأفريقية في السودان، غالباً ما يكون ردهم على هذا الهجوم السلفي بإيجاد محطة تاريخية تستند عليها سلفيتهم هم، كأن يرجعوا برؤاهم لإستلهام التاريخ من مملكة الفور، الفونج وكوش مثلاً. هذا الهجوم المضاد مع إنه ينجح (ظاهرياً) في التصدي لهجمة الثقافة المهيمنة والسلطات التي تدعمها وتروج لها، إلا أنه يفشل في النهاية في النجاة من فخ التفكير السلفي السائد والذي يهدف إلى سلفنة كل المجتمعات والثقافات.

 ومن ثم نأتي لجماعات اليسار والتي بداياتها في السودان (في إعتقادي) كانت تصدياً للإستعمار بإستلهام الثقافة المناهضة له من الثقافة الأوروبية نفسها. جماعات اليسار السوداني وفي خضم عجزها المتكرر عن الإنتقال بالمجتمع إلى قيم الحداثة والتنوير من حقوق وحريات وفردانية وديمقراطية وعلمانية، وفي ظل الهجمة الشرسة للسلفية العربية الإسلامية، في خضم كل هذا تعتقد جماعات اليسار أن التخلص من الإرث والتاريخ السوداني بمافيه (الثقافة العربية الإسلامية السودانية) بدمغه بأختام التخلف والرجعية و(التسليع) و(إمتهان كرامة الإنسان) والعنصرية والدموية سينتهي بأن تتقبل المجتمعات السودانية أطروحاتهم  من غير بذل جهد حقيقي يضع هذا الإرث والحقائق التاريخية في موضعها من حلقات تطور المجتمع السوداني بكل ملابساته وسياقاته. رد اليسار السوداني يقتصر على العناوين ولم يبذل فيه جهد لقراءة الواقع والتاريخ السوداني بالأدوات الحديثة ودمج هذه القراءة في مفاهيم وحركة مجتمعاتنا السودانية، وحتى العناوين ذاتها تجدها مستلفة من الثقافة الأوروبية التي تشكلت في ظل الرأسمال بينما نحن في السودان مازلنا نرزح تحت وعي شبه الإقطاع ولم يتم بذل أي جهد لقراءة معاني هذه الأختام والعناوين في الواقع السوداني المختلف. ويا للعجب ننتهي بأن اليسار ياخذ نفس موقف اليمين السلفي كلاهما في حالة إنكار وقطيعة مع الترث والتاريخ السوداني وإنما تحت مسميات مختلفة، وأحدهما سلفية بمرجعية الإرث والثقافة العربية الإسلامية والثاني سلفية بمرجعية الإرث والثقافةالأوروبية.

إنه مُكر وشرك الأيدولوجيا (طريقة التفكير السائدة التى تنتجها وترعى تطورها السلطات المتحكمة بالمجتمعات) ، لا نستطيع يسار ووسط ويمين الخروج من هذا المأزق إلا بنقد طريقة التفكيرالسلفي السائد أولاً، ومن ثم النزول بالأفكار إلى بحر الواقع المائج الهائج وإمتحانها بالحوار الحقيقي مع مجتمعاتنا في حراكها الحاضر ومع إرثنا وتاريخنا. إن الأفكار التي تقف عند العتبة لا تصير جزءاً من البناء، بناء المجتمعات السودانية.

المشهد

 نتناول هنا رقصة العروسة في وسط السودان ، وهي طقس مكون من عدد من الرقصات تؤديها العروسة في ليلة زفافها بمشاركة العريس ، كانت هذه الرقصة تؤدي أمام المتفرجين من المدعوين لحفل الزفاف من الجنسين لكنها الآن أصبحت غالباً ما تقتصر علي النساء فلا يشارك فيها أو يشاهدها من الرجال غير العريس يسبق الموعد المحدد لهذه الممارسة تجهيزات تمتد لأسابيع وربما شهور ، بعض هذه التجهيزات تنتظم (بيت العرس) حيث تجري ترميمات لمنزل أهل العروسة وتجهيز الساحة التي يقام عليها العرض سواء كانت داخل المنزل أو خارجه ، تضاء هذه الساحة بالمصابيح الملونة وتزين بما يتيسر من الزينات الحديثة أو التقليدية كأفرع شجر النخيل، في هذه المناسبة يلبس المدعوون أفخر ما لديهم من ملابس وتستعمل النساء أوات التجميل والزينة ، أما العريس والعروسة فتكون العناية بتزيينهما كبيرة، فالعريس يخضب بالحناء والعروسة تخضع لفترة طويلة قبل موعد الزفاف لكبار النسوة لتجليتها واختيار الأزياء الخاصة بهذه الممارسة . كما تخضع لفترة تدريبية علي الرقصات والتي سوف تؤديها في تلك الليلة بقيادة إحدى النسوة الخبيرات في هذه الرقصات والتي غالباً ما تكون المغنية الرئيسية وربما الوحيدة وهي التي يوكل لها عزف الآلة الإيقاعية المصاحبة للرقص يلاحظ أن رقصات تلك الممارسة يغلب عليها الطابع التعبيري ويبدو فيها الصراع واضحاً بين العريس والعروسة، فالعريس يحاول أن يجعلها تنقاد له بينما هي تحاول الإجفال وهي كثيراً ما تتبع توجيهات المغنية التي كانت قد لقنتها لها أثناء الفترة التدريبية ، أو التي توجهها لها أثناء العرض نفسه

المصدر

 سلفية الثقافة العربية الإسلامية تحاول أن تلغي التراث والطقوس السودانية من العقل السوداني وبالذات (رقيص العروس) بحجة مخالفتها للشرع (حيث أن العروس ترقص شبه عارية)، ويتابعها سلفيو اليسار السوداني بحجج مختلفة منها:

إن رقص العروس للعريس هو في حقيقته تسليع*1 لجسد المرأة، حيث أن الرجل يدفع المهر لشراء المرأة وهذا يماثل شراء العبدات للمتعة في الزمان الغابر ومن ثم تقوم المرأة (العروس) بعرض الجسد = البضاعة للعريس في شكل الرقصة المؤداة.

 الرد على هذه الحجة يأتي من عدة وجوه: أولها إنه لازال السودان يشتمل على شعوب في غير الشمال والوسط وفيها (رقصات خاصة بالزواج، وفيها تقريباً نفس العري)، وتمتد جذور هذه الممارسات إلى الماضي السحيق وترتبط بطقوس الرقص للآلهة طلباً للخصب بكل ما فيها من الحب والإحتفاء بالجسد. في النسخة الحديثة لشمال ووسط السودان يتضائل دور الرجل في رقصة الخصب (يتابع ويمسك بالعروس حينما تقع أثناء الرقصة وإلا تم تسجيل هدف عليه)، هذا الدور المتضائل في رأيي هو نتيجة وليس متضمناً في بدايات ظهور الرقصة، ففي ظل سلفية الثقافة العربية الإسلامية ينظر لمن يرقص في مجتمع الشمال والوسط بأنه أقل من الرجال وربما نعتوه بالمثلية (جرب أن تكون مثلي في هذا المجتمع القاسي البارد) فللرجال نسختهم المختلفة عن النساء من الرقص في شمال ووسط السودان.إذاً ففي رأي (رقيص العروس) هى بذاتها رقصة الخصب وقد تضائل دور الرجل فيها نتيجة لسيادة طريقة التفكير السلفى.

أما التسليع فالرد عليه أن الوصف ينطبق علي طريقة الزواج وليس على الرقصة، ألا ترون إنه إذا كان هناك زوج  متحاب ومتفاهم وإتفقوا على الزواج بدون شبهة الشراء والبيع وإتفقا على إقتسام الحياة بمحبة وعدالة وتساوي تنتفي هذه الحجة، إذن لا ضير في أن ترقص مثل هذه العروس، أوليس كذلك؟.

أن العروس ترقص لأهل العريس وللعريس حتى يتأكدون أنها كاملة مكملة الجسد وللعريس حتى يكون مستفزاً جنسياً وحاضراً في ليلة الدخلة تحت إغواء الجسد. إن العروس لا ترقص لمتعتها ولا إحتفاءاً بجسدها ولكن ضغوط المجتمع عليها هى التي كانت تضطرها للرقص، بكل ما يعني هذا من إمتهان لكرامتها كإنسان.

إذاً فالإعتراض هنا على شئ آخر لا يخص (رقيص العروس). فماذا يمنع أن تقوم عروس بمحض إختيارها وليس إستجابة لضغوط إجتماعية (أو بتلاشي هذه الضغوط بفعل تطور المجتمعات)، ما الذي يمنع هذه العروس من الرقص إحتفالاً بجسدها وبالحياة وبالفرح وبمن تحب، وربما يتطور دور العريس إلى المشاركة الكاملة في الرقص بدلاً من دوره الضئيل الآن.

إن طقس رقيص العروس يفضح طريقة التفكير السائد ثلاث مرات بما يتعرض له من محرمات الرقص والعري والجسد، وفي رأيي يجب تخليصه من شراك طريقة التفكير السائده وإرجاعه طقساً سودانياً خالصاً للإحتفاء بالجسد والحب والحياة من قبل العروس والعريس.

 أنا هنا (ولا يجب أن يفهم البتة غير ذلك) لا أطالب بإعادة الحياة لكل طقوسنا وموروثنا السوداني للحياة كما كانت تمارس في الماضي، ولكني ألح على إعمال العقل النقدي في طريقة تفكيرنا، في أفكارنا، وفي أحكامنا على الطقوس والموروث والتاريخ والحاضر. فالسلفية تتسلل إلى تفكيرنا من ثقوب البداهة والتعود والإستسهال. وإحتفائي بطقس (رقيص العروس) مع حبي وإستمتاعي به، هو بالنسبة لي هنا : نافذة لفضح  طريقة التفكير السائدة ولفتح إنغلاق وإنسداد القيم والأخلاق والأفكار الضيقة في كل مجتمع من مجتمعاتنا السودانية المتعددة حتى نتفهم قيم وأخلاق وأفكار الآخر السوداني، وربما نتبناها، من يدري؟!!!!.

 1* تسليع من سلعة يعني: (التسليع ويعني تحويل البضائع والخدمات وأيضاً الأفكار أو أي شئ آخر هو في المعتاد ليس ببضاعة.إلى سلعة)

عماد الدين عيدروس.